يمثل التراث الثقافي العربي غير المادي ركيزة جوهرية في بناء الهوية الجماعية للشعوب العربية، إذ يختزن في طياته خلاصة التجارب الإنسانية والإبداعات الفكرية والفنية التي توارثتها الأجيال عبر مئات السنين. ولا يقتصر هذا التراث على كونه مجرد ذكريات ماضية أو ممارسات قديمة بالية، بل هو نسيج حيّ ينبض بالحياة في كل أغنية شعبية تُردَّد في الأعراس، وفي كل حكاية ترويها الجدّات على مسامع الأطفال قبل النوم، وفي كل طبقٍ تقليدي يجتمع حوله أفراد الأسرة في المناسبات والأعياد. إنه المرآة التي تعكس روح الأمة وتفرّدها بين الأمم، والجسر الذي يربط الماضي بالحاضر ويمتدّ نحو المستقبل.
لقد أدركت المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، أهمية هذا النوع من التراث حين اعتمدت في عام 2003 اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي، التي عرّفته بأنه مجموع الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وفضاءات ثقافية، التي تعترف بها المجتمعات والجماعات بوصفها جزءًا من تراثها الثقافي. وقد كان للعالم العربي نصيب وافر في القوائم التمثيلية لهذا التراث الأممي، مما يؤكد ثراء المنطقة العربية وتنوعها الثقافي المذهل.
غير أن هذا الإرث العظيم يواجه اليوم تحديات جسيمة تهدد استمراريته وتنقله بين الأجيال، إذ تتضافر عوامل العولمة والتحضّر السريع والنزاعات المسلحة والهجرة والتغيرات الاجتماعية في تآكل كثير من عناصره وممارساته. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى دراسة هذا التراث دراسة معمّقة تكشف عن تجلياته المتنوعة، وتستعرض التحديات التي تعترض سبيل حمايته، وتقترح آليات فعّالة لصونه وتوظيفه في خدمة التنمية المستدامة.
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة شاملة ومعمّقة في ملامح الهوية الثقافية العربية كما تتجلى في الموروث غير المادي، مع استكشاف مسارات الحماية والاستدامة الممكنة. ولتحقيق هذا الهدف، يقسم المقال إلى مبحثين رئيسيين: يتناول الأول تجليات التراث الثقافي العربي غير المادي في مختلف مجالاته، من فنون أدائية وموسيقية وتقاليد أدبية وحِرف يدوية وموروث اجتماعي وغذائي، فيما يتناول المبحث الثاني واقع هذا التراث والتحديات المعاصرة التي تواجهه وآليات الحفاظ عليه وإمكانات توظيفه رافدًا للتنمية المستدامة.
المبحث الأول: تجليات التراث الثقافي غير المادي في الوطن العربي
يتّسم الوطن العربي بتنوّع جغرافي وبيئي واسع، امتدّ من سواحل المحيط الأطلسي غربًا إلى مياه الخليج العربي شرقًا، ومن جبال الأطلس وسواحل المتوسط شمالًا إلى صحارى الربع الخالي وسهول السودان جنوبًا. وقد أفرز هذا التنوع الجغرافي تنوعًا ثقافيًا مذهلًا، تجلّى في ممارسات وفنون وتقاليد متعددة تشترك في روحها العربية الإسلامية العامة، لكنها تتمايز في تفاصيلها المحلية التي تعكس خصوصية كل منطقة وبيئتها. وفيما يلي عرض تفصيلي لأبرز تجليات التراث الثقافي العربي غير المادي في أربعة مجالات رئيسية.
المطلب الأول: الفنون الأدائية والموسيقية والشعبية
تعد الفنون الأدائية والموسيقية من أبرز تجليات التراث الثقافي في المنطقة العربية وأكثرها حيوية وتأثيرًا في الوجدان الجمعي. فالإنسان العربي، عبر تاريخه الطويل، عبّر عن أفراحه وأتراحه وانتصاراته وتطلّعاته من خلال الأداء الحركي والموسيقي المرتبط بالمناسبات المختلفة. وقد تنوّعت هذه الفنون تنوعًا كبيرًا بتنوع البيئات والثقافات المحلية، لكنها احتفظت جميعها بطابعها الجماعي التشاركي الذي يُعزّز الروابط الاجتماعية ويرسّخ الشعور بالانتماء.
فن السماح هو أحد أعرق الفنون الأدائية في منطقة الخليج العربي، ويُعرف أيضًا بأسماء مختلفة في بعض المناطق. يجمع هذا الفن بين الشعر الفصيح والألحان الموسيقية الرقيقة والأداء الحركي المنضبط، وقد نشأ في الأصل في بيئة البحر وارتبط بحياة البحارة والصيادين. يُؤدَّى فن السماح عادةً في الأعراس والمناسبات الاجتماعية الكبرى، حيث يجلس المؤدّون في صفوف متقابلة ويتبادلون إنشاد الأبيات الشعرية على إيقاعات آلات تقليدية كالعود والمرواس والطبل. ويتميز هذا الفن بالرقيّ في الأداء والعمق في المعاني الشعرية التي تدور غالبًا حول الحب والشوق والغزل والحكمة. ولقد أُدرج فن السماح ضمن عناصر التراث الثقافي العربي غير المادي المسجّلة لدى اليونسكو، اعترافًا بقيمته الثقافية والفنية الاستثنائية.
أما فن العيالة فهو من أبرز الفنون الأدائية الجماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان. وهو فن حربي في الأصل، كان يُؤدَّى قبل المعارك لبثّ الحماس والشجاعة في نفوس المقاتلين، ثم تحوّل مع مرور الزمن إلى فنّ احتفالي يُؤدَّى في المناسبات الوطنية والأعراس والأعياد. يقف المؤدّون في صفّين متقابلين ويتمايلون بإيقاع منتظم وهم يحملون عصيًّا رفيعة أو سيوفًا، بينما يردّدون أشعارًا حماسية على إيقاع الطبول. ويتوسّط الصفّين أحيانًا فتيات يُؤدّين حركات انسيابية بشعورهنّ الطويلة في مشهد بالغ الجمال والتناسق. وقد سُجّل فن العيالة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو عام 2014، مما أضفى عليه بُعدًا عالميًا مهمًّا.
والدبكة هي الرقصة الشعبية الأشهر في بلاد الشام (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين)، وهي تجسيد حيّ للروح الجماعية والتكافل الاجتماعي الذي يميّز مجتمعات هذه المنطقة. تُؤدَّى الدبكة بأن يقف الراقصون في صفّ واحد أو نصف دائرة، متشابكي الأيدي أو واضعين أيديهم على أكتاف بعضهم البعض، ثم يبدأون بضرب الأرض بأقدامهم في إيقاع متناسق قوي، يقودهم "اللوّيح" أو "الرأس" الذي يقف في مقدمة الصف ويُملي الحركات ويرتجل الأداء. وللدبكة أنواع عديدة تختلف في إيقاعاتها وحركاتها من منطقة إلى أخرى، منها الدبكة الشمالية والجنوبية والدلعونا والكرّادية. وهي أكثر من مجرد رقصة؛ إنها تعبير عن الارتباط بالأرض والفرح بالحياة والتضامن الجماعي.
المقام العراقي يُعدّ من أرفع أشكال الغناء التقليدي في العالم العربي وأكثرها تعقيدًا وعمقًا. وهو فنّ غنائي مقاميّ يقوم على أداء قصائد شعرية بالفصحى أو العامية العراقية وفق سلالم موسيقية محددة تُعرف بالمقامات، وعددها يزيد على خمسين مقامًا أبرزها البيات والحجاز والراست والنهاوند والصبا. يُرافق المغنّي (القارئ) فرقة موسيقية تُعرف بـ"الجالغي البغدادي" تضمّ آلات تقليدية مثل السنطور والجوزة والطبلة والرقّ. ويحتاج إتقان المقام العراقي إلى سنوات طويلة من التدريب والتلمّذ على أيدي الأساتذة الكبار، مما يجعله فنًّا نخبويًا في أدائه شعبيًّا في تلقّيه وتذوّقه. وقد أُدرج المقام العراقي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي عام 2008.
ولا يمكن الحديث عن الفنون الأدائية العربية دون الإشارة إلى الرقصات الشعبية المتنوعة في مختلف أرجاء الوطن العربي. ففي مصر نجد التنّورة والتحطيب ورقصات الفلاحين، وفي المغرب العربي نجد الأحواش والعيطة والكناوة، وفي اليمن نجد البرع والمزمار، وفي السودان نجد رقصات النوبة والكمبلا. وكلّ رقصة من هذه الرقصات تحمل في حركاتها وإيقاعاتها وملابسها قصةً عن البيئة التي نشأت فيها والمجتمع الذي أبدعها. إن هذه الفنون الأدائية والموسيقية تُشكّل عنصرًا حيويًا من عناصر الهوية الثقافية العربية، وهي بحاجة ماسّة إلى التوثيق والحماية والتجديد لضمان استمرارها ونقلها إلى الأجيال القادمة.
المطلب الثاني: التقاليد الأدبية والمعارف الشفوية
تحتلّ التقاليد الأدبية الشفوية مكانةً مركزيةً في بنية التراث الثقافي العربي غير المادي، إذ كانت الكلمة المنطوقة ولا تزال الوسيلة الأساسية لنقل المعارف والقيم والتجارب عبر الأجيال في المجتمعات العربية. فقبل انتشار الكتابة والطباعة، كان الرواة والحكواتيون والشعراء هم حُرّاس الذاكرة الجماعية وناقلوها، يحملون في صدورهم كنوزًا من الحكايات والملاحم والأمثال والأشعار التي تختزل حكمة الأجداد وتجاربهم في الحياة.
تعد السيرة الهلالية (سيرة بني هلال) من أعظم الملاحم الشعبية في الأدب العربي الشفهي وأكثرها انتشارًا. تروي هذه الملحمة الضخمة قصة هجرة قبيلة بني هلال من الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا في القرن الحادي عشر الميلادي، وتتمحور حول أبطال أسطوريين مثل أبو زيد الهلالي ودياب بن غانم والأميرة الجازية. وتمتدّ السيرة الهلالية عبر آلاف الأبيات الشعرية المسجوعة التي يُنشدها الرواة مع مرافقة آلة الربابة، وقد تستغرق روايتها الكاملة أسابيع أو حتى أشهرًا من الليالي المتتالية. وتختلف روايات السيرة الهلالية من بلد إلى آخر؛ ففي مصر تُعرف بالسيرة الهلالية الصعيدية، وفي تونس والجزائر لها رواياتها المحلية الخاصة. ولقد أدرجت اليونسكو السيرة الهلالية المصرية في عام 2008 ضمن قائمتها التمثيلية، تقديرًا لقيمتها بوصفها رافدًا أساسيًا من روافد الإبداع الأدبي العربي.
أما قصص الجدّات فهي تقليد شفهي عريق منتشر في جميع المجتمعات العربية دون استثناء. في كل بيت عربي تقليدي، كانت الجدّة هي الراوية الأولى التي تجمع حولها الأطفال والأحفاد لتسرد عليهم حكايات مشوّقة تمزج بين الخيال والواقع، وتحمل في طياتها دروسًا أخلاقية وقيمًا اجتماعية يُراد غرسها في نفوس الصغار. وتتنوّع هذه القصص بين حكايات الحيوانات الناطقة والجنّ والغيلان والأميرات والأبطال الشعبيين، وكثير منها يحمل تشابهات مع قصص وحكايات شعوب أخرى مما يدلّ على التلاقح الثقافي عبر التاريخ. ومن أشهر الشخصيات المتكررة في قصص الجدّات العربية: "أمّ الغول"، و"الشاطر حسن"، و"ست الحسن"، وغيرها. وتتميّز هذه القصص بأسلوبها السردي الجذّاب واستخدامها للصيغ التكرارية والسجع والتعابير المألوفة التي تُيسّر الحفظ والتذكّر. ولعلّ أكبر تهديد يواجه هذا التقليد الشفهي اليوم هو تغيّر أنماط الحياة الأسرية وانشغال الأطفال بالتقنيات الحديثة والشاشات الإلكترونية التي حلّت محل مجالس السمر والحكي التقليدية.
ولا يكتمل الحديث عن المعارف الشفوية العربية دون الإشارة إلى شخصية جُحا، تلك الشخصية الفكاهية الساخرة التي تتقاسمها ثقافات عربية وإسلامية عديدة. يُنسب جحا تاريخيًا إلى شخصيات مختلفة، أبرزها نصر الدين خوجا في التراث التركي ودجيحا في التراث المغاربي. وتدور حول جحا نوادر وطُرف لا حصر لها، تبدو في ظاهرها بسيطة مضحكة لكنها في باطنها تحمل نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا وحكمة بالغة. فجحا في حكاياته يتقمّص دور الأحمق الذكي الذي يكشف بسذاجته الظاهرة عيوب المجتمع ونفاق الناس وظلم الحكّام. وقد انتشرت نوادر جحا انتشارًا واسعًا في التراث الشفهي العربي حتى صار اسمه مَثلًا يُضرب ومرجعًا يُستشهد به في الحوارات اليومية.
وتُعدّ ألف ليلة وليلة أشهر عمل أدبي سردي في التراث العربي على الإطلاق، وهي مجموعة ضخمة من الحكايات المتداخلة والمتشعّبة التي تُروى على لسان شهرزاد لزوجها الملك شهريار على مدى ألف ليلة وليلة. وتضمّ هذه المجموعة قصصًا خيالية وبوليسية ورومانسية ومغامرات وعجائب، من أشهرها قصة علاء الدين والمصباح السحري، والسندباد البحري، وعلي بابا والأربعين حرامي. وقد تبلورت ألف ليلة وليلة عبر قرون عديدة، حيث أُضيفت إليها حكايات من مصادر فارسية وهندية وعربية، مما جعلها وثيقة فريدة تعكس التفاعل الثقافي بين الحضارات المختلفة. وقد تُرجمت ألف ليلة وليلة إلى معظم لغات العالم وألهمت أجيالًا من الكتّاب والفنّانين والمخرجين في الشرق والغرب على حدٍّ سواء، مما يؤكد عالمية هذا المنجز الأدبي العربي وخلوده.
إن التقاليد الأدبية الشفوية العربية لا تقتصر على ما ذُكر، بل تشمل أيضًا الشعر النبطي والزجل والموشّحات والأمثال الشعبية والأحاجي والألغاز وأغاني المهد والحداء والأهازيج المرتبطة بالعمل والحصاد. وهي جميعها تُشكّل نسيجًا غنيًا من الإبداع الإنساني يستحق العناية والتوثيق والدراسة.
المطلب الثالث: الحِرف اليدوية وفنون الخط العربي
تُمثّل الحِرف اليدوية التقليدية وفنون الخط العربي بُعدًا مادّيًا ملموسًا من أبعاد التراث الثقافي العربي غير المادي، لأن ما يُصنَّف ضمن هذا التراث ليس المنتج النهائي بحدّ ذاته، بل المعرفة والمهارة والتقنية المتوارثة اللازمة لإنتاجه. فالحِرفي التقليدي لا ينقل مجرد سلعة، بل ينقل خبرة أجيال وأسرارًا مهنية وذوقًا جماليًا ورؤيةً للعالم تتجسّد في منتجاته اليدوية.
تُعتبر صناعة السجاد من أعرق الحِرف اليدوية في العالم العربي، وهي منتشرة بشكل خاص في المغرب وتونس وليبيا وبعض مناطق المشرق العربي. ويتميز السجاد العربي التقليدي بأنماطه الهندسية المعقّدة وألوانه المستخرجة من مواد طبيعية كالحنّاء والزعفران والنيلة وقشور الرمان. وتختلف أنماط السجاد وتقنيات نسجه من منطقة إلى أخرى؛ ففي المغرب نجد السجاد الأمازيغي بزخارفه الرمزية التي تحمل دلالات روحية وثقافية عميقة، وفي تونس يشتهر سجاد القيروان بدقّته وجماله، وفي البادية العربية تُنسج البُسُط والسجاجيد من وبر الإبل وصوف الأغنام بأساليب توارثتها النساء عبر الأجيال. وتمتدّ عملية صناعة السجاد من جزّ الصوف وغسله وتلوينه إلى نسجه على الأنوال التقليدية، وكل مرحلة من هذه المراحل تحمل معارف ومهارات خاصة تُشكّل جزءًا لا يتجزأ من هذا التراث.
أما صناعة الفخار والخزف فهي من أقدم الحِرف الإنسانية في المنطقة العربية، إذ تعود جذورها إلى آلاف السنين قبل الميلاد. وقد أبدع الحِرفيون العرب والمسلمون عبر التاريخ أنماطًا فريدة من الخزف المزخرف والمزجّج الذي انتشر شرقًا وغربًا وأثّر في فنون الخزف العالمية. ولا تزال هذه الصناعة حيّة في كثير من المدن والقرى العربية؛ ففي فاس المغربية يُنتج الحرفيون أطباقًا وأوانيَ خزفية مزيّنة بزخارف زرقاء وبيضاء شهيرة عالميًا، وفي تونس تشتهر نابل ومعاملها بإنتاج الخزف المزجّج بألوانه الزاهية، وفي مصر تعود صناعة الفخار في قرية "تونس" بالفيوم وفي صعيد مصر إلى جذور فرعونية قديمة. وتكمن القيمة التراثية لهذه الصناعة في التقنيات اليدوية المتوارثة لتشكيل الطين وزخرفته وحرقه، وهي تقنيات تتطلّب خبرة ومهارة عالية يتعلّمها الحِرفي عادةً منذ طفولته على يد أبيه أو جدّه في إطار عائلي مهني.
ويُعدّ الخط العربي من أسمى الفنون الإسلامية وأكثرها تعبيرًا عن الذوق الجمالي العربي والإسلامي. فقد ارتقى العرب والمسلمون بالكتابة من مجرد أداة للتواصل والتوثيق إلى فنّ رفيع يحمل أبعادًا جمالية وروحية عميقة. وتتعدد أنواع الخط العربي وأساليبه تعددًا كبيرًا، من أشهرها: خط النسخ، وخط الثلث، والخط الفارسي (النستعليق)، والخط الديواني، والخط الكوفي، وخط الرقعة. ولكلّ نوع من هذه الخطوط قواعده ونسبه وجمالياته الخاصة التي تحتاج سنوات من الممارسة والتلمّذ لإتقانها. وقد أُدرج الخط العربي في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو عام 2021 كعنصر مشترك بين ستّ عشرة دولة عربية وإسلامية، في اعتراف دولي بقيمته الفنية والحضارية الاستثنائية. ويتجلّى الخط العربي في المساجد والقصور والمخطوطات والعملات والأختام، وقد أصبح اليوم مصدر إلهام للفنّانين المعاصرين الذين يمزجون بين تقاليده العريقة والتقنيات الحديثة في أعمال فنية مبتكرة تُعرض في أرقى المعارض والمتاحف الدولية.
المطلب الرابع: الموروث الاجتماعي والغذائي والطب الشعبي
يمتدّ التراث الثقافي العربي غير المادي ليشمل جوانب الحياة اليومية كلّها، من طعام وشراب وعلاج وألعاب وعادات اجتماعية متنوعة. وهذه الجوانب، على ما قد تبدو عليه من بساطة وعادية، تختزن في واقع الأمر بُعدًا ثقافيًا عميقًا يعكس تاريخ المجتمعات العربية وقيمها وتفاعلها مع بيئتها الطبيعية.
يُشكّل فن الطبخ العربي عنصرًا محوريًا من عناصر الهوية الثقافية العربية، فالمطبخ العربي ليس مجرد مجموعة من الوصفات والمكوّنات، بل هو نظام ثقافي متكامل يرتبط بالمناسبات الدينية والاجتماعية والعادات والتقاليد والقيم مثل الكرم والضيافة. وتتنوّع المطابخ العربية تنوعًا هائلًا من بلد إلى آخر؛ فالمطبخ الشامي يشتهر بالكبّة والتبّولة والفتّوش والشاورما، والمطبخ المصري بالكشري والملوخية والفول، والمطبخ المغاربي بالكسكس والطاجين والحريرة، والمطبخ الخليجي بالمجبوس والمكبوس والهريس والثريد. وقد سُجّل فن صناعة القهوة العربية (بعاداتها وآدابها ورموزها الاجتماعية) في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي عام 2015 كعنصر مشترك بين عدة دول عربية. كما سُجّل طبق المنسف الأردني وطبق الكسكس المغاربي أيضًا ضمن هذه القائمة، مما يؤكد أن فن الطهي ليس شأنًا ثانويًا بل هو مكوّن أصيل من مكوّنات الهوية الثقافية.
أما الحلويات التقليدية فهي عالم قائم بذاته في الثقافة الغذائية العربية. فمن البقلاوة والكنافة النابلسية والقطايف في المشرق العربي، إلى المقروط والزلابية والمحنشة في المغرب العربي، مرورًا بالبسبوسة وأمّ علي والقطر في مصر، والحلوى العُمانية واللقيمات في الخليج العربي، يزخر الموروث الحلوائيّ العربي بتنوع مذهل يعكس تلاقح الثقافات وتبادل المعارف عبر طرق التجارة القديمة. وكثير من هذه الحلويات يرتبط بمناسبات دينية محددة؛ فالقطايف حلوى رمضان بامتياز، وكعك العيد يُصنع في عيد الفطر والأضحى، والمعمول يُحضَّر في الأعياد المسيحية العربية، مما يُضفي على هذه الأصناف بُعدًا روحيًا واجتماعيًا يتجاوز البُعد الغذائي الصرف.
ويمتلك العرب تراثًا عريقًا في مجال العلاج بالأعشاب والطب الشعبي، يعود إلى ما قبل الإسلام ويمتدّ عبر العصور الإسلامية الذهبية التي شهدت إسهامات عربية وإسلامية رائدة في الطب والصيدلة. وقد توارثت الأجيال العربية معارف واسعة عن خصائص النباتات والأعشاب العلاجية وطرق استخدامها في الوقاية والعلاج من الأمراض المختلفة. فالحبّة السوداء (حبّة البركة) والعسل والحلبة والزنجبيل والبابونج والمريمية والزعتر وزيت الزيتون والحجامة والكيّ كلها عناصر أساسية في منظومة الطب الشعبي العربي التي لا تزال حاضرة في كثير من المجتمعات العربية إلى جانب الطب الحديث. ورغم أن بعض هذه الممارسات قد لا تتوافق مع معايير الطب العلمي المعاصر، إلا أنها تمثّل مخزونًا معرفيًا ثريًا يستحق الدراسة والتوثيق، وقد أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة فعالية كثير من الأعشاب والنباتات المستخدمة في الطب الشعبي العربي.
ولا يكتمل الحديث عن الموروث الاجتماعي دون الإشارة إلى الألعاب الشعبية التي كان يمارسها الأطفال والشباب العرب في الأزقة والساحات والبيوت قبل عصر الألعاب الإلكترونية. فمن ألعاب الكرة الشراب والغمّيضة والاستغماية والطابة والحجلة (أمّ الخطوط) والمنقلة والسيجة وسباق الأكياس والقفز بالحبل والبلي والدحل، إلى ألعاب الذكاء والحساب والألغاز اللغوية، كانت هذه الألعاب تمثّل عالمًا كاملًا من المرح والتعلّم والتنشئة الاجتماعية. وقد أسهمت هذه الألعاب في تنمية المهارات الحركية والذهنية والاجتماعية لدى الأطفال، وعلّمتهم قيم التعاون والمنافسة الشريفة واحترام القواعد والعمل الجماعي. وللأسف، تلاشت معظم هذه الألعاب من حياة الأطفال العرب المعاصرين الذين أصبحوا أسرى للشاشات والأجهزة الذكية، مما يُعدّ خسارة ثقافية واجتماعية حقيقية.
المبحث الثاني: واقع التراث العربي ومسارات الحماية
بعد أن استعرضنا في المبحث الأول أبرز تجليات التراث الثقافي العربي غير المادي بتنوّعه وثرائه، ننتقل في هذا المبحث إلى دراسة واقع هذا التراث اليوم والتحديات المعاصرة التي تهدد استمراريته، ثم نستعرض الجهود والآليات المبذولة لحمايته، وأخيرًا نستكشف إمكانات توظيفه رافدًا للتنمية المستدامة.
المطلب الأول: التحديات المعاصرة التي تواجه التراث
يواجه التراث الثقافي العربي غير المادي في عصرنا الراهن جملة من التحديات الخطيرة التي تُهدد بتآكله وانقراض كثير من عناصره إن لم تُتَّخذ إجراءات عاجلة وفعّالة لمواجهتها. وتتنوع هذه التحديات بين عوامل خارجية عالمية وعوامل داخلية محلية، وفيما يلي عرض لأبرزها.
تعد العولمة من أخطر التحديات التي تواجه الخصوصية الثقافية للمجتمعات العربية. فالتدفق الهائل للمنتجات الثقافية الغربية عبر وسائل الإعلام والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي يُهيمن على الأذواق ويُشكّل أنماط الاستهلاك الثقافي لدى الأجيال الشابة، مما يُبعدها عن موروثها المحلي ويُضعف ارتباطها به. فالشباب العربي اليوم أكثر اطلاعًا على ثقافة البوب الأمريكية والكي-بوب الكورية والأنيمي الياباني من اطلاعه على فنون المقام العراقي أو السيرة الهلالية أو فن العيالة. وتُنتج العولمة نوعًا من التنميط الثقافي الذي يُذيب الخصوصيات المحلية في بوتقة ثقافة عالمية واحدة ذات طابع استهلاكي تجاري، مما يُفقد المجتمعات هويتها الثقافية المتميزة ويُضعف شعور أبنائها بالانتماء إلى إرثهم الحضاري. ولا يعني هذا بالطبع الدعوة إلى الانغلاق ورفض التفاعل مع الثقافات الأخرى، بل يعني ضرورة تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية الثقافية الذاتية.
وتُمثّل الهجرة من الريف إلى المدن تحديًا بنيويًا خطيرًا يُهدد استمرارية التراث الثقافي العربي غير المادي. فالأرياف والبوادي والقرى هي البيئات الطبيعية التي نشأ فيها معظم عناصر هذا التراث واحتُضن وتوارثته الأجيال، ومع موجات الهجرة الكثيفة التي شهدتها معظم الدول العربية خلال العقود الأخيرة نحو المدن الكبرى، فقد انقطعت سلاسل التوارث التقليدية وتفكّكت المجتمعات الريفية التي كانت حاضنة لهذا التراث. فالحِرفي الذي هاجر إلى المدينة بحثًا عن لقمة العيش ترك ورشته وأدواته وأسرار مهنته خلفه دون أن ينقلها إلى جيل جديد، والمرأة الريفية التي انتقلت إلى الحياة المدنية تخلّت تدريجيًا عن تقاليد الطهي والنسيج والغناء الشعبي لصالح أنماط حياتية مدنية مختلفة. والنتيجة هي تراث يتيتّم عن حامليه ويفقد سياقه الحيّ الذي يمنحه المعنى والاستمرارية.
ويُشكّل ضعف التوثيق تحديًا مزمنًا يُفاقم من خطر فقدان عناصر التراث الثقافي العربي غير المادي. فكثير من الممارسات والمعارف التراثية لم تُوثَّق توثيقًا علميًا منهجيًا، وظلّت محفوظة في ذاكرة حامليها الأفراد الذين يتناقصون يومًا بعد يوم بفعل التقدّم في السنّ والوفاة. ومع رحيل كل حِرفي مُسنّ أو راوٍ شعبي أو عازف تقليدي دون أن يُوثَّق ما يحمله من معارف ومهارات، يضيع جزء لا يُعوَّض من الذاكرة الثقافية الجماعية. وتعود أسباب ضعف التوثيق إلى عوامل متعددة منها: قلة الموارد المالية المخصصة للبحث الميداني في مجال التراث، ونقص الكوادر المتخصصة في جمع التراث الشفهي وتوثيقه، وغياب قواعد بيانات وطنية شاملة للتراث غير المادي في كثير من الدول العربية، فضلًا عن عدم اهتمام كثير من المؤسسات الأكاديمية بهذا المجال البحثي.
وأخيرًا، تمثّل الفجوة بين الأجيال تحديًا وجوديًا للتراث الثقافي غير المادي، إذ أن جوهر هذا التراث يكمن في انتقاله الحيّ من جيل إلى جيل. وعندما يفقد الشباب اهتمامهم بتعلّم الممارسات التراثية ويرونها أمورًا قديمة لا تتناسب مع العصر الحديث، تنقطع سلسلة التوارث ويُصبح التراث مهددًا بالزوال. وتتعمّق هذه الفجوة بفعل عوامل عديدة، أبرزها: اختلاف منظومة القيم والاهتمامات بين الأجيال القديمة والجديدة، وتراجع مكانة الحِرف اليدوية التقليدية اقتصاديًا أمام الصناعات الحديثة، وغياب التراث من المناهج التعليمية الرسمية، وانبهار الشباب بالتقنيات الرقمية والثقافة المعولمة. وما لم تُبذل جهود جادّة لردم هذه الفجوة وإعادة ربط الأجيال الشابة بتراثها، فإن كثيرًا من عناصر هذا التراث ستختفي خلال عقود قليلة.
المطلب الثاني: آليات وجهود الحفاظ على التراث
في مواجهة هذه التحديات الجسيمة، ثمة جهود متنوعة تُبذل على المستويات المحلية والإقليمية والدولية لحماية التراث الثقافي العربي غير المادي وصونه وتجديد حيويته. وتتراوح هذه الجهود بين المبادرات المؤسسية الرسمية والمشاريع الأهلية المجتمعية والتعاون الدولي.
تلعب المؤسسات الثقافية الوطنية دورًا محوريًا في مجال حماية التراث وتوثيقه وإحيائه. فقد أنشأت معظم الدول العربية وزارات ثقافة أو هيئات وطنية للتراث تتولّى مهام الجرد والتوثيق والتسجيل والترويج لعناصر التراث غير المادي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) في المملكة العربية السعودية، وهيئة الشارقة للتراث في الإمارات، والمركز الوطني للتراث في تونس، ومركز توثيق التراث الحضاري في مصر. وتعمل هذه المؤسسات على إعداد قوائم حصرية بعناصر التراث الوطني، وتنظيم مهرجانات وفعاليات تراثية، وإصدار منشورات ودراسات علمية، وتقديم الدعم المالي والتقني لحاملي التراث. كما تُنظَّم في كثير من الدول العربية مهرجانات تراثية سنوية كبرى مثل مهرجان الجنادرية في السعودية (الذي أصبح جزءًا من مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل)، وأيام قرطاج في تونس، ومهرجان موازين في المغرب، ومهرجان الشارقة للتراث، حيث تُعرض الفنون الشعبية والحِرف التقليدية وتُتاح الفرصة للأجيال الشابة للتعرف على موروثها الثقافي.
وعلى صعيد المناهج التعليمية، هناك وعي متزايد بأهمية إدماج التراث الثقافي في العملية التربوية والتعليمية منذ المراحل الأولى. فقد بدأت بعض الدول العربية في إدراج موضوعات تراثية ضمن مناهج التعليم العام في مواد اللغة العربية والتربية الوطنية والتربية الفنية والموسيقية، مما يسهم في تعريف الطلاب بتراثهم وتنمية شعورهم بالفخر والانتماء. كما تنظم في بعض المدارس ورشات عمل ورحلات ميدانية لزيارة المواقع التراثية ومقابلة الحِرفيين التقليديين، مما يُتيح للطلاب تجربة حيّة ومباشرة مع عناصر التراث. وعلى مستوى التعليم الجامعي، أُنشئت في بعض الجامعات العربية أقسام وبرامج متخصصة في دراسات التراث والفلكلور والأنثروبولوجيا الثقافية، مما يُوفّر كوادر أكاديمية متخصصة قادرة على البحث في مجال التراث وتوثيقه بمنهجية علمية. غير أن هذه الجهود لا تزال محدودة وتحتاج إلى توسيع وتعميق ومأسسة أكبر.
ويمثل التعاون مع اليونسكو والمنظمات الدولية ركيزةً أساسيةً في جهود حماية التراث الثقافي العربي غير المادي. فقد صادقت معظم الدول العربية على اتفاقية 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي، وانخرطت بفاعلية في آلياتها المختلفة. وتشمل هذه الآليات: تسجيل عناصر التراث في القوائم التمثيلية وقائمة الصون العاجل، وتنفيذ مشاريع تمويل مدعومة من صندوق اليونسكو للتراث غير المادي، وتبادل الخبرات والممارسات الجيدة مع دول أخرى. وقد نجحت الدول العربية في تسجيل عشرات العناصر التراثية في قوائم اليونسكو، مما أكسبها اعترافًا دوليًا ووفّر لها حماية معنوية مهمة. كما تقدّم اليونسكو من خلال مكاتبها الإقليمية في العالم العربي برامج تدريبية وورشات عمل لبناء قدرات الكوادر الوطنية في مجال جرد التراث وتوثيقه وإعداد ملفات الترشيح وتنفيذ خطط الصون. ويُعدّ التعاون العربي-العربي في هذا المجال ذا أهمية خاصة، نظرا لوجود عناصر تراثية مشتركة بين عدة دول عربية يمكن تقديمها في ملفات ترشيح مشتركة تعزز أواصر التعاون الثقافي العربي المشترك.
ولا بد من الإشارة إلى الدور المتنامي للتقنيات الرقمية الحديثة في خدمة التراث، من خلال إنشاء منصّات إلكترونية ومكتبات رقمية وتطبيقات تفاعلية تُتيح الوصول إلى المحتوى التراثي وتجعله أكثر جاذبية للأجيال الشابة. كما يُسهم التوثيق المرئي والسمعي (الفيديو والتسجيلات الصوتية) في حفظ الممارسات التراثية بدقّة عالية ونقلها رقميًا إلى الأجيال القادمة. وقد أطلقت بعض المؤسسات العربية مشاريع رقمنة طموحة لأرشيفاتها التراثية، مما يُسهم في إتاحتها لأوسع شريحة ممكنة من المهتمين والباحثين.
المطلب الثالث: التراث كرافد للتنمية المستدامة
لا ينبغي النظر إلى التراث الثقافي العربي غير المادي بوصفه عبئا يحتاج إلى الحماية فحسب، بل يجب استثماره بوصفه موردًا ثمينًا قادرًا على الإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة. فالعلاقة بين التراث والتنمية ليست علاقة تضادّ بل علاقة تكامل وتغذية متبادلة، إذ يُمكن للتنمية أن تُوفّر الموارد اللازمة لصون التراث، ويمكن للتراث أن يكون محرّكًا فعّالًا للنمو الاقتصادي وتحسين سُبل العيش.
يعد الاستثمار في السياحة الثقافية من أكثر المسارات واعديةً لتوظيف التراث الثقافي في خدمة التنمية المستدامة. فالسائح المعاصر لم يعد يبحث فقط عن الشواطئ والفنادق الفاخرة، بل أصبح يبحث عن تجارب ثقافية أصيلة تُتيح له التعرف على ثقافات الشعوب وتقاليدها وأنماط حياتها. والوطن العربي يزخر بعناصر تراثية جاذبة يمكن تحويلها إلى منتجات سياحية مميزة: مهرجانات الفنون الشعبية، وجولات في الأسواق التقليدية والورشات الحِرفية، ودروس في الطهي التقليدي، وعروض الموسيقى والرقص الشعبي، وإقامة في البيوت التراثية والخيم البدوية. وقد بدأت دول عربية عديدة في تطوير هذا النوع من السياحة؛ ففي المغرب مثلًا تُشكّل السياحة الثقافية رافدًا اقتصاديًا مهمًا حيث يزور ملايين السياح سنويًا المدن العتيقة كفاس ومراكش لمشاهدة الحِرف التقليدية والاستمتاع بالمطبخ المغربي الشهير. وفي سلطنة عُمان تنظَم برامج سياحية تُتيح للزوار المشاركة في حياة البدو والتعرف على تقاليدهم. وفي السعودية أصبحت السياحة الثقافية ركيزة أساسية في رؤية 2030، مع مشاريع ضخمة مثل العُلا التي تمزج بين التراث المادي وغير المادي في تجربة سياحية فريدة.
غير أن توظيف التراث سياحيًا يتطلّب الحذر والتوازن، إذ يجب الحرص على ألا يؤدي التسويق السياحي إلى تشويه التراث أو تسليعه أو إفراغه من محتواه الأصيل لإرضاء أذواق السياح. فالسياحة الثقافية المستدامة هي تلك التي تحترم خصوصية المجتمعات المحلية وتُشركها في صنع القرار وتوزيع العوائد، وتُحافظ على أصالة الممارسات التراثية وتُحفّز المجتمعات على مواصلتها وتطويرها.
أما الصناعات التقليدية فتُمثّل موردًا اقتصاديًا كامنًا يمكن تفعيله وتطويره لتوفير فرص عمل ومصادر دخل مستدامة للمجتمعات المحلية، لا سيما في المناطق الريفية والهامشية. فالمنتجات الحِرفية التقليدية العربية كالسجاد والخزف والنسيج والمشغولات الفضية والنحاسية والجلدية تتمتع بطلب متزايد في الأسواق المحلية والدولية، خاصة في ظل التوجّه العالمي المتنامي نحو المنتجات اليدوية الأصيلة والمستدامة بيئيًا. ويمكن تطوير هذا القطاع من خلال عدة آليات، منها: تحسين جودة المنتجات الحِرفية وتصميمها لتتناسب مع أذواق المستهلكين المعاصرين مع الحفاظ على طابعها التقليدي، وإنشاء علامات تجارية وشهادات منشأ تُميّز المنتجات الأصيلة عن التقليدية المُصنَّعة آليًا، وفتح قنوات تسويق جديدة عبر الإنترنت والمعارض الدولية، وتوفير تدريب مهني للحِرفيين الشباب يجمع بين المهارات التقليدية والمعارف الإدارية والتسويقية الحديثة.
كما يمكن توظيف التراث الثقافي في مجال الصناعات الإبداعية المعاصرة كمصدر إلهام لا ينضب. فالموتيفات الزخرفية التقليدية يمكن أن تُلهم مصمّمي الأزياء والمجوهرات والأثاث والديكور الداخلي، والألحان والإيقاعات الشعبية يمكن أن تُثري الموسيقى المعاصرة، والحكايات والأساطير الشعبية يمكن أن تُغذّي صناعة السينما والرسوم المتحركة وألعاب الفيديو. وقد نجحت بعض التجارب العربية في هذا المسار؛ فثمة مصمّمون عرب شباب استطاعوا أن يبتكروا أعمالًا معاصرة مستوحاة من التراث حققت نجاحًا تجاريًا وفنيًا ملفتًا في الأسواق العالمية، مما يُثبت أن التراث ليس عائقًا أمام الحداثة بل يمكن أن يكون رافعة لها.
إن النظر إلى التراث الثقافي العربي غير المادي بعين الاستثمار والتنمية لا يعني بأي حال إخضاعه لمنطق السوق والربح الصرف، بل يعني إيجاد صيغ مبتكرة تُحافظ على قيمته الثقافية والروحية وتُتيح في الوقت ذاته لحامليه ومجتمعاته أن يعيشوا منه بكرامة، مما يُحفّزهم على الاستمرار في ممارسته ونقله إلى الأجيال القادمة. وهذا هو جوهر مفهوم الاستدامة الثقافية الذي ينبغي أن يكون حاضرًا في كل السياسات والبرامج المتعلقة بالتراث.
خاتمة
في ختام هذه الرحلة المعمّقة في عوالم التراث الثقافي العربي غير المادي، يتضح لنا بجلاء أن هذا التراث ليس مجرد ماضٍ نستذكره بحنين، بل هو كيان حيّ يتنفّس في حاضرنا ويُشكّل هويتنا ويغني وجودنا الإنساني. لقد رأينا كيف تتجلّى روح الإنسان العربي ومخيّلته وإبداعه في فنون أدائية وموسيقية بديعة كفن السماح والعيالة والدبكة والمقام العراقي والرقصات الشعبية المتنوعة، وكيف تنبض الذاكرة الجماعية في تقاليد أدبية شفوية عريقة كالسيرة الهلالية وقصص الجدّات ونوادر جحا وحكايات ألف ليلة وليلة، وكيف تتبلور المهارة والذوق الجمالي في حِرف يدوية وفنون خطّية بالغة الرقيّ كصناعة السجاد والفخار وجماليات الخط العربي، وكيف تمتدّ جذور الهوية إلى تفاصيل الحياة اليومية من مطبخ وطبّ شعبي وألعاب أطفال.
لكنّنا رأينا أيضًا كيف يتعرّض هذا التراث الثقافي العربي غير المادي لتهديدات جسيمة تتمثّل في العولمة الثقافية والهجرة والتحضّر وضعف التوثيق والفجوة بين الأجيال. وهذه التهديدات ليست قدرًا محتومًا، بل يمكن مواجهتها بإرادة سياسية حقيقية ورؤية استراتيجية شاملة وجهود مجتمعية واعية ومتضافرة. إن المؤسسات الثقافية والتعليمية والمنظمات الدولية تبذل جهودًا مشكورة في هذا المسار، لكن المطلوب أكبر بكثير مما يُنجَز حاليًا.
إن حماية التراث الثقافي العربي غير المادي ليست مسؤولية الحكومات والمؤسسات وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ من الأسرة التي تنقل التقاليد والقيم إلى أبنائها، ومن المدرسة التي تُعرّف الطلاب بتراثهم وتُنمّي فيهم الفخر بالانتماء إليه، ومن المجتمع المدني الذي يُنظّم الفعاليات والمبادرات التراثية، ومن الإعلام الذي يُبرز جماليات التراث ويُعيد تقديمه بأساليب عصرية جاذبة، ومن القطاع الخاص الذي يستثمر في الصناعات الإبداعية والسياحة الثقافية بمسؤولية واحترام.
والأهم من كل ذلك، أن حماية التراث الثقافي العربي غير المادي لا تعني تجميده وتحنيطه في متاحف زجاجية، بل تعني إعادة إحيائه وتجديده وتمكينه من التطوّر والتفاعل مع الحاضر والمستقبل. فالتراث الحيّ هو ذلك الذي يتكيّف مع التغيرات ويستوعبها دون أن يفقد جوهره وروحه، والتراث الميّت هو ذلك الذي يرفض التطوّر فيتحوّل إلى أثر بائد لا يتحدّث إلى أحد.
إن الأمم التي تفقد تراثها تفقد ذاكرتها وهويتها وبوصلتها في مواجهة تقلّبات الزمن. والأمة العربية، بما تملكه من رصيد تراثي هائل ومتنوع وغني، قادرة على أن تحوّل هذا الرصيد إلى طاقة إبداعية خلاقة تُسهم في تنميتها الاقتصادية والاجتماعية، وتُعزّز مكانتها الثقافية في عالمٍ يزداد وعيًا بقيمة التنوع الثقافي وأهمية الحفاظ عليه. فلنعمل معًا على صون هذا التراث العظيم لأنه ليس ملكًا لجيل واحد، بل هو أمانة نحملها من أجدادنا لنسلمها إلى أبنائنا وأحفادنا، غنية حية نابضةً بالحياة كما تسلمناها.
قائمة المراجع
[قائمة المراجع]- مرجع: مجلة التراث العربي
- مرجع: عبد الحميد يونس , كتاب الحكاية الشعبية
- مرجع: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)
- مرجع: القوائم التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، موقع اليونسكو الإلكتروني
- مرجع: اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي، اليونسكو

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه