نابونيدوس و الإمبراطورية الكلدانية
نابونيدوس هو آخر ملوك الإمبراطورية الكلدانية (556–539 ق.م)، ويُعرف بكونه شخصية مثيرة للجدل في تاريخ بابل. تميز حكمه بتركيزه على الإصلاحات الدينية ومحاولة تعزيز عبادة الإله "سين" (إله القمر) على حساب الإله الوطني مردوخ، مما أثار نقمة كهنة بابل وسكانها الذين رأوا في ذلك تحديًا للتقاليد الدينية الراسخة. كما اتجه إلى بناء المعابد وترميمها في مختلف مدن بلاد الرافدين، لكنه قضى فترة طويلة بعيدًا عن العاصمة، حيث أقام في تيماء بشبه الجزيرة العربية، تاركًا السلطة لابنه بلشاصر. هذا الغياب الطويل زاد من ضعف تماسك الإمبراطورية وأفقده الدعم الداخلي.
ومع صعود القوة الفارسية بقيادة كورش الثاني (كورش الكبير)، وجدت بابل نفسها في مواجهة عسكرية وسياسية غير متكافئة. وفي عام 539 ق.م دخل الفرس المدينة دون مقاومة كبيرة نتيجة التذمر الداخلي، فسقطت الإمبراطورية الكلدانية، وأُسر نابونيدوس ليطوى بذلك آخر فصل من تاريخ بابل المستقلة.
1. صعود نابونيدوس إلى العرش
1. نسبه وأصله غير الملكي:
نابونيدوس (Nabonidus) آخر ملوك الإمبراطورية البابلية الحديثة (حكم بين 556 – 539 ق.م)، ينفرد بين ملوك بابل بكونه لم ينحدر من سلالة ملكية مباشرة. فوالدته كانت كاهنة بارزة للإله سين (إله القمر) في مدينة حران شمال بلاد الرافدين، وهو ما منح أسرته نفوذاً دينياً لكنه لم يكن ذا طابع ملكي. ويبدو أن أصوله الاجتماعية والإدارية تعود إلى طبقة النبلاء أو الموظفين الكبار، لا إلى البيت الملكي الكلداني الذي أسسه نبوخذ نصر الثاني. هذا الأصل غير الملكي جعل توليه العرش لاحقاً أمراً غير مألوف في تقاليد بابل التي اعتادت أن تنتقل السلطة داخل العائلة المالكة.
2. طريقة توليه الحكم بعد وفاة نبوخذ نصر الثاني وخلفائه:
بعد وفاة نبوخذ نصر الثاني سنة 562 ق.م، مرّت بابل بمرحلة اضطراب سياسي وصراعات على السلطة بين خلفائه:
- تولى ابنه أميل مردوك (أويل مردوخ) الحكم أولاً، لكنه لم يحكم سوى سنتين قبل أن يُقتل في انقلاب قاده نرجل شَر أوصر.
- ثم جاء نرجل شَر أوصر الذي حكم لفترة قصيرة (560–558 ق.م) وتوفي سريعاً.
- خلفه ابنه لَبَشي مردوك، وكان صغير السن وضعيف الشخصية، مما جعله عرضة لمؤامرات البلاط. فخُلع بعد تسعة أشهر فقط من حكمه.
في خضم هذه الفوضى والانقلابات، ظهر نابونيدوس كخيار بديل تدعمه بعض الفئات السياسية والدينية. يبدو أنه استفاد من دعم كهنة الإله سين ونفوذ أمه الكاهنة الكبرى، إضافة إلى مساندة الجيش والبلاط، ليعتلي العرش سنة 556 ق.م. ومن اللافت أن توليه العرش لم يكن نتيجة وراثة طبيعية، بل جاء ثمرة توازنات بين القوى المختلفة التي فضّلت حاكماً قوياً وذا خبرة إدارية على ملك شاب ضعيف.
2. السياسة الدينية في عهد نابونيدوس
1. تركيزه على عبادة الإله "سين" وإهماله لمردوخ:
يُعتبر نابونيدوس ملكاً مثيراً للجدل في تاريخ بابل بسبب سياساته الدينية غير التقليدية. فعلى خلاف الملوك البابليين السابقين الذين جعلوا من الإله مردوخ (الإله الرئيس لبابل) محور شرعيتهم، ركّز نابونيدوس على عبادة الإله سين (إله القمر) الذي كانت عائلته ترتبط بخدمته منذ زمن طويل، خاصة أن والدته كانت كاهنة كبرى له في مدينة حران. وقد انعكس هذا التوجه بوضوح في نقوشه ونشاطه العمراني، إذ اهتم بإعادة بناء معابد سين في حران وأور، بينما أهمل الطقوس الرسمية الخاصة بمردوخ، وهو أمر غير مسبوق في بابل حيث ارتبطت هيبة العاصمة وشرعية الحكم بتكريم مردوخ.
2. المعارضة البابلية الناجمة عن إصلاحاته الدينية:
هذا التغيير في مركز العبادة الرسمية أثار سخط كهنة مردوخ في بابل، الذين كانوا أصحاب نفوذ سياسي وديني كبير، ويضطلعون بدور أساسي في الطقوس الملكية مثل احتفالات رأس السنة (أكيتو). فقد اعتبروا سياسات نابونيدوس تهديداً لسلطتهم وتقليداً مقدساً متجذراً في هوية بابل الدينية. وازدادت المعارضة عندما قرر الملك قضاء فترة طويلة خارج بابل، إذ أقام لسنوات في تيماء بشمال الجزيرة العربية، تاركاً شؤون العاصمة لابنه بلشاصر. هذا الغياب الطويل عن بابل وتهميش مردوخ عُدّ دليلاً على انحرافه عن تقاليد الحكم الشرعية.
لقد أسهمت هذه السياسات الدينية في عزلة نابونيدوس داخل بابل، إذ فقد تأييد الكهنة والطبقة الدينية التي كانت تمثل ركناً أساسياً من أركان الحكم. وقد استغل الفرس بقيادة كورش الكبير هذا الضعف في شرعية نابونيدوس لكسب دعم كهنة مردوخ عند دخولهم بابل سنة 539 ق.م، حيث صُوِّر كورش كمحرر يعيد الأمور إلى نصابها الديني الصحيح بإحياء عبادة مردوخ.
3. الإدارة والسياسة الداخلية
1. نقل العاصمة إلى تيماء في شبه الجزيرة العربية:
اتخذ نابونيدس (آخر ملوك بابل) خطوة غير مسبوقة حين نقل مقر إقامته من بابل إلى مدينة تيماء في شمال الجزيرة العربية. هذا القرار أثار جدلًا واسعًا في التاريخ البابلي، إذ كان غير معتاد أن يغادر الملك العاصمة الرئيسية، خاصة وأن بابل كانت مركزًا دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا للإمبراطورية. الدافع وراء هذا الانتقال لا يزال موضوع نقاش بين الباحثين، حيث يرى بعضهم أن السبب كان استراتيجيًا وتجاريًا لربط بابل بخطوط التجارة العربية، فيما يذهب آخرون إلى أنه كان ذا بُعد ديني مرتبط بعبادة إله القمر (سين) الذي كان نابونيدس متحمسًا له.
2. أثر غيابه الطويل عن بابل على الاستقرار الداخلي:
غياب الملك الطويل عن العاصمة أضعف السلطة المركزية وأثار استياء طبقة الكهنة في بابل، خاصة كهنة الإله مردوخ الذين اعتبروا هذا السلوك إهمالًا للطقوس الدينية الرسمية في المدينة. كما أدى ذلك إلى تنامي التوترات السياسية الداخلية، وتزايد نفوذ النخب البابلية المحلية التي استغلت الفراغ السياسي لتعزيز سلطتها. هذا الضعف الداخلي ساعد على انهيار المقاومة البابلية لاحقًا أمام التوسع الفارسي بقيادة كورش الكبير.
4. العلاقات الخارجية والتهديد الفارسي
1. توسع كورش الكبير وصعود الإمبراطورية الفارسية الأخمينية:
شهدت فترة حكم نابونيدوس مرحلة حاسمة في تاريخ بلاد الرافدين، مع صعود كورش الكبير وتأسيس الإمبراطورية الفارسية الأخمينية. تمكن كورش من توحيد القبائل الفارسية والميدية، وبنى جيشًا منظمًا قادرًا على تنفيذ حملات توسعية فعّالة نحو الغرب. استراتيجياته العسكرية كانت تعتمد على التخطيط الدقيق، والتنسيق بين الوحدات المختلفة، والاستفادة من نقاط ضعف العدو، بينما استراتيجياته الدبلوماسية شملت إقامة تحالفات مع المدن والممالك المستاءة من الحكم البابلي، مما قلّل من المقاومة المحتملة أثناء التوسع نحو بابل.
في المقابل، كان نابونيدوس يواجه أزمة داخلية حادة؛ فقد انعزل في تيماء لسنوات طويلة، وأدى تركيزه على عبادة الإله "سين" وإهماله لمردوخ إلى تآكل دعمه بين كهنة بابل والنخب المحلية. هذا الانقسام الداخلي أضعف قدرة بابل على تنظيم دفاع موحد، وجعل المدينة عرضة للتدخل الخارجي. محاولاته لتقوية الجبهة الداخلية من خلال التحالفات الدبلوماسية لم تُثمر كثيرًا بسبب الانقسامات الداخلية المستمرة، بينما الجيش البابلي لم يكن في مستوى مواجهة الفرس المدربين والمنظمين.
عند اقتراب كورش من العاصمة، لم يجد مقاومة فعلية، مما أتاح له دخول بابل عام 539 ق.م بسهولة نسبية، وإنهاء حكم نابونيدوس. هذا التوازن بين القوة الخارجية المنظمة، والضعف الداخلي للبابلين، يوضح أن سقوط بابل لم يكن مجرد نتيجة للغزو الفارسي، بل كان نتيجة تفاعل بين توسع إمبراطوري طموح وضعف السلطة المركزية الداخلية.
يمكن توضيح هذا أيضًا من خلال استغلال كورش للخلافات الداخلية بين الملك والكهنة والطبقات النخبوية، ما جعله يظهر كـ"منقذ" يحافظ على التقاليد الدينية، كما أظهر النص البابيلي على أسطوانة كورش. هذا الحدث يبرز كيف أن التوازن بين القوة العسكرية والتنظيم الداخلي والدعم الشعبي هو عامل حاسم في بقاء الإمبراطوريات أو انهيارها، وهو درس مهم في دراسة سقوط بابل وانتقال السلطة إلى الإمبراطورية الأخمينية.
2. محاولات نابونيدوس للحفاظ على استقلال بابل:
أدرك نابونيدوس خطورة الوضع، خصوصًا بعد غيابه الطويل عن العاصمة وإضعاف سلطته الداخلية. فعند عودته من تيماء حاول مواجهة التهديد الفارسي من خلال سياسات دبلوماسية وعسكرية، حيث لجأ إلى تكوين تحالفات مع بعض الممالك المجاورة لتعزيز موقف بابل الإقليمي. كما حاول تقوية الجبهة الداخلية عبر تعزيز العلاقات مع بعض النخب البابلية، إلا أن معارضته لكهنة مردوخ وإهماله للطقوس الدينية التقليدية أضعف هذه الجهود. لم تتمكن سياساته من تحقيق وحدة داخلية كافية لمواجهة الجيش الفارسي المتقدم. وبفضل هذه الظروف، دخل كورش الكبير بابل عام 539 ق.م دون مقاومة تذكر، منهياً بذلك حكم السلالة الكلدانية وفتح الطريق أمام الهيمنة الفارسية الأخمينية على بلاد الرافدين.
5. الصراع بين نابونيدوس والبابليين
1. التوتر بينه وبين كهنة مردوخ وسكان بابل:
مثّل نابونيدوس حالة استثنائية في تاريخ بابل الجديد، إذ دخل في صراع غير معلن مع المؤسسة الدينية البابلية، وخاصة كهنة مردوخ الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للشرعية الملكية. فقد أظهر ميولاً دينية غير مألوفة، حيث فضّل عبادة الإله "سين" (إله القمر) على حساب مردوخ، وهو ما اعتبر تحدياً مباشراً للتقاليد البابلية التي كانت ترى في مردوخ الإله الأعلى وحامي بابل. هذا الانحراف عن المعتقد الرسمي أثار سخط الكهنة وأضعف دعم الشعب له، لا سيما أن المهرجانات الدينية الكبرى مثل "أكيتو" (رأس السنة البابلية) لم تُقم في بعض سنوات حكمه نتيجة غيابه الطويل عن العاصمة. كما اتهمه البابليون بأنه أهمل المدينة المقدسة ولم يعطها مكانتها المركزية في الطقوس والسياسة.
2. دور المعارضة الداخلية في إضعاف حكمه:
غياب نابونيدوس الطويل عن بابل، حيث أقام سنوات عديدة في تيماء بشمال الجزيرة العربية، خلق فراغاً سياسياً ودينياً في العاصمة. هذا الغياب، إلى جانب سياساته الدينية المثيرة للجدل، فتح المجال أمام المعارضة الداخلية لتقويض سلطته. فقد انقسمت النخبة البابلية بين مؤيدين له باعتباره ملكاً شرعياً، ومعارضين رأوا فيه خطراً على التوازن التقليدي بين الملك والكهنة. لعبت هذه المعارضة دوراً محورياً في تهيئة الظروف لاستقبال الفاتح الفارسي كورش الكبير عام 539 ق.م.، حيث استغل الفرس هذه الانقسامات الداخلية، وقدموا أنفسهم كمنقذين يعيدون لمردوخ مكانته وللمعبد هيبته. وهكذا يمكن القول إن المعارضة الداخلية كانت أحد أبرز العوامل التي أدت إلى سقوط بابل في يد الفرس دون مقاومة كبرى.
6. سقوط بابل في يد الفرس
1. معركة أوبيس (539 ق.م):
في شهر تشرين الأول/أكتوبر 539 ق.م، دارت معركة فاصلة عند مدينة أوبيس الواقعة على نهر دجلة شمال بابل، بين قوات الملك البابلي الأخير نابونيدوس وجيش كورش الكبير ملك الأخمينيين. امتاز الجيش الفارسي بالتنظيم والانضباط العسكري، بينما كانت القوات البابلية تعاني من ضعف القيادة والتشتت الداخلي نتيجة غياب نابونيدوس الطويل عن العاصمة وسياسات دينية مثيرة للجدل. انتهت المعركة بانتصار الفرس، حيث تمكنوا من سحق الجيش البابلي وإلحاق خسائر فادحة به، ما مهد الطريق أمام التقدم السريع نحو العاصمة بابل دون مواجهة كبيرة.
2. دخول كورش إلى بابل:
بعد هزيمة أوبيس، انسحبت القوات البابلية دون مقاومة تُذكر. تمكن الجيش الفارسي من دخول بابل في 12 تشرين الأول/أكتوبر 539 ق.م بسهولة نسبية. تصف المصادر البابلية، مثل أسطوانة كورش، دخول الملك الفارسي بأنه تم دون إراقة دماء واسعة، إذ استقبله بعض الكهنة والأوساط المحلية كمنقذ أعاد التوازن الديني والسياسي للمدينة بعد سياسات نابونيدوس المثيرة للجدل، خاصة تجاه عبادة الإله مردوخ.
3. استسلام نابونيدوس وأسره:
لم يحاول نابونيدوس الدفاع عن العاصمة، بل استسلم سريعًا، وتم أسره من قبل الفرس. تشير بعض الروايات إلى أنه نُفي إلى منطقة بعيدة وربما قضى بقية حياته في هدوء، بينما أظهرت أسطوانة كورش احترامًا لشخصه بعد الاحتلال. بهذا انتهى حكم الإمبراطورية البابلية الحديثة (الإمبراطورية الكلدانية) التي تأسست منذ أيام نبوخذنصر الثاني، وبدأ عهد الإمبراطورية الفارسية الأخمينية التي جعلت من بابل إحدى أهم مدنها الكبرى ومركزًا إداريًا ودينيًا في المنطقة.
7. نهاية نابونيدوس ومصيره بعد السقوط
بعد سقوط بابل في يد الفرس الأخمينيين سنة 539 ق.م، انتهى حكم نابونيدوس الذي استمر قرابة سبعة عشر عامًا. لكن مصيره بعد ذلك ظل موضع جدل بين المصادر التاريخية القديمة.
1. الروايات المتباينة حول نفيه أو بقائه:
المصادر البابلية والفارسية، مثل "أسطوانة كورش"، تشير إلى أن نابونيدوس لم يُقتل بعد أسره، بل تم التعامل معه برفق نسبي. بعض الروايات تفيد بأن كورش نفاه إلى منطقة بعيدة، ربما في كرمانيا (جنوب إيران) أو إحدى مدن فارس، حيث قضى بقية حياته في عزلة. بينما تفترض روايات أخرى أنه سُمح له بالعيش في بابل أو ضواحيها تحت إشراف الفرس، دون أي دور سياسي. هذه المعاملة غير القاسية قد تعكس سياسة كورش الشهيرة بالتسامح مع الملوك المهزومين والشعوب الخاضعة.
2. تقييم شخصيته ودوره في انهيار الإمبراطورية الكلدانية:
يُنظر إلى نابونيدوس كشخصية مثيرة للجدل؛ فقد كان مثقفًا مهتمًا بالتاريخ والدين والآثار، لكنه افتقر إلى الكاريزما السياسية والقدرة العسكرية التي ميزت أسلافه مثل نبوخذنصر الثاني. تركيزه المفرط على عبادة الإله "سين" وإهماله لمردوخ، الإله الرئيسي لبابل، أدى إلى عزلة بينه وبين الكهنة، الذين كانوا قوة روحية وسياسية حاسمة في المدينة. كما أن ابتعاده الطويل عن بابل وإقامته في تيماء أضعف سلطته الداخلية وأفقده ثقة الشعب والنخب. هذه العوامل، مجتمعة مع صعود قوة الفرس بقيادة كورش الكبير، جعلت الإمبراطورية الكلدانية عرضة للانهيار السريع.
وبذلك، يمكن القول إن نابونيدوس مثّل نهاية مرحلة تاريخية مهمة في حضارة بلاد الرافدين، حيث ارتبط اسمه ليس فقط بسقوط بابل، بل أيضًا بانتقال مركز الثقل السياسي في الشرق الأدنى من البابليين إلى الفرس الأخمينيين.
8. التراث التاريخي لنابونيدوس
1. صورته في النصوص البابلية والفارسية:
في النصوص البابلية، يُنظر إلى نابونيدوس غالبًا على أنه ملك غريب الأطوار، يميل إلى التجديد الديني على حساب تقاليد مردوخ، مما جعله محل نقد كهنة بابل وسكانها. وتشير النقوش البابلية إلى إقامته الطويلة في تيماء، وتركه العاصمة لفترات ممتدة، ما عزز صورة الملك المنعزل عن شؤون الإمبراطورية. بالمقابل، تصوره المصادر الفارسية، خاصة أسطوانة كورش، على أنه ملك مغلوب على أمره، استسلم دون مقاومة، وظهرت كفتاة في سياق سرد الفتح الفارسي كبطل أعاد النظام والشرعية الدينية إلى بابل، حيث عادت مكانة مردوخ ومؤسساتها الدينية بعد الاحتلال الفارسي.
2. أثر سياساته في انتقال السلطة من الكلدانيين إلى الفرس:
تُظهر دراسة حكم نابونيدوس أن سياساته الداخلية، من إهمال مردوخ إلى إقامته خارج بابل، أسهمت بشكل مباشر في تآكل سلطة الإمبراطورية الكلدانية. فقد أدى التوتر مع الكهنة والنخب الداخلية إلى ضعف الدعم الشعبي والاحتجاجات الصامتة داخل العاصمة، ما سهّل مهمة كورش الكبير عند دخوله بابل عام 539 ق.م. بالتالي، يُمكن القول إن نابونيدوس، رغم اهتمامه بالدين والتراث، لعب دورًا غير مباشر في انتقال السلطة من الكلدانيين إلى الفرس، حيث مهدت أخطاؤه السياسية والدينية الطريق لقيام الإمبراطورية الفارسية الأخمينية في قلب بلاد الرافدين.
باختصار، يظل نابونيدوس شخصية معقدة في التاريخ القديم، تجمع بين الملك المتدين والمفكر، والملك الضعيف سياسيًا، ما جعله رمزًا لانهيار آخر ملوك بابل ومرحلة حاسمة في انتقال النفوذ من الكلدانيين إلى الفرس.
خاتمة
يشكل نابونيدوس آخر ملوك الإمبراطورية الكلدانية شخصية محورية في تاريخ الشرق الأدنى القديم، حيث ارتبط حكمه بفترة من التحولات السياسية والدينية العميقة التي مهدت لسقوط بابل في يد الفرس الأخمينيين. صعوده إلى العرش لم يكن تقليديًا، إذ لم يكن من سلالة ملكية مباشرة، بل جاء مدعومًا من نفوذ والدته الكاهنة وقوى البلاط، ما جعله يواجه تحديات شرعية منذ البداية. هذا الأصل غير الملكي ساهم في ضعف موقفه أمام المعارضة الداخلية، خاصة من كهنة مردوخ الذين رأوا في تغييره للعبادة التقليدية تهديدًا للشرعية الدينية للملوك الكلدانيين.
تميزت سياسة نابونيدوس الدينية بالتركيز على عبادة الإله "سين" إله القمر، وهو توجه أثار سخط الكهنة والبابلين، إذ اعتُبر إهماله لمردوخ انقلابًا على التقاليد الراسخة في العاصمة الدينية للمدينة. كما أنه قضى سنوات طويلة بعيدًا عن بابل في تيماء بشبه الجزيرة العربية، ما أضعف السلطة المركزية وزاد من تأثير المعارضة الداخلية، وجعل الإمبراطورية عرضة للغزو الخارجي.
على الصعيد الخارجي، كان نابونيدوس أمام تحدٍ جسيم من صعود كورش الكبير وتوسع الفرس الأخمينيين غربًا نحو بلاد الرافدين. محاولاته للحفاظ على استقلال الإمبراطورية لم تكن كافية لمواجهة التفوق العسكري والتنظيمي للفرس، كما أن الانقسامات الداخلية بين الملك والكهنة والنخب ساعدت على انهيار الدفاعات البابلية. انتهى حكمه بسقوط بابل في معركة أوبيس عام 539 ق.م، حيث دخل كورش المدينة واستسلم نابونيدوس وأُسر، منهياً بذلك الحكم الكلداني وافتتاح العهد الفارسي الأخميني.
يظل نابونيدوس شخصية معقدة ومثيرة للجدل؛ فقد جمع بين اهتمامه بالدين والتاريخ، وبين ضعف كفاءته السياسية والعسكرية. وقد ساهمت سياساته الدينية والغياب الطويل عن العاصمة في تسهيل انتقال السلطة من الكلدانيين إلى الفرس، ليصبح سقوطه مثالًا على تأثير التوتر بين الدين والسياسة في مصير الإمبراطوريات. وبذلك، يمثل نابونيدوس آخر فصول الإمبراطورية البابلية الحديثة، ويبرز دوره في التاريخ كرمز لانهيار حكم تقليدي أمام قوى صاعدة ومتحولة في الشرق الأدنى القديم.
مراجع
1. حملة الملك البابلي نابونيد على شمال غرب الجزيرة العربية
سعيد بن فايز إبراهيم، منشور من قبل الجمعية التاريخية السعودية.
2. الملك نابونيدوس في الجزيرة العربية في ضوء المصادر المسمارية
محمد بن علي الحاج، منشور في مجلة آثار.
3. الدولة البابلية الحديثة (539-626 ق.م)
هدب غزالة، منشور في دار الفكر العربي.
4. الملك نابونيدوس في تيماء
صبحي أنور رشيد، منشور في مجلة سومر.
5. سقوط مدينة بابل على عهد الملك نابونيدوس
ابتهال عادل إبراهيم الطائي، منشور في مجلة المورد.
مواقع الكترونية
1.نبو نيد - ويكيبيديا
تعريف بنابونيدوس، آخر ملوك بابل المستقلين، ودوره في التاريخ الديني والسياسي، وكيف أنهى حكم السلالة الكلدانية.
رابط : ar.wikipedia.org
2.معركة أوبيس - ويكيبيديا
توضح المعركة الحاسمة بين الفرس بقيادة كورش الكبير ضد جيوش الإمبراطورية البابلية، والصراع الذي كان فيه نابونيدوس.
رابط : ar.wikipedia.org
3.كيف سقطت الإمبراطورية وكيف صعدت؟ - اليوم السابع
مقالة تاريخية عن صعود كورش الكبير وسقوط الإمبراطورية البابلية الحديثة بقيادة نابونيدوس.
رابط : youm7.com
4.هل يتحمل نبونائيد سقوط بابل ووادي الرافدين؟
وثائقي يناقش الدور السياسي والنهاية الحاسمة لنابونيدوس وسقوط الإمبراطورية البابلية بيد الفرس
رابط : youtube.com
5.من هو نبونيد في الكتاب المقدس؟
مقال يتناول نابونيدوس من منظور ديني وتاريخي، وعلاقته باليهود والكتب المقدسة.
رابط : ministryvoice.com
6.كلداني -كلديا
مقال عن الكلدانيين وتشمل فترة حكم نابونيدوس ودوره وتأثيره في سقوط بابل.
رابط : st-takla.org

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه