يعد تاريخ الزراعة من أكثر الموضوعات ثراءً وعمقاً في الدراسات الإنسانية والحضارية، إذ إنه يتشابك مع كل جوانب حياة الإنسان؛ من اقتصاده وسياسته إلى دينه وثقافته وفلسفته. والحقيقة أن دراسة تاريخ الزراعة ليست مجرد رحلة في أعماق الماضي، بل هي مفتاح لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، لأن الزراعة هي التي حوّلت الإنسان من كائن رحّال باحث عن قوته يوماً بيوم إلى بانٍ للحضارات ومؤسِّس للمدن والدول.
وحين نتأمل في تاريخ الزراعة بعمق، نكتشف أنه تاريخ الإنسانية بأسرها؛ فكل انتقال حضاري كبير شهده الإنسان كان مصحوباً أو مسبوقاً بثورة زراعية من نوع ما. من الثورة النيوليثية التي أرست قواعد الحياة المستقرة، إلى الثورة الزراعية الإسلامية في العصور الوسطى، وصولاً إلى الثورة الخضراء في القرن العشرين، كل هذه التحولات العظمى تدخل في صميم تاريخ الزراعة وتُشكّل فصوله الكبرى.
يهدف هذا المقال إلى رسم صورة شاملة ومتكاملة لهذا الموضوع الجليل، مستعرضاً محطاته الكبرى من بواكيره الأولى في أحواض الأنهار الكبرى، مروراً بتطوراته في الحضارات الكلاسيكية، وانتهاءً بالتحديات والآفاق التي يواجهها في عصرنا الراهن.
المبحث الأول: الجذور الأولى لتاريخ الزراعة في الحضارات القديمة
المطلب الاول : الثورة النيوليثية - النقطة الصفر في تاريخ الزراعة
إذا أردنا أن نحدد لحظة الميلاد الفعلية لـتاريخ الزراعة، فإن أصابع الباحثين تتجه جميعها نحو ما يُعرف بالثورة النيوليثية، تلك النقلة الهائلة التي شهدها الإنسان قبل نحو عشرة آلاف سنة في منطقة الهلال الخصيب وما جاورها. قبل هذه الثورة، كان الإنسان يعيش على وقع الطبيعة، يصطاد ما وجد ويجمع ما أتيح، لا يعرف غداً محدداً ولا يخطط لموسم قادم. غير أن شيئاً ما تغيّر في عقله وروحه، فبدأ يُلاحظ دورات النبات ويُجرّب زرع الحبوب ويُروّض الحيوان، وبذلك كتب الفصل الأول من تاريخ الزراعة.
كانت التأثيرات الفورية لهذه الثورة على البشرية عميقة ومتشعبة؛ فقد أتاحت الزراعة للإنسان لأول مرة في تاريخه أن يضمن قوته المستقبلي، وأن يُخزّن الفائض من الإنتاج. وأدى هذا الاستقرار الغذائي إلى استقرار مكاني، فتحولت مجموعات الصيادين المتنقلين إلى مجتمعات قروية راسخة، ثم إلى مدن، ثم إلى حضارات. وبهذا المعنى، فإن الحضارة الإنسانية بكاملها تدين بوجودها لذلك الإنسان القديم الذي قرر ذات يوم أن يزرع بدلاً من أن يرحل.
المطلب الثاني : تاريخ الزراعة في بلاد ما بين النهرين (سومر وبابل)
لا يمكن لأي باحث يتناول تاريخ الزراعة أن يتجاوز بلاد الرافدين دون أن يقف عندها طويلاً، إذ إنها كانت المختبر الأول والأكبر للتجربة الزراعية الإنسانية الممنهجة. فالسومريون، أولئك الشعب العبقري الذي أسّس الكتابة والقانون وعلم الفلك، كانوا أيضاً بين أوائل من أرسوا قواعد الهندسة الزراعية المنظمة. لقد رأوا في نهري دجلة والفرات موارد ينبغي توظيفها لا مجرد مصادر للشرب، فأقاموا شبكات معقدة من القنوات والمصارف نقلت الماء من مجاريه الأصلية إلى الحقول البعيدة، وصرفت الفضلات بعيداً عن الأراضي الزراعية.
وتكشف الألواح السومرية المكتشفة في مواقع عديدة أن تاريخ الزراعة في سومر لم يكن مجرد ممارسة تلقائية، بل كان علماً منظماً تدون فيه المواسم والمحاصيل والتقنيات. فقد خلّف لنا السومريون ما يُسمى بـ«الفلاحة السومرية»، وهي أحد أقدم الكتب الزراعية في التاريخ، وفيها تعليمات دقيقة للمزارع في ترتيب حرث الأرض وبذرها وريّها وحصادها. ولا يختلف الأمر كثيراً في الحضارة البابلية التي جاءت بعد سومر، إذ واصلت هي الأخرى مسيرة تاريخ الزراعة بإضافة تحسينات ملموسة على أنظمة الري وادخال تشريعات قانونية لتنظيم الأراضي الزراعية، وهو ما نلمح بعضه في شريعة حمورابي الشهيرة.
المطلب الثالث : مصر القديمة والنيل - نموذج فريد في تاريخ الزراعة
إذا كانت تاريخ الزراعة في بلاد الرافدين يرتبط بالجهد البشري في توجيه الأنهار، فإن النموذج المصري يقوم على فلسفة مختلفة: فالمصري القديم لم يُحارب النيل، بل عاش معه في شراكة حضارية فريدة. كان فيضان النيل السنوي ليس كارثة بل نعمة، إذ كان يودع على ضفاف الوادي طبقة من الطمي الخصب تجعل الأرض جاهزة للزراعة بلا جهد يُذكر. لذا فإن تاريخ الزراعة المصري يختلف في طبيعته عن أي تجربة زراعية أخرى في العالم القديم؛ فهو زراعة تحتفي بالتوقيت أكثر من تعبها في التنقيب.
وقد طور المصريون على مدار آلاف السنين منظومة من التقويمات الزراعية تربط مواسم الزرع والحصاد بحركة النجوم وفيضان النيل، فكان الفلاح المصري يعرف متى يزرع القمح والشعير والكتان والبقوليات بدقة مذهلة. وكانت الدولة المصرية بدورها تُنظّم هذا الإنتاج وتُخزّنه وتُعيد توزيعه، مما جعل مصر القديمة مخزن الغلال الأشهر في العالم القديم، ومورداً غذائياً لا ينضب استقطب الغزاة والمتحالفين على حد سواء.
المبحث الثاني: تاريخ الزراعة في الحضارات الكلاسيكية والإسلامية
المطلب الثالث: اليونان وروما - الزراعة ركيزة الحضارة الكلاسيكية
انتقل تاريخ الزراعة في مرحلة جديدة إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث شكّلت الزراعة القاعدة الاقتصادية والاجتماعية لحضارتين كلاسيكيتين كبريين: اليونان وروما. وفي اليونان القديمة، كانت الأرض الزراعية مصدر النفوذ والسلطة، وكان الفيلسوف والجندي والسياسي كثيراً ما يكون في الوقت ذاته مزارعاً يمتلك قطعة أرض يستمد منها شرعيته الاجتماعية. وقد اتسمت الزراعة اليونانية بالتنوع، إذ جمعت بين زراعة الحبوب (القمح والشعير)، وزراعة الزيتون الذي صنع ثروات المدن الساحلية، وزراعة العنب الذي ارتبط بالدين والثقافة والمتجارة.
أما الرومان، فقد نقلوا تاريخ الزراعة إلى مستوى جديد من التنظيم والتوسع. فمع توسع الإمبراطورية الرومانية، باتت الزراعة مشروعاً إمبراطورياً بامتياز؛ كانت الأراضي المفتوحة تُوزَّع على المحاربين القدامى والأشراف، وكانت مزارع الأقاليم تُغذّي روما الكبرى بالحبوب والزيت والخمر. وقد أسهمت روما في نقل تقنيات زراعية متعددة إلى مستعمراتها في شمال أفريقيا وغرب آسيا وأوروبا، مما جعل التاريخ الروماني ناقلاً حضارياً مهماً في تاريخ الزراعة العالمي.
المطلب الثاني : الثورة الزراعية الإسلامية في العصور الوسطى
يمثل الفصل الإسلامي أحد أشرق فصول تاريخ الزراعة وأكثرها إبداعاً وتأثيراً. فمع انتشار الإسلام في القرن السابع الميلادي وما تلاه من قرون، نشأت حضارة جديدة ربطت بين المشرق والمغرب في شبكة تجارية وعلمية وثقافية لا مثيل لها، وكان للزراعة فيها دور محوري. ذلك أن العلماء المسلمين لم يكتفوا بالحفاظ على الإرث الزراعي اليوناني والفارسي والهندي، بل طوّروه وأضافوا إليه وأسّسوا ما يمكن تسميته بالثورة الزراعية الإسلامية.
وتجلّت هذه الثورة في جوانب عدة؛ فعلى صعيد المحاصيل، أدخل العرب والمسلمون إلى الأندلس وصقلية وجنوب أوروبا محاصيل جديدة لم تكن معروفة في تلك المناطق، كقصب السكر والأرز والقطن والبرتقال والليمون والمشمش. وهذه العملية، التي يُسميها المؤرخون «الثورة الزراعية العربية»، غيّرت وجه الزراعة في حوض المتوسط تغييراً جذرياً وأثّرت في تاريخ الزراعة الأوروبي تأثيراً لا يزال محسوساً حتى اليوم.
وعلى صعيد تقنيات الري، طور المهندسون المسلمون أنظمة الري الأرضي والقنوات والناعور (نواعير حماة في سوريا نموذجاً لا يُنسى) والفلج في عُمان، وهي تقنيات تنبئ بعمق فهم أصحابها لطبيعة المياه وكيفية توظيفها زراعياً. وقد شكّلت هذه الإسهامات العلمية والتقنية إضافة حقيقية إلى تاريخ الزراعة الإنساني الشامل.
المبحث الثالث: تاريخ الزراعة في العصر الحديث والتحولات الكبرى
المطلب الأول : الثورة الصناعية وتأثيرها في تاريخ الزراعة
جاءت الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر والتاسع عشر لتُعيد كتابة فصل جديد في تاريخ الزراعة بحبر مختلف تماماً عن كل ما سبقه. فللمرة الأولى في تاريخ الإنسانية، أصبح بإمكان الإنسان أن يُقلّص ما كان يستلزم مئات الأيدي العاملة إلى آلة واحدة تعمل بقوة البخار أو المحرك. وقد كان لهذا التحول آثار عميقة ومتناقضة في آنٍ معاً: من جهة، ضاعف الإنتاجية الزراعية مرات عديدة، ومن جهة أخرى، أخلّ بالبنية الاجتماعية للمجتمعات الريفية التي كانت قائمة على الزراعة اليدوية.
وشهد تاريخ الزراعة في هذه المرحلة ولادة الآلات الزراعية الكبرى: المحراث الحديدي الذي حلّ محل المحراث الخشبي، والحصادة الآلية التي روّضت الحقول الشاسعة في أمريكا الشمالية وأستراليا، ومضخات الري الميكانيكية التي رفعت المياه من الآبار والأنهار بلا جهد بشري يُذكر. وقد أسهمت هذه الابتكارات في تحويل الزراعة من نشاط معيشي يُطعم أسرة أو قرية إلى صناعة كبرى تُطعم شعوباً وقارات.
المطلب الثاني : الثورة الخضراء ومكانتها في تاريخ الزراعة
في منتصف القرن العشرين، كتب تاريخ الزراعة فصلا آخر بالغ الأهمية سُمّي بـ«الثورة الخضراء»، وهي تجربة علمية زراعية طموحة قادها علماء من أمثال نورمان بورلوغ الحائز على جائزة نوبل، وهدفت إلى القضاء على亢 شبح المجاعة الذي كان يهدد دولاً كبيرة كالهند والباكستان والمكسيك. اعتمدت هذه الثورة على استنباط سلالات جديدة عالية الإنتاجية من القمح والأرز والذرة، إلى جانب التوسع في استخدام الأسمدة الكيميائية ومبيدات الحشرات والري المنظم.
كان التأثير الآني لهذه الثورة مذهلاً: تضاعف إنتاج الحبوب في دول عديدة خلال عقد واحد، وانحسرت المجاعات الكبرى من كثير من مناطق العالم النامي. بيد أن تاريخ الزراعة يُسجّل أيضاً الجوانب الإشكالية لهذه الثورة؛ فقد أفضت الأسمدة الكيميائية المكثفة إلى تدهور خصوبة التربة على المدى البعيد، وأسهمت المبيدات في تلوث المياه الجوفية وإضرار التنوع البيولوجي. وهكذا دار تاريخ الزراعة في دوامة التناقض الأزلي بين الإنتاج والاستدامة.
المطلب الثالث : تكنولوجيا المعلومات والزراعة الذكية - الفصل الأحدث في تاريخ الزراعة
يشهد القرن الحادي والعشرون كتابة فصل جديد من تاريخ الزراعة، ربما هو الأكثر ثورية وإثارة من بين كل الفصول التي مضت. فقد دخلت التكنولوجيا الرقمية إلى قلب الحقل الزراعي دخولاً حقيقياً، من خلال ما يُعرف بـ«الزراعة الدقيقة» (Precision Agriculture) التي تجمع بين أجهزة الاستشعار والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي لتحقيق أقصى إنتاجية بأدنى هدر ممكن.
فالمزارع الذكي في عصرنا يمكنه أن يراقب رطوبة التربة وحرارتها ومستوى مغذياتها في الوقت الحقيقي، وأن يُعدّل برنامج الري والتسميد تلقائياً بناءً على هذه البيانات. والطائرات المسيّرة (الدرونز) تُحلّق فوق الحقول وتلتقط صوراً بالأشعة تحت الحمراء تكشف عن مناطق التوتر المائي أو مبدأ الإصابة بالآفات قبل أن تتفاقم. والروبوتات تبدأ في الحصول على مكانها في صفحات تاريخ الزراعة الحديث، إذ تحصد وتجتني بدقة وسرعة تفوق الطاقة البشرية.
المبحث الرابع: التحديات الراهنة وآفاق مستقبل تاريخ الزراعة
المطلب الاول : تحديات البيئة والمناخ في مواجهة تاريخ الزراعة
كما أن تاريخ الزراعة يمثّل قصة انتصار الإنسان على الطبيعة من جهة، فهو يمثّل أيضاً قصة التوترات المتراكمة بين الإنسان وبيئته من جهة أخرى. فالاستخدام المفرط للمياه الجوفية في الري المكثف يهدد باستنزاف طبقات المياه الحرة التي استغرقت الطبيعة آلاف السنين لتكوينها. والاعتماد المتزايد على محاصيل وحيدة الصنف (Monoculture) يُضعف التنوع البيولوجي الزراعي الذي كان حصن الإنسانية في مواجهة الأوبئة والجفاف.
وقد أضاف تغير المناخ العالمي بعدا جديداً لهذه التحديات؛ فارتفاع درجات الحرارة يُغيّر مواسم الزراعة ويُبدّل حدودها الجغرافية، وتطرّف ظواهر الطقس من جفاف وفيضانات يُعرّض محاصيل بأكملها للهلاك في مواسم واحدة. وهذه التحديات تُلقي على عاتق الباحثين في تاريخ الزراعة المستقبلي مسؤولية استخلاص دروس الماضي وتطبيقها لصياغة منظومات زراعية أكثر مرونة واستدامة.
المطلب الثاني : الابتكارات الحيوية وأثرها على مستقبل تاريخ الزراعة
المبحث المبحث المبحث 1. تقنية "كريسبر" (CRISPR): تعديل التاريخ الجيني للنبات
على عكس التعديل الوراثي التقليدي (GMO) الذي كان يتضمن إدخال جينات غريبة من كائنات أخرى ومواجهة رفض مجتمعي كبير، فإن "كريسبر" تعمل كـ "مقص جيني ذكي" يُعدل جينات النبات نفسه لتفعيل صفات كامنة أو تعطيل نقاط ضعف.
- الأثر التاريخي: تاريخياً، كانت حماية المحاصيل من الأوبئة (مثل فطر لفحة البطاطس أو صدأ القمح) تتطلب عقوداً من التربية الانتقائية. اليوم، يمكن اختصار هذه العقود إلى أشهر لإنتاج بذور قادرة على البقاء في بيئات متطرفة (ملوحة عالية، جفاف شديد، أو حرارة تتجاوز 45 درجة .
المخاوف النقدية: يظل التحدي التاريخي المستمر هنا هو "من يملك هذه الشفرات الجينية؟". فإذا احتكرت الشركات الكبرى براءات اختراع بذور "كريسبر"، سنعود مجدداً إلى أزمة "الزراعة الاستئثارية" وتبعية المزارع الصغير، وهو السيناريو ذاته الذي شهده تاريخ الزراعة قديماً في نظام الـ Latifundia.
المبحث المبحث المبحث 2. الزراعة العمودية والمائية: فك الارتباط بالأرض والطقس
لأول مرة منذ 12 ألف عام (منذ الثورة الزراعية الأولى في الهلال الخصيب)، لا يحتاج المزارع إلى تربة، ولا إلى شمس، ولا إلى مساحات أفقية شاسعة.
تعتمد هذه النظم على تقنيات دقيقة:
- الزراعة المائية (Hydroponics): تنمو النباتات في محلول مائي غني بالمغذيات، مما يوفر حتى 95% من المياه مقارنة بالزراعة التقليدية.
- التحكم البيئي (CEA): إضاءة بلمبات LED تحاكي أشعة الشمس بدقة، وتحكم كامل في الرطوبة والحرارة وثاني أكسيد الكربون، مما يضمن إنتاجاً على مدار السنة دون القلق من موجات الصقيع أو الجفاف.
ولكن، لفهم الفارق بين هذه الأنظمة والزراعة التقليدية من حيث التكوين والمكونات، دعنا نلقي نظرة على هذا المقارنة السريعة:
| وجه المقارنة | الزراعة التقليدية (الحقلية) | الزراعة العمودية والمائية المغلقة |
| الاعتماد على التربة | أساسي (مصدر المغذيات والدعم) | منعدم (تُستبدل بمحاليل مائية وأوساط خاملة) |
| كفاءة استهلاك المياه | منخفضة (هدر كبير بسبب التبخر والارتشاح) | فائقة الفعالية (إعادة تدوير مستمرة للمياه) |
| الموقع الجغرافي | ريفي (مرتبط بجودة التربة والمناخ) | حضري (في قلب المدن، ناطحات السحاب، المستودعات) |
| بصمة الطاقة | منخفضة (تعتمد على الشمس مباشرة) | مرتفعة جداً (تكلفة تشغيل مستمرة للإضاءة والتبريد) |
| نوعية المحاصيل | مفتوحة لجميع الأنواع (أشجار، حبوب، درنات) | محدودة حالياً (الورقيات، الفراولة، وبعض الخضروات) |
بعد نظر تاريخي: هذه الابتكارات تمثل قفزة هائلة للأمن الغذائي، خاصة للدول التي تعاني من ندرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة. لكن الدرس الذي يعلمنا إياه التاريخ دائماً هو ألا نضع كل البيض في سلة واحدة؛ فالاعتماد المطلق على "الزراعة التكنولوجية" يجعل أمننا الغذائي رهيناً باستقرار شبكات الطاقة والكهرباء وسلاسل توريد التكنولوجيا المعقدة.
السياسة الزراعية الحكيمة للمستقبل هي التي تدمج بين "ذكاء الابتكار الحيوي المعاصر" و"استدامة ومرونة الأرض الطبيعية"، لتكتب بذلك فصلاً جديداً ومستداماً في تاريخ الزراعة.
المطلب الثالث : السياسات الزراعية والأمن الغذائي في ضوء تاريخ الزراعة
المبحث المبحث المبحث 1. عدالة التوزيع وأمن الفلاح الصغير (من الـ -Latifundia- إلى الشركات الكبرى)
في روما القديمة، أدى توسع الإمبراطورية إلى سيطرة النخبة على مساحات شاسعة من الأراضي وتحويلها إلى مزارع شاسعة تعتمد على العبيد (-Latifundia-)، مما أدى إلى:
- تشريد صغار المزارعين وهجرتهم إلى المدن (ظهور طبقة البروليتاريا).
- إضعاف القوة الإنتاجية الذاتية للمجتمع الروماني والاعتماد المفرط على استيراد الحبوب (خاصة من مصر وشمال إفريقيا).
الدرس المعاصر: اليوم، نرى تكراراً شبه حرفي لهذا النموذج عبر "الاستحواذ على الأراضي" (Land Grabbing) في الدول النامية من قِبل شركات عابرة للقارات، وتكثيف براءات اختراع البذور والأسمدة بيد قلة احتكارية؛ لذا فإن السياسات الزراعية الناجحة اليوم هي التي تحمي "الحيازات الصغيرة" للفلاحين باعتبارهم خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي المحلي، لتستلهم بذلك العِبرة الأهم في تاريخ الزراعة.
المبحث المبحث 2. معضلة "الإنتاجية مقابل الاستدامة" (دروس الثورة الخضراء)
الثورة الخضراء في منتصف القرن العشرين أنقذت المليارات من المجاعة عبر إدخال بذور عالية الإنتاجية والأسمدة الكيماوية. لكن الاندفاع غير المنضبط، كما أشرت، ترك ندوباً عميقة:
- إنهاك التربة: فقدان الخصوبة الطبيعية والميكروبيوم الحيوي للتربة نتيجة الإفراط الكيماوي.
- أزمة المياه: استنزاف المياه الجوفية لري المحاصيل الشرهة.
- أحادية المحصول (Monoculture): زراعة صنف واحد على مساحات هائلة، مما يجعل النظام الغذائي بأكمله مهدداً بالانهيار إذا ظهرت آفة تقاوم المبيدات (تماماً كما حدث في مجاعة البطاطس الإيرلندية الشهيرة في القرن التاسع عشر).
الدرس المعاصر: الانتقال نحو "الزراعة الإيكولوجية" (Agroecology) والزراعة التجديدية. لا يمكن تصميم سياسة زراعية مستدامة دون وضع "مرونة النظام البيئي" كأولوية قصوى قبل حجم الإنتاج السريع.
تاريخ الزراعة: الأمن الغذائي المستدام لا يعني زيادة الإنتاج بأي ثمن، بل يعني إنتاجاً مرناً، متنوعاً، وموزعاً بعدالة. الحضارات التي عاشت طويلاً هي التي احترمت دورة الطبيعة وحمت فلاحيها، بينما تلك التي استنزفت مواردها من أجل ربح سريع أو سيطرة مؤقتة، انمحت مع أول تغير مناخي أو جفاف.
خاتمة
في ختام هذه الجولة الشاملة عبر تاريخ الزراعة، نجد أنفسنا أمام حقيقة راسخة: إن الزراعة ليست مجرد نشاط اقتصادي يُمارسه بعض البشر في الريف، بل هي الخيط الناظم الذي ربط فصول الحضارة الإنسانية من أولها إلى اليوم. ففي كل مرة واجه الإنسان تحدياً وجودياً، أجاب عليه بثورة زراعية جديدة؛ من التحدي الأول لإطعام مجتمعات متنامية بأدوات بدائية، إلى تحدي إطعام مليارات البشر في كوكب تضيق موارده أمام عيوننا.
وإن ما يميز تاريخ الزراعة عن سائر فروع التاريخ هو أنه حيّ ومستمر ولم ينتهِ بعد؛ فنحن اليوم نعيش فصلاً من فصوله، ونتخذ قرارات يومية تؤثر في فصوله القادمة. فاختيار ما نأكل وكيف نُنتجه وأين نشتريه ليس قراراً شخصياً بحتاً، بل هو إسهام في صياغة الصفحات التالية من تاريخ الزراعة الذي كتبه أجدادنا بعرق جباههم على ضفاف النيل ودجلة والفرات.
لذا، فإن دراسة تاريخ الزراعة وفهم دروسه ليست رفاهية أكاديمية، بل هي ضرورة حضارية تقدرها الأمم الواعية وتهملها الأمم الغافلة. وعسى أن يكون هذا المقال قد أسهم في تسليط الضوء على أهمية هذا الموضوع الجليل، ودفع القارئ إلى التأمل في علاقته بالأرض التي تطعمه، والتفكير في حقوقها عليه كما يُفكّر في حقوقه عليها. فـتاريخ الزراعة في نهاية المطاف ليس تاريخ الحقل والبذرة وحسب، بل هو تاريخ الإنسان نفسه في سعيه الدؤوب نحو البقاء والازدهار والكرامة.
مراجع
- مرجع: كريستيان بوندغارد لوك إيزاكسن , بحوث الزراعة وتكنولوجياتها
- مرجع: احمد احمد حتة , كتاب تاريخ الزراعة المصرية

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه