تعد شبه الجزيرة الأيبيرية من أكثر البقاع الجغرافية تعقيداً وثراءً على وجه البسيطة، إذ لا يمكن فهم تاريخها البشري بمعزل عن مفهوم التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية الذي يمثّل خلاصة تراكمات حضارية متشعبة الجذور. فهذه البقعة التي تجمع اليوم إسبانيا والبرتغال وجيب جبل طارق، ليست مجرد رقعة جغرافية تفصل بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، بل هي مختبر حضاري بامتياز، شهد على مدى آلاف السنين اندماجاً وتصادماً وتبادلاً بين ثقافات وأديان وأعراق شتى.
إن التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية لم يكن مساراً خطياً أو رحلةً هادئة نحو التقدم، بل كان سلسلة من الهزّات العميقة والمتقطعة؛ من التعددية الحضارية التي أفرزتها الأندلس، مروراً بالتجانس القسري الذي فرضته محاكم التفتيش، وصولاً إلى التعددية الديمقراطية التي تحاول المجتمعات الإيبيرية ترسيخها في خضم موجات العولمة والهجرة. ولفهم هذه الرحلة الاستثنائية، لا بد من الانتقال من مرحلة إلى أخرى بعين تحليلية تستحضر السياق التاريخي وتستشرف الراهن.
يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة معمّقة في التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية عبر أربعة محاور رئيسية: الجذور التاريخية للنسيج الاجتماعي، ومرحلة الانغلاق والتحولات الكبرى، والمخاض السياسي والاجتماعي في القرن العشرين، وصولاً إلى الواقع الراهن وتحديات الهوية المعاصرة.
المبحث الأول: الجذور التاريخية للنسيج الاجتماعي الإيبيري
المطلب الأول: التعددية الحضارية في العصور القديمة والوسطى
لا يمكن أن نناقش التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية دون العودة إلى أعمق جذوره في ما قبل التاريخ المدوّن. فقد شهدت هذه المنطقة موجات متتالية من الاستيطان البشري، بدءاً بالإيبيريين والكلت والفينيقيين واليونانيين، ثم القرطاجيين، قبل أن يحكم الرومان قبضتهم عليها في القرن الثاني قبل الميلاد. وقد أسهم الحكم الروماني الذي امتد لستة قرون تقريباً في تشكيل البنية الأساسية للمجتمع الإيبيري؛ إذ نشر اللغة اللاتينية التي صارت أساس اللغتين الإسبانية والبرتغالية، وبنى المدن والطرق والمنظومات القانونية، فضلاً عن نشر المسيحية التي غدت مرتكزاً هوياتياً لا يتزعزع.
في مطلع القرن الخامس الميلادي، اندفعت القبائل الجرمانية من قوط وفاندال وسويبي إلى شبه الجزيرة، مُخلّفةً بصماتها على التنظيم الاجتماعي والسياسي. وقد نجح القوط الغربيون في بناء مملكة موحّدة تمتد على معظم الشبه الجزيرة، وأرسوا تقليداً ملكياً انتخابياً فريداً وإن ظلّ متذبذباً في استقراره. بيد أن هذه المرحلة لم تبلغ مديات التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية التي سيبلغها الحكم الأندلسي لاحقاً.
في عام 711 ميلادية، عبر طارق بن زياد مضيق جبل طارق، وفي غضون سنوات معدودة كانت غالبية شبه الجزيرة تحت الحكم الإسلامي. لم تكن هذه الفتوحات مجرد تبديل لحكام وسلالات، بل كانت بداية لحقبة جديدة بكل ما تحمله من إعادة تشكيل للنسيج الاجتماعي في عمقه.
المطلب الثاني: نموذج التعايش الأندلسي - إثنولوجيا التسامح والتبادل الثقافي
يمثل نموذج الأندلس اللحظة الأكثر إشراقاً في تاريخ التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية، تلك التي لا تزال تُلهم الباحثين وتُثير جدلاً أكاديمياً خصباً. فقد شهدت الأندلس في عصرها الذهبي بين القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين تجربةً فريدة في التعايش الديني والثقافي، جمعت المسلمين والمسيحيين واليهود في فضاء مدني مشترك، وإن تفاوتت درجات هذا التعايش من حقبة إلى أخرى ومن حاكم إلى آخر.
كانت قرطبة في أوج ازدهارها من أكبر مدن العالم وأكثرها تنوعاً؛ إذ كانت تضمّ ما يزيد على خمسمئة ألف نسمة من خلفيات متباينة يتشاركون الأسواق والمدارس والمستشفيات. وقد أفرز هذا التعايش ظاهرة بالغة الدلالة سمّاها المؤرخ الأمريكي ماريا روزا مينوكال بـ'الثقافة المتعددة'؛ حيث تبادل أبناء الأديان الثلاثة المعارف العلمية والفنية والفلسفية، وترجموا المخطوطات اليونانية إلى العربية ثم إلى اللاتينية، فحفظوا بذلك الإرث الكلاسيكي ونقلوه إلى أوروبا.
غير أن التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية في هذا العصر لم يكن يسير في خط مستقيم نحو التسامح والانفتاح. فقد شهدت الأندلس أيضاً فترات من الاضطهاد والتعصب الديني، لا سيما في عهد المرابطين والموحدين الذين قدموا من شمال أفريقيا وفرضوا سياسات أكثر صرامة. بيد أن المجتمع الإيبيري في مجمله ظل يحتفظ بقدر من التنوع الذي لا نظير له في أوروبا آنذاك.
وفي سياق هذا التلاقح الحضاري، نشأت ظاهرة المستعربين وهم مسيحيون تبنّوا اللغة والثقافة العربية دون أن يتخلوا عن دينهم، فضلاً عن المولّدين أبناء العلاقات المختلطة الذين جسّدوا في أنفسهم هذا التمازج البشري. كل هذا يوضح أن التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية في هذه المرحلة كان يحمل في طياته بذور التعقيد والتناقض معاً.
المبحث الثاني: مرحلة الانغلاق والتحولات الكبرى (القرن 15 - 19)
المطلب الأول: تداعيات حركة الاسترداد ونهاية التعددية الدينية
كانت حركة الاسترداد (Reconquista) التي بدأت بشكل متقطع منذ القرن الثامن الميلادي وبلغت ذروتها بسقوط غرناطة عام 1492، نقطة تحوّل جوهرية في مسار التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية. فمع إتمام الملوك الكاثوليك إيزابيلا وفرديناند توحيدهما للمملكتين القشتالية والأراغونية، أقدما على خطوة غيّرت وجه المجتمع الإيبيري إلى الأبد: إصدار مرسوم إلزامي بتهجير اليهود أو تحويلهم قسراً إلى المسيحية.
وبعد أقل من عقد على ذلك، طال الأمر نفسه المسلمين الذين بقوا في شبه الجزيرة، وسُمّوا بالمورسكيين، ليجدوا أنفسهم أمام خيارين: إما التعميد القسري أو الترحيل. وقد خضع كثيرون للتعميد شكلياً مع استمرارهم في ممارسة إسلامهم سراً، مما أوجد ظاهرة 'التقية الإيبيرية' التي أربكت السلطات الدينية والسياسية. وكانت النتيجة الحتمية تأسيس محاكم التفتيش (Inquisición) التي غدت آلةً لفرض التجانس الديني بالقوة، وأثّرت تأثيراً بالغاً في التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية.
كان لمحاكم التفتيش التي أُسست رسمياً عام 1478 أثر مزدوج على البنية الاجتماعية الإيبيرية؛ فمن ناحية، عجّلت بتهجير الكفاءات والعقول المبدعة من اليهود والمسلمين الذين آثروا الرحيل على الاستسلام. ومن ناحية أخرى، أوجدت منظومة من الرقابة الاجتماعية المبنية على الشك والوشاية، مما أضرّ بروح المبادرة والنقد التي كانت تتنامى في رحاب الأندلس. وقد رصد المؤرخون انعكاس ذلك سلباً على الحراك الفكري والعلمي في إسبانيا والبرتغال، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تشهد فجر عصر النهضة.
غير أن التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية لم يتوقف أمام هذا الانغلاق؛ بل أفرز مقاومات ثقافية داخلية وخارجية. فقد حمل المهاجرون المطرودون معهم إرثاً فكرياً أثرى العالم الإسلامي والدول الأوروبية التي استقبلتهم. كما أن طرد الكفاءات أوجد فراغات اقتصادية اضطرّت السلطة الملكية لاحقاً إلى الاعتراف بخسارتها.
المطلب الثاني: أثر الاستعمار وتدفق الثروات على التراتبية الطبقية والقيم الاجتماعية
في العام ذاته الذي سقطت فيه غرناطة وطرد اليهود، أبحر كريستوفر كولومبوس باتجاه الغرب ليفتح أمام إسبانيا والبرتغال عالماً جديداً. وقد مثّل هذا الحدث منعطفاً حاسماً في التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية، إذ دفع بالمجتمعين الإسباني والبرتغالي نحو تحولات هيكلية عميقة في بنيتيهما الطبقية وقيمتيهما الاجتماعية.
أفرز الاستعمار ثروات هائلة تدفّقت من أمريكا اللاتينية إلى شبه الجزيرة، غير أن توزيعها كان بالغ الانحياز؛ إذ ذهب الجزء الأكبر منها إلى الطبقة الأرستقراطية ورجال الكنيسة والتاج الملكي، بينما ظل عامة الناس يعانون من الفقر والإقصاء. بل ذهب بعض المؤرخين إلى أن هذا الثراء الوفير أسهم في تكريس الخمول الاقتصادي لدى الطبقات العليا، وأعاق نشوء طبقة وسطى فاعلة مماثلة لتلك التي كانت تتشكّل في هولندا وإنجلترا آنذاك.
كما أن الاستعمار ولّد منظومة قيمية جديدة تمجّد الفتح العسكري والشرف النبيل وتحتقر العمل اليدوي والتجارة، مما أسهم في صياغة هوية اجتماعية إيبيرية متميزة عن نظيراتها الأوروبية الشمالية. وقد أبقى هذا على مسافة ثقافية واجتماعية بين إسبانيا والبرتغال وجيرانهما في القارة العجوز، مسافة ستظل حاضرة حتى القرن العشرين.
المبحث الثالث: المخاض السياسي والاجتماعي في القرن العشرين
المطلب الأول: أثر الصراعات الأيديولوجية والحروب الأهلية على الاستقرار الاجتماعي
لم يكن القرن العشرون رحيماً بشبه الجزيرة الأيبيرية، بل كان بامتياز قرن الاضطراب والدم والمآسي الكبرى. فقد شهد التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية خلال هذه المرحلة مخاضاً عسيراً تجلّى أبرزه في الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) التي مزّقت النسيج الاجتماعي وأودت بأرواح قرابة نصف مليون شخص وأكرهت مئات الآلاف على المنفى.
نشبت الحرب على خلفية صراع أيديولوجي متعدد الأطراف بين الجمهوريين والقوميين، وتشابكت فيها خيوط الصراع الطبقي والهوية الإقليمية والتنافس الديني. فمن جهة، التفّ حول الجمهورية الليبرالية والاشتراكية والشيوعية والأناركية العمالُ والفلاحون وجزء من البرجوازية المثقفة وأبناء الأقاليم الباحثة عن الحكم الذاتي. ومن جهة مقابلة، تحالفت القوات القومية بقيادة فرانسيسكو فرانكو مع الكنيسة الكاثوليكية والنبلاء وأصحاب العقارات الكبرى وبعض الفلاحين المحافظين.
وفي البرتغال المجاورة، كان النظام الشمولي بقيادة أنطونيو دي أوليفييرا سالازار قد تمكّن من فرض استقراره الحديدي منذ الثلاثينيات، بانتهاج سياسة 'النظام الجديد' المحافظة. وقد أبقى هذا النظام البرتغال في تخلف اجتماعي واقتصادي قياساً بجيرانها الأوروبيين، وكبّل حرية التعبير والتنظيم السياسي والحياة الثقافية لعقود.
لقد ترك هذا المخاض الدموي جراحاً عميقة في التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية، طالت الذاكرة الجمعية وأعادت رسم خرائط التحالفات والهويات الاجتماعية لعقود لاحقة. وحتى اليوم لا تزال آثار الحرب الأهلية الإسبانية حاضرة في النقاشات المتعلقة بالذاكرة التاريخية وإعادة الاعتبار لضحايا الديكتاتورية.
المطلب الثاني: الانتقال الديمقراطي - التحول من الأنظمة السلطوية إلى مجتمعات الحقوق
يُعدّ الانتقال الديمقراطي في كل من إسبانيا والبرتغال من أكثر التحولات إثارةً للإعجاب في تاريخ التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية، وقد استقطب اهتمام علماء السياسة وعلم الاجتماع في أنحاء العالم، وصار نموذجاً يُحتذى به في دراسات التحوّل الديمقراطي.
في البرتغال، جاء التحوّل مفاجئاً ودرامياً؛ ففي 25 أبريل 1974، أطاح ضباط شباب في الجيش يعرفون بـ'حركة القوات المسلحة' بنظام سالازار الذي كان قد خلفه مارسيلو كايتانو، وأعلنوا ما عُرف بـ'ثورة القرنفل' التي انتهت دون إراقة دماء تُذكر. وقد أفضى ذلك إلى تحوّل سريع نحو الديمقراطية التعددية وانسحاب البرتغال من مستعمراتها الأفريقية.
أما في إسبانيا، فقد كان الانتقال أكثر تدرجاً وتفاوضاً. فعقب وفاة فرانكو عام 1975 وتنصيب الملك خوان كارلوس الأول، انطلقت عملية 'الانتقال الإسباني' التي قادها بحنكة رئيس الوزراء أدولفو سواريث، وتجلّت في الاستفتاء على الدستور عام 1978 الذي نال تأييداً شعبياً واسعاً وأسّس لملكية دستورية برلمانية حديثة. وقد عكس هذا الانتقال حنكة سياسية نادرة، إذ استطاع الإيبيريون تجاوز إرث الاستبداد دون إعادة إنتاج الصراعات الدموية، مما يجعله درةً متميزة في تاج التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية.
وقد أسهم انضمام إسبانيا والبرتغال إلى الاتحاد الأوروبي عام 1986 في تعزيز هذا المسار الديمقراطي وفتح المجتمعين أمام تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة. فقد انعكس ذلك على سوق العمل وحقوق المرأة والسياسات الاجتماعية والثقافة الاستهلاكية، مما سرّع وتيرة التحديث وإن لم يخلُ من توترات وتناقضات.
المبحث الرابع: الواقع الاجتماعي الراهن وتحديات الهوية
المطلب الأول: التعددية الثقافية واللغوية - كيف تعيد الأقاليم تعريف الهوية الوطنية
يشهد التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية في مطلع الألفية الثالثة نقاشاً حاداً وممتداً حول طبيعة الهوية الوطنية وحدودها، لا سيما مع صعود الحركات الانفصالية الإقليمية التي تطعن في مفهوم الدولة المركزية الموحدة.
تمثّل كتالونيا في شمال شرق إسبانيا الحالةَ الأكثر إثارةً للجدل والأعمق تأثيراً في السياسة الإسبانية المعاصرة. فهذا الإقليم الذي تقطنه نحو 7.5 مليون نسمة ويتمتع بلغة مستقلة وهوية ثقافية متميزة، يطالب منذ عقود بحق تقرير المصير، وبلغ هذا المطلب ذروته في استفتاء أكتوبر 2017 الذي أجرته الحكومة الإقليمية بصورة أعلنت عنها المحكمة الدستورية الإسبانية غير دستورية. وقد كشف هذا الحدث عن عمق الشرخ داخل المجتمع الكتالاني ذاته، وليس فقط بينه وبين الحكومة المركزية.
وفي منطقة الباسك، تسير الأمور على وتيرة مختلفة؛ إذ استطاعت المجتمعات الباسكية التفاوض على قدر واسع من الحكم الذاتي يشمل جهازاً ضريبياً خاصاً ومؤسسات تعليمية تحمي لغتها 'الأويسكارا' البالغة الغرابة والتفرّد بين لغات العالم المعاصر. غير أن عقوداً من العنف الذي مارسته منظمة إيتا الانفصالية المسلحة قبل إعلانها وقف العمليات عام 2011، خلّفت جراحاً اجتماعية لا تزال في طور الشفاء.
أما غاليسيا في شمال غرب إسبانيا وجزر الكناري وغيرها من الأقاليم، فإنها توفّر نماذج متنوعة لمطالبات تتراوح بين الحفاظ على اللغة والثقافة وبين الحكم الذاتي المتقدم. ويبدو أن التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية يقترح في مرحلته الراهنة أن 'الهوية الإسبانية' أو 'الهوية البرتغالية' ليست وعاءً جامداً، بل مفهوم دينامي يُعاد تشكيله باستمرار في ضوء التفاوض بين المركز والهامش.
المطلب الثاني: الهجرة الجديدة والاندماج - التحديات الديموغرافية والاجتماعية
يواجه التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية في القرن الحادي والعشرين تحدياً من نوع مختلف تماماً عمّا شهدته قرون ماضية؛ فبعد أن كانت هذه المنطقة على مدى قرون مصدراً للهجرة نحو أمريكا اللاتينية وأوروبا الشمالية، باتت اليوم مقصداً لموجات متصاعدة من الهجرة القادمة من أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية والشرق الأوسط.
وفق أحدث الإحصاءات، يُشكّل المهاجرون ما يقارب 15% من إجمالي سكان إسبانيا، فيما تستضيف البرتغال كذلك أعداداً متزايدة من البرازيليين والأفارقة القادمين من مستعمراتها السابقة. وتطرح هذه الديموغرافيا الجديدة تساؤلات عميقة حول قدرة المجتمعات الإيبيرية على الاستيعاب والاندماج، والتوازن بين صون الهوية الثقافية الموروثة وانفتاح الفضاء العام على الآخر.
وقد زاد الأزمة الاقتصادية التي ضربت إسبانيا والبرتغال عقب الانهيار المالي العالمي عام 2008 من تعقيد المشهد؛ إذ وصل معدل البطالة في إسبانيا إلى ما فوق 25% عام 2013، مما أذكى النزعات القومية وأوجد احتقاناً اجتماعياً استهدف أحياناً الجاليات المهاجرة. وقد بدأت إسبانيا والبرتغال منذ ذلك الحين في التعافي الاقتصادي، غير أن التوترات الاجتماعية المرتبطة بالهجرة والاندماج لا تزال حاضرة في المشهد السياسي.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه التوترات تكتسب أبعاداً إضافية في ضوء أزمة الهجرة التي تعصف بأوروبا عموماً منذ عام 2015، وما صاحبها من صعود لأحزاب اليمين المتطرف في عموم القارة. وتقف إسبانيا في موقع حرج كونها تُشكّل حدوداً خارجية للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، مما يضعها في قلب النقاش الأوروبي حول سياسات اللجوء والهجرة.
خاتمة
خلص هذا المقال إلى أن التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية هو في جوهره قصة محصلة تراكمات تاريخية متناقضة؛ انتقل خلالها المجتمع الإيبيري من 'التعددية العفوية' التي أبدعتها الأندلس في عصرها الذهبي، إلى 'التجانس القسري' الذي فرضته محاكم التفتيش ومراسيم التهجير، مروراً بالعنف الأيديولوجي في القرن العشرين، لينتهي إلى 'تعددية ديمقراطية' منظمة تسعى إلى التوفيق بين الحرية الفردية والهوية الجماعية وحقوق الأقليات.
ولا يمكن لنا أن نفهم حاضر هذه المنطقة دون استيعاب هذا الخط البياني المتعرج الذي يمتد عبر الزمن؛ فالتحديات التي يواجهها التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية اليوم من هجرة وانفصالية إقليمية وأزمات اقتصادية، هي في حقيقتها أسئلة قديمة في ثياب حديثة؛ أسئلة من نحن؟ وأين تقع حدود انتمائنا؟ وكيف نستوعب الآخر دون أن نذوب فيه؟
إن استشراف مستقبل الإيبيريا يعتمد على قدرة المجتمعين الإسباني والبرتغالي على الموازنة بين محورين لا غنى عنهما: الحفاظ على هوياتهما الإقليمية المتنوعة بوصفها ثروة ثقافية لا أعباء إشكالية، والاندماج الفاعل في الفضاء الأوروبي والعالمي المعاصر. وتوضح لنا تجربة هذه الشبه الجزيرة الغنية أن الهويات لا تُبنى بالإقصاء والإلغاء، بل بالحوار والتفاوض والاعتراف المتبادل.
وإذا كان التطور الاجتماعي في شبه الجزيرة الأيبيرية يعلمنا درسا واحدا جوهريا عبر قرونه الطويلة، فهو أن التنوع ليس مصدر ضعف بل مصدر قوة حين يُدار بذكاء وانفتاح، وأن التعصب بكل أشكاله ديني كان أم قومي أم إثني لا ينتج سوى الخسارة للجميع. وهذا الدرس الإيبيري الخالد هو ما تحتاج إليه اليوم ليس المجتمعات الإيبيرية وحدها، بل كل مجتمعات العالم التي تعيش التحدي ذاته: كيف نبني وطناً يتسع للجميع؟
مراجع
- مرجع: باسيليو بابون مالدونادو , كتاب عمارة المساجد في الأندلس : غرناطة وباقي شبه الجزيرة الإيبيرية لـ باسيليو بابون مالدونادو
- مرجع: وزي لويس مايا , كتاب السلت و الإيبير في شبه الجزيرة الإيبيرية

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه