تعد مدرسة الحوليات من أكثر التيارات أثرا في الكتابة التاريخية الحديثة، فقد غيرت نظرة المؤرخين إلى الماضي وإلى طبيعة المصادر وإلى نوع الأسئلة التي ينبغي أن يطرحها التاريخ. وفي هذا المقال نقدم قراءة شاملة ومبسطة لنشأتها وأعلامها ومنهجها، مع ربطها بسياق الدراسات التاريخية العربية والجزائرية.
مقدمة
1 - تمهيد حول الكتابة التاريخية التقليدية
ظلت الكتابة التاريخية زمنا طويلا قائمة على سرد الوقائع السياسية والعسكرية، فكان المؤرخ يتتبع الحروب والمعاهدات وتعاقب الملوك والقادة، ويرى في الحدث الوحدة الأساسية للتاريخ. وبناءً على ذلك، بقي الإنسان العادي والفلاح والحرفي والمرأة والتاجر خارج الصورة، كما غابت عن الحسبان عوامل المناخ والسكان والأسعار والمعتقدات الجماعية التي تصنع حياة المجتمعات الفعلية.
2 - أهمية دراسة هذا النوع من المواضيع
وتكمن أهمية الموضوع في أن فهم مدرسة الحوليات يساعد القارئ على إدراك كيف انتقل التاريخ من حكاية الأحداث إلى علم اجتماعي يفسر الظواهر. ومن جهة أخرى، فإن الطالب والباحث العربي يجد في هذا التيار أدوات منهجية تفيده في دراسة تاريخ المجتمعات المحلية، كالأسعار والمجاعات والأوبئة وأنماط العيش والذهنيات، وهي موضوعات لم تنل حقها في كثير من الكتابات التقليدية.
3 - إشكالية المقال
وتتمحور الإشكالية حول السؤال الآتي - كيف نشأت مدرسة الحوليات، ومن أبرز أعلامها، وما المنهج الذي اعتمدته، وكيف أثرت في تدوين التاريخ؟ وتتفرع عن هذا السؤال أسئلة جزئية، منها ما يتعلق بالأزمة التي سبقت ظهورها، وما يتصل بتعاقب أجيالها، وما يخص حدود إسهامها وما وُجّه إليها من نقد.
4 - أهداف المقال ومنهجه
ويهدف المقال إلى تقديم صورة واضحة عن نشأة التيار ومفاهيمه الكبرى وأعلامه، وإلى تقويم أثره في الكتابة التاريخية. وفي هذا السياق اعتمدنا المنهج التاريخي لتتبع التطور الزمني، والمنهج التحليلي لتفكيك المفاهيم، والمنهج المقارن لوضع المدرسة إزاء المدرسة الوضعية وغيرها من الاتجاهات.
5 - عرض خطة المقال
وقد قسمنا المقال إلى أربعة مباحث، يتناول الأول الإطار المفاهيمي والسياق الفكري، ويعالج الثاني النشأة والأجيال، ويعرض الثالث أبرز الأعلام وإسهاماتهم، ويخصص الرابع للمنهج والأثر في تدوين التاريخ، ثم تأتي خاتمة تجمل النتائج والتوصيات.
المبحث الأول - الإطار المفاهيمي والسياق الفكري لمدرسة الحوليات
المطلب الأول - مفهوم مدرسة الحوليات وتسميتها
1 - التعريف بمدرسة الحوليات بوصفها تيارا في الكتابة التاريخية
يُقصد بمدرسة الحوليات (École des Annales) تيار تاريخي فرنسي ظهر في عشرينيات القرن العشرين، دعا إلى تاريخ شامل يهتم بالمجتمع والاقتصاد والذهنيات والجغرافيا، ويستعين بعلوم الإنسان المجاورة. وهي ليست مدرسة بالمعنى الإداري الصارم، بل شبكة من المؤرخين جمعتهم رؤية مشتركة لوظيفة التاريخ وأسئلته.
2 - أصل التسمية من مجلة حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي
وتعود التسمية إلى المجلة التي أسسها مارك بلوك ولوسيان فيفر عام 1929 باسم (Annales d’histoire économique et sociale)، أي حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي. وقد تغير اسم المجلة لاحقا أكثر من مرة، إذ صارت عام 1946 (Annales - Économies, Sociétés, Civilisations)، ثم (Annales - Histoire, Sciences sociales) عام 1994، لكن لفظ الحوليات بقي الرابط الذي منح التيار اسمه.
3 - الفرق بين مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد
وينبغي التمييز بين التيارين، فمدرسة الحوليات أوسع زمنيا وأقدم نشأة، أما التاريخ الجديد (La Nouvelle Histoire) فهو تسمية شاعت في سبعينيات القرن العشرين مع جاك لوغوف وزملائه، وتشير إلى مرحلة متأخرة وسّعت الحقل ليشمل الذهنيات والجسد والخيال. ومن ثم يمكن عد التاريخ الجديد امتدادا لها، وإن اختلفت أولوياته عن اقتصاد بروديل وبنيته.
4 - الفرق بين المدرسة والمجلة والتيار
وفي المقابل، تختلف الدلالات الثلاث، فالمجلة منبر يصدر دوريا ويتغير مجلس تحريره، والمدرسة إطار مؤسسي وعلمي يضم باحثين ومعاهد كالقسم السادس، أما التيار فهو اتجاه فكري أوسع قد يتبناه مؤرخون خارج فرنسا دون انتماء مؤسسي. ويساعد هذا التمييز على تفادي الخلط الشائع بين الحوليات كمجلة والحوليات كمنهج.
5 - موقع المدرسة ضمن المدارس التاريخية الكبرى
ويمكن وضع هذا التيار بين المدرسة الوضعية (الميثودية) التي سبقته، والمدرسة الماركسية التي عاصرته، والتاريخ الاجتماعي البريطاني والمدرسة الكمية الأمريكية. وبالنظر إلى هذه الخريطة، تتميز مدرسة الحوليات بانفتاحها الشديد على العلوم الاجتماعية وباهتمامها بالزمن الطويل، دون أن تلتزم بنظرية كبرى واحدة تفسر التاريخ كله.
المطلب الثاني - الكتابة التاريخية قبل مدرسة الحوليات
1 - التاريخ الحولي والتاريخ السردي القديم
عرفت الثقافات القديمة والوسيطة كتابة الحوليات بمعناها الأصلي، أي تدوين الأحداث سنة بعد سنة بترتيب زمني بسيط، كما في حوليات الرهبان الأوروبيين وتواريخ السنين في التراث الإسلامي. وبذلك ظل التاريخ سردا لوقائع متتابعة، وعلينا ألا نخلط بين هذا المعنى القديم للحولية ودلالة الاسم عند مدرسة الحوليات الحديثة التي تعني تيارا نقديا في المنهج.
2 - المدرسة الوضعية الفرنسية ولانغلوا وسينيوبوس
وفي أواخر القرن التاسع عشر، ظهرت المدرسة الوضعية أو الميثودية مع شارل فيكتور لانغلوا وشارل سينيوبوس، اللذين نشرا كتاب مدخل إلى الدراسات التاريخية عام 1898. وقد أرسى هذا الكتاب قواعد نقد الوثائق وتحقيقها، وبدا نموذجا للصرامة العلمية، غير أنه حصر التاريخ في ما تقوله الوثيقة المكتوبة، فنشأ عن ذلك تاريخ ضيق الأفق.
3 - هيمنة التاريخ السياسي والدبلوماسي والعسكري
وبناءً على هذا التصور، هيمن التاريخ السياسي والدبلوماسي والعسكري على الجامعات الفرنسية وعلى مجلات مثل (Revue historique) التي أسسها غابرييل مونو عام 1876. وكان الاهتمام منصبا على الدول والمعاهدات والمعارك والأسر الحاكمة، بينما بقيت الأسعار والمحاصيل والعائلة والمعتقدات الشعبية في هامش البحث.
4 - تقديس الوثيقة الرسمية وحدودها
كذلك فإن الوثيقة الرسمية، من مراسلات ومعاهدات ومحاضر، صارت عند الوضعيين مصدرا شبه مقدس، حتى شاعت عبارة تقول إنه لا تاريخ بلا وثائق. ومن الجدير بالذكر أن هذه الوثائق تعكس غالبا وجهة نظر السلطة، وتسكت عن حياة العامة والمجتمعات التي لم تترك أرشيفا مكتوبا، وهو ما سيبرز لاحقا كأحد أهم مآخذ النقد.
5 - مظاهر الأزمة في الكتابة التاريخية مطلع القرن العشرين
وفي مطلع القرن العشرين، تجلت الأزمة في عجز التاريخ التقليدي عن مجاراة العلوم الاجتماعية الناشئة. فقد وجّه فرانسوا سيميان عام 1903 نقدا حادا للمؤرخين، متهما إياهم بالتعلق بأصنام ثلاثة هي صنم السياسة وصنم الفرد وصنم التسلسل الزمني. ومما عزز هذا النقد مجلة (Revue de synthèse historique) التي أسسها هنري بير داعيا إلى التركيب بين العلوم.
| وجه المقارنة | المدرسة الوضعية | مدرسة الحوليات |
|---|---|---|
| موضوع التاريخ | السياسة والدبلوماسية والحروب | المجتمع والاقتصاد والذهنيات والجغرافيا |
| وحدة التحليل | الحدث والشخصية | البنية والمدى الطويل |
| المصدر | الوثيقة الرسمية المكتوبة | كل أثر إنساني من أرقام وآثار ولغة وصور |
| العلاقة بالعلوم الأخرى | استقلال شبه تام | انفتاح وتعاون مستمر |
| طبيعة المعرفة | سرد موضوعي للوقائع | تاريخ مشكل يبدأ بالأسئلة |
المطلب الثالث - العوامل الفكرية والتاريخية لنشأة المدرسة
1 - أثر علم الاجتماع عند دوركايم
كان لإميل دوركايم وتلاميذه، ومجلتهم (L’Année sociologique) التي صدرت منذ 1898، أثر عميق في روح مدرسة الحوليات. فقد قدم دوركايم تصورا يرى الظواهر الاجتماعية حقائق جماعية قابلة للدراسة العلمية، وهو ما استلهمه بلوك وفيفر حين انتقلا من الفرد إلى المجتمع ومن الحدث إلى البنية.
2 - أثر الجغرافيا البشرية عند فيدال دو لابلاش
ومن جهة أخرى، مثّلت الجغرافيا البشرية عند بول فيدال دو لابلاش، صاحب كتاب لوحة جغرافية لفرنسا (1903)، نموذجا لدراسة العلاقة بين الإنسان ومحيطه. وقد تأثر فيفر بهذا الاتجاه حين ألف كتابه عن الأرض والتطور البشري، كما سيظهر أثره بجلاء في اهتمام بروديل لاحقا بالبحر المتوسط بوصفه فضاء جغرافيا وتاريخيا في آن واحد.
3 - أثر المنهج الاقتصادي والتأثر بالفكر الماركسي
وعلاوة على ذلك، أسهم الفكر الاقتصادي في تشكيل التيار، ولا سيما أعمال سيميان وإرنست لابروس في دراسة الأسعار والدخول. وأما الفكر الماركسي فقد ترك بصمته في الاهتمام بالبنى الاقتصادية والصراع الاجتماعي، وإن لم تتبنَّ الحوليات الحتمية الماركسية، بل احتفظت باستقلالها وبانفتاحها على تفسيرات متعددة.
4 - تأثير الحرب العالمية الأولى والأزمات الاجتماعية
وفي هذا السياق، كان للحرب العالمية الأولى دور حاسم، إذ شارك بلوك وفيفر فيها، وأدركا هشاشة التاريخ الذي يمجد الدول والمعارك. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 فعززت الاقتناع بأن التحولات الكبرى تصنعها قوى اقتصادية واجتماعية عميقة، لا قرارات النخب وحدها، وبأن المؤرخ مطالب بفهم الحاضر عبر الماضي.
5 - أثر علم النفس والأنثروبولوجيا واللسانيات
وبالإضافة إلى ذلك، استفاد التيار من علم النفس الجماعي عند هنري والون وإنياس ميرسون، ومن أعمال لوسيان ليفي بروهل حول العقلية البدائية (1922)، وهي أعمال مهدت لمفهوم الذهنيات. وفي مراحل لاحقة، أثّرت الأنثروبولوجيا البنيوية عند كلود ليفي شتراوس واللسانيات بعد دو سوسير في طرائق قراءة الرموز والخطاب.
المبحث الثاني - نشأة مدرسة الحوليات وأجيالها
المطلب الأول - التأسيس مع لوسيان فيفر ومارك بلوك
1 - اللقاء في جامعة ستراسبورغ
بعد الحرب العالمية الأولى، استعادت فرنسا إقليم الألزاس، فأُسندت إلى لوسيان فيفر ومارك بلوك مناصب في جامعة ستراسبورغ التي أرادتها الدولة مركزا علميا مرموقا. وفي هذه البيئة المتعددة التخصصات، جمع بينهما نقاش دائم مع علماء الجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، فتبلورت فكرة مشروع مشترك يجدد الكتابة التاريخية.
2 - تأسيس مجلة الحوليات عام 1929
وتمخض هذا التعاون عن صدور العدد الأول من المجلة في مطلع عام 1929 في ستراسبورغ، بمشاركة عدد من الباحثين من تخصصات مختلفة. وكان اختيار الاقتصادي والاجتماعي في العنوان إعلانا صريحا عن الوجهة الجديدة، كما أن الانتقال لاحقا إلى باريس، حيث شغل فيفر كرسيا في الكوليج دو فرانس وبلوك كرسيا في السوربون، منح المجلة نفوذا أوسع.
3 - أهداف المجلة وبيانها المنهجي
ومما يلفت النظر أن المجلة لم تكتفِ بنشر المقالات، بل أرادت أن تكون ورشة منهجية، فدعت إلى كسر الحواجز بين التاريخ وبقية العلوم، وإلى الاهتمام بالحاضر وبالمجتمعات غير الأوروبية، وإلى مراجعات نقدية للكتب. وبناءً عليه صارت مدرسة الحوليات مشروعا جماعيا يتجاوز مؤسسيها، يقوم على الحوار بين المتخصصين.
4 - أعمال بلوك المجتمع الإقطاعي والملوك صانعو المعجزات
وفي أعمال بلوك، نجد كتاب الملوك صانعو المعجزات (Les Rois thaumaturges) الصادر عام 1924، وهو دراسة في الاعتقاد الشعبي بقدرة ملوك فرنسا وإنجلترا على شفاء المرضى باللمس. وأما كتاب المجتمع الإقطاعي (La Société féodale) في جزأين، فقد درس الإقطاع بوصفه نظاما اجتماعيا ونفسيا شاملا، لا مجرد تنظيم قانوني أو عسكري.
5 - أعمال فيفر مشكلة الكفر في القرن السادس عشر ومارتن لوثر
وفي المقابل، ألف فيفر كتاب مارتن لوثر - مصير (1928)، ثم كتابه الشهير مشكلة الكفر في القرن السادس عشر - دين رابليه (1942). وقد جادل فيه بأن الكفر الصريح كان متعذرا في تلك الحقبة لغياب الأدوات الذهنية اللازمة لصياغته، وهي أطروحة رسّخت منهج التاريخ الذي يعيد بناء عالم التفكير لدى أهل الزمن المدروس.
المطلب الثاني - الجيل الثاني مع فرناند بروديل وما بعده
1 - انتقال القيادة إلى بروديل بعد الحرب العالمية الثانية
تعرض مؤسسا المدرسة لمحنة الحرب العالمية الثانية، فقتلته القوات الألمانية بلوك عام 1944 بسبب نشاطه في المقاومة، وتوفي فيفر عام 1956. وبعد ذلك، آلت قيادة المجلة والمدرسة إلى فرناند بروديل، الذي كان قد بدأ نجمه بالصعود في أواخر الأربعينيات، فبدأت مرحلة الجيل الثاني بوصفها ذروة المدرسة الفرنسية.
2 - تأسيس القسم السادس بمدرسة الدراسات العليا
وفي سنة 1947، أُنشئ القسم السادس (VIe section) في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، وخُصص للعلوم الاقتصادية والاجتماعية، وتولى فيفر رئاسته ثم خلفه بروديل. وقد منح هذا القسم المدرسة قاعدة مؤسسية صلبة، وفتح أمام الباحثين موارد ومنشورات وبرامج تدريب، كما ساهم بروديل في تأسيس دار علوم الإنسان عام 1963.
3 - مؤلف المتوسط وعالم البحر المتوسط في عهد فيليب الثاني
وأما العمل المؤسس لهذه المرحلة فهو كتاب المتوسط وعالم البحر المتوسط في عهد فيليب الثاني (La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II)، الذي نُشر عام 1949 بعد أن بدأ بروديل كتابته أثناء أسره في ألمانيا. ويتوزع الكتاب على ثلاثة أقسام تعكس تعدد الأزمنة، وقد أحدث انقلابا في فهم التاريخ الإقليمي.
4 - أعمال إرنست لابروس وبيير شونو وبيير فيلار
وإلى جانب بروديل، برز إرنست لابروس بأعماله الرائدة في تاريخ الأسعار والأزمات الاقتصادية، وبيير شونو بدراسته الضخمة عن إشبيلية والمحيط الأطلسي، وبيير فيلار بكتابه عن كاتالونيا في إسبانيا الحديثة. ويشترك هؤلاء في اعتماد الإحصاء والسلاسل الطويلة، فصار التاريخ الكمي عنوانا لجانب مهم من مدرسة الحوليات في تلك الفترة.
5 - تحول المدرسة إلى مؤسسة علمية مهيمنة في فرنسا
ومع مرور الوقت، أصبحت المدرسة مؤسسة علمية مهيمنة في فرنسا، تتحكم في المنشورات والمناصب والتمويل وتؤثر في توجهات البحث. وفي ضوء ذلك، يرى بعض الدارسين أن التحول من حركة متمردة إلى سلطة أكاديمية أضعف روحها النقدية الأولى، وهو ما سيجعل أجيالها اللاحقة تعيد مساءلة نفسها.
المطلب الثالث - الجيل الثالث والتاريخ الجديد
1 - ظهور التاريخ الجديد في السبعينيات
في سبعينيات القرن العشرين، ظهر الجيل الثالث مع تراجع هيمنة الاقتصاد الكمي، وانتقل الاهتمام إلى أبعاد ثقافية ونفسية كانت مهملة. وهكذا بدأ يتشكل ما سُمي بالتاريخ الجديد، وهو توسيع لمدرسة الحوليات أكثر مما هو قطيعة معها، إذ حافظ على الانفتاح على العلوم الإنسانية وعلى فكرة التاريخ المشكل.
2 - جاك لوغوف وبيير نورا ومؤلف كتابة التاريخ الجديد
وقد نشر جاك لوغوف وبيير نورا عام 1974 مؤلفا جماعيا بعنوان صناعة التاريخ (Faire de l’histoire) بثلاثة أجزاء، ثم صدر عام 1978 كتاب التاريخ الجديد (La Nouvelle Histoire) بإشراف لوغوف وروجيه شارتييه وجاك روفيل. وتحدد هذه الأعمال المفاهيم والموضوعات الجديدة، كالجسد والأسطورة والذاكرة واللغة والخيال.
3 - أعمال إيمانويل لوروا لادوري ومونتايو
كذلك فإن إيمانويل لوروا لادوري قدم كتاب فلاحو لانغدوك (1966) بوصفه نموذجا للتاريخ الكمي والجغرافي، ثم نشر مونتايو - قرية أوكسيتانية (Montaillou) عام 1975، وهو تحليل لحياة قرية في جنوب فرنسا خلال القرن الرابع عشر اعتمادا على سجلات محاكم التفتيش. وبذلك جمع بين البنية والتفاصيل اليومية بأسلوب شدّ القراء خارج الأوساط الأكاديمية.
4 - تحول الاهتمام من الاقتصاد إلى الثقافة والذهنيات
ومن أبرز سمات هذا الجيل الانتقال من الاقتصاد والبنى المادية إلى الذهنيات (Mentalités) والتمثلات والمعتقدات والحياة اليومية. وفي هذا الإطار درس المؤرخون الموت والعائلة والطفولة والخوف والمقدس، كما اتسعت قاعدة المصادر لتشمل الأدب والصور والطقوس، مع بقاء التزام بالمنهج النقدي في القراءة.
5 - الجيل الرابع والتوجه النقدي والعودة إلى السياسي
وفي أواخر الثمانينيات، أعلنت المجلة نفسها في افتتاحيتين عامي 1988 و1989 ما سُمي بالمنعطف النقدي (tournant critique)، داعية إلى مراجعة المفاهيم والروابط بالعلوم الاجتماعية. وتبعا لذلك عاد الاهتمام بالسياسي والفعل الفردي والتاريخ المصغر (Microstoria)، مع أسماء مثل جاك روفيل وبرنار لوبوتي، فبدت مدرسة الحوليات أكثر تعددية وأقل التزاما بنموذج واحد.
| الجيل | الفترة التقريبية | أبرز الأعلام | محور الاهتمام |
|---|---|---|---|
| الأول | 1929 - 1945 | مارك بلوك ولوسيان فيفر | التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والنقد المنهجي |
| الثاني | 1946 - 1968 | فرناند بروديل ولابروس وشونو | المدى الطويل والجغرافيا والتاريخ الكمي |
| الثالث | 1969 - 1989 | لوغوف ونورا ودوبي ولوروا لادوري | الذهنيات والثقافة والذاكرة |
| الرابع | منذ 1989 | روفيل وشارتييه ولوبوتي | مراجعة نقدية وعودة السياسي والفاعل |
المبحث الثالث - أعلام مدرسة الحوليات وإسهاماتهم
المطلب الأول - مارك بلوك ولوسيان فيفر
1 - نشأة مارك بلوك ومساره العلمي واستشهاده في المقاومة
وُلد مارك بلوك (Marc Bloch) في ليون عام 1886 في أسرة يهودية فرنسية، ودرس في مدرسة المعلمين العليا بباريس، ثم درّس في ستراسبورغ فالسوربون. وبعد هزيمة فرنسا عام 1940 انضم إلى المقاومة، واعتقلته الجستابو وأُعدم رميا بالرصاص في يونيو 1944. وقد بقي رمزا للمؤرخ الذي جمع بين الدقة العلمية والالتزام الأخلاقي.
2 - منهج بلوك المقارن والتاريخ الرجعي
ويتميز منهج بلوك بالدعوة إلى التاريخ المقارن بين المجتمعات الأوروبية، كما في دراسته عن الخصائص الأصلية للتاريخ الريفي الفرنسي (1931). وإضافة إلى ذلك، دافع عن المنهج الرجعي (méthode régressive) الذي ينطلق من الحاضر المعروف لفهم الماضي الغامض، وبيّن في كتابه دفاعا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ أن التاريخ علم الناس في الزمن.
3 - نشأة لوسيان فيفر ومساره العلمي
أما لوسيان فيفر (Lucien Febvre) فقد وُلد في نانسي عام 1878، وتخرج من مدرسة المعلمين العليا، وكانت أطروحته عن فيليب الثاني وفرانش كونتي (1911) أول إسهاماته الكبرى. وبعد ستراسبورغ شغل كرسيا في الكوليج دو فرانس، وأشرف على القسم السادس حتى وفاته عام 1956، فكان القائد الفكري والتنظيمي للمشروع.
4 - دعوة فيفر إلى التاريخ المشكل والتاريخ المنظور إلى الإنسان
وقد دعا فيفر إلى التاريخ المشكل (histoire-problème)، أي أن يبدأ المؤرخ بسؤال واضح ثم يبحث عن مصادره، بدل أن ينتظر أن تتكلم الوثائق من تلقاء نفسها. وفي كتابه معارك من أجل التاريخ (1953) جمع مقالاته التي تؤكد أن التاريخ علم الإنسان، وأن على المؤرخ أن يعيد بناء الحياة كلها، بما فيها العاطفة والمعتقد.
5 - مفهوم الأدوات الذهنية عند فيفر
ومن أهم المفاهيم التي صاغها فيفر مفهوم الأدوات الذهنية (outillage mental)، ويقصد به مجموع اللغة والمفاهيم والتصورات التي يتاح لإنسان عصر ما أن يفكر بها. وبناءً عليه، لا يجوز أن نحاكم أهل القرن السادس عشر بمعايير زماننا، وهو درس منهجي ما زال حاضرا في كل قراءة تاريخية متأنية.
المطلب الثاني - فرناند بروديل ومفهوم الأزمنة التاريخية
1 - نشأة بروديل ومساره العلمي
وُلد فرناند بروديل (Fernand Braudel) عام 1902 في شرق فرنسا، وعمل أستاذا في الجزائر لسنوات في العشرينيات والثلاثينيات، ثم في جامعة ساو باولو بالبرازيل. وقد وفّرت له إقامته في الجزائر معرفة مباشرة بضفة المتوسط الجنوبية. وبعد أسره في الحرب أكمل كتابه الأكبر، ثم خلف فيفر على رأس الحوليات عام 1956، وتوفي عام 1985.
2 - مفهوم المدى الطويل والتاريخ شبه الثابت
وفي مقاله الشهير التاريخ والعلوم الاجتماعية - المدى الطويل (1958)، عرّف بروديل المدى الطويل (longue durée) بوصفه الزمن الذي تتحرك فيه البنى ببطء شديد. ويتعلق هذا التاريخ شبه الثابت بالعلاقات بين الإنسان والمحيط، كالمناخ والتضاريس والطرق، وعليه يرى المؤرخ أن كثيرا مما يبدو متغيرا يخفي استمرارية عميقة.
3 - الزمن الجغرافي والزمن الاجتماعي والزمن الحدثي
ويقسم بروديل الزمن التاريخي إلى ثلاثة مستويات متداخلة، أبطؤها الزمن الجغرافي، يليه الزمن الاجتماعي الذي تتحرك فيه الاقتصادات والدول والحضارات بإيقاع متوسط، ثم الزمن الحدثي (événementiel) الذي يشبه زبد الأمواج. وبهذا التصور يتعلم الباحث ألا يضحي بالحدث، لكن أن يضعه في سياق أوسع منه.
| نوع الزمن | إيقاعه | موضوعاته | مثال توضيحي |
|---|---|---|---|
| الزمن الجغرافي | بطيء جدا يكاد يكون ثابتا | المناخ والتضاريس والبحر والطرق | دور البحر المتوسط في ربط الضفتين |
| الزمن الاجتماعي | بطيء إلى متوسط | الاقتصادات والدول والحضارات والسكان | دورات الأسعار وصعود التجارة الأطلسية |
| الزمن الحدثي | سريع ومتقطع | الحروب والمعاهدات والأفراد | معركة بحرية أو قرار سياسي |
4 - الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية
كذلك فإن بروديل خصص عمله الكبير الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر (1979) لدراسة الحياة اليومية والأسواق والرأسمالية في ثلاثة مجلدات. وقد ميّز فيه بين الحياة المادية القائمة على العادات، واقتصاد السوق، والرأسمالية بوصفها قمة الهرم، في صورة جعلت التاريخ الاقتصادي قريبا من الناس.
5 - أثر بروديل في الجغرافيا التاريخية والتاريخ العالمي
ومما يعزز مكانة بروديل أن أثره تجاوز فرنسا، فقد ألهم الجغرافيا التاريخية ومقاربات الاقتصاد العالمي، ومنها أعمال إيمانويل والرشتاين حول النظام العالمي. وبذلك أصبحت مدرسة الحوليات في نظر كثيرين مرادفة لاسم بروديل، وإن كانت أوسع منه، وفتحت الباب أمام دراسة الحضارات وتبادلاتها عبر الزمن.
المطلب الثالث - أعلام الجيل الثالث والرابع
1 - جاك لوغوف والتاريخ الجديد وتاريخ العصور الوسطى
يعد جاك لوغوف (Jacques Le Goff) أبرز وجوه الجيل الثالث، وقد اشتهر بدراساته عن العصور الوسطى الأوروبية، ومنها حضارة الغرب الوسيط وولادة المطهر (1981) وكتابه عن القديس لويس. ودافع عن مفهوم العصور الوسطى الطويلة، وعن أنثروبولوجيا تاريخية ترى في الأسطورة والزمن والمال والجسد مفاتيح لفهم المجتمع.
2 - بيير نورا ومفهوم أماكن الذاكرة
أما بيير نورا (Pierre Nora) فقد أشرف على المشروع الضخم أماكن الذاكرة (Les Lieux de mémoire) الصادر بين عامي 1984 و1992 في عدة مجلدات. ويدرس هذا المشروع الرموز والأماكن والاحتفالات التي تتجسد فيها الذاكرة الوطنية، فاتحا بذلك حقلا جديدا هو تاريخ الذاكرة، ومميزا بين الذاكرة الحية والتاريخ بوصفه معرفة نقدية.
3 - جورج دوبي وتاريخ الذهنيات
وفي هذا الإطار، يبرز جورج دوبي (Georges Duby) الذي جمع بين تاريخ الريف الوسيط والدراسة الرمزية للمجتمع، وأشهر أعماله يوم بوفين (1973) وكتاب الطبقات الثلاث أو خيال الإقطاع (1978). وقد رأى أن المجتمع لا يقوم على الاقتصاد وحده، بل على تمثلات يصنعها أهله عن أنفسهم، فكان من رواد تاريخ الذهنيات.
4 - ميشيل فوفيل وإيمانويل لوروا لادوري
وإلى جانبهم، قدم ميشيل فوفيل (Michel Vovelle) دراسات رائدة في تاريخ المواقف من الموت والتدين الشعبي، منها الموت والغرب (1983)، معتمدا على الوصايا والأرقام وطرائق الدفن. وفي المقابل واصل لوروا لادوري إنتاجه في تاريخ المناخ والفلاحين والتاريخ الاجتماعي، فاستحق أن يُعد جسرا بين الاقتصاد الكمي والثقافة.
5 - روجيه شارتييه وتاريخ الكتاب والقراءة
وأخيرا، ارتبط اسم روجيه شارتييه (Roger Chartier) بتاريخ الكتاب والنشر والقراءة، وهو يدرس كيف تتحول النصوص باختلاف أشكالها وقرائها. وقد طرح مفهوم التمثل (représentation) والممارسة، ومن ثم أسهم في تجديد التاريخ الثقافي ضمن مدرسة الحوليات، وفي ربطه بنقد الأدب والمعرفة والمكتبات.
المبحث الرابع - منهج مدرسة الحوليات وأثرها في تدوين التاريخ
المطلب الأول - الأسس المنهجية للمدرسة
1 - التاريخ الشامل أو الكلي
يقوم منهج مدرسة الحوليات على فكرة التاريخ الشامل (histoire totale)، أي النظر إلى المجتمع بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في ترابطها. ولا يعني ذلك الإحاطة بكل شيء، بل ألا يعزل المؤرخ جانبا من الحياة عن بقية الجوانب التي تتفاعل معه وتفسره.
2 - التاريخ المشكل وطرح الأسئلة بدل سرد الأحداث
ومن جهة أخرى، يضع هذا المنهج السؤال في صدارة البحث، فالمؤرخ لا يسرد ما وقع، بل يبدأ بإشكالية تحدد ما يستحق أن يدرس. وفي هذا السياق يتحول التاريخ من حكاية إلى استقصاء، تتشكل فيه الفرضيات وتختبر على المصادر، وبذلك يصبح الاستنتاج حصيلة تحليل لا مجرد ترتيب للأخبار.
3 - الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية والتعاون بين التخصصات
ومما يميز التيار انفتاحه على علم الاجتماع والجغرافيا والاقتصاد وعلم النفس والأنثروبولوجيا واللسانيات، وعلى مفاهيمها وأدواتها. ولا يقتصر ذلك على الاستعارة، بل يشمل مشاريع بحث مشتركة ومؤسسات متعددة التخصصات، وهو ما يجعل التعاون بين التخصصات (interdisciplinarité) سمة لازمة للمنهج الحولي.
4 - توسيع مفهوم الوثيقة والمصدر
وعلاوة على ما سبق، وسّعت المدرسة مفهوم الوثيقة ليشمل سجلات الضرائب وعقود الزواج وسجلات المواليد والوفيات والأسعار والخرائط والآثار المادية واللغة والصور. وقد أكد بلوك أن المؤرخ يستطيع أن يستنطق ما لم يُكتب ليكون تاريخا، وهكذا صار بوسعه دراسة فئات صامتة لم تترك شهادات مكتوبة عن نفسها.
5 - تاريخ البنى والمدى الطويل بدل تاريخ الأحداث
وأخيرا، تفضل الحوليات تاريخ البنى والمدى الطويل على الاهتمام الحصري بالحدث، فالبنية هي مجموعة العلاقات الثابتة نسبيا التي تحكم مجتمعا ما عبر قرون. ومع ذلك، لا يلغي هذا الاهتمام دور الحدث، بل يعيد وضعه ضمن إيقاعات أبطأ تفسره وتمنحه معناه، كما رأينا عند بروديل.
المطلب الثاني - موضوعات التدوين وأدواته
1 - التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والديموغرافي
أولا، أعطت مدرسة الحوليات للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي مكانة مركزية، فدرست الأسعار والأجور والتجارة والطبقات الاجتماعية. وإلى جانب ذلك ازدهر التاريخ الديموغرافي (démographie historique) الذي يعتمد على سجلات الأبرشيات والإحصاءات لمعرفة الزواج والولادة والوفاة والهجرة، فكشف عن أنماط سكانية لم تكن معروفة.
2 - تاريخ الذهنيات والمخيال والحياة اليومية
ثانيا، اهتم التيار بتاريخ الذهنيات والمخيال (imaginaire) والحياة اليومية، أي كيف كان الناس يشعرون ويخافون ويعتقدون ويأكلون ويلبسون. وبهذا الأسلوب حوّل ما كان يُعد تافها إلى موضوع علمي، فصارت الأحلام والخرافات والطقوس مدخلا إلى فهم حضارة كاملة، وهو ما ظهر في أعمال دوبي ولوغوف.
3 - التاريخ الكمي والإحصائي والسلاسل الطويلة
ثالثا، ومع تطور الأدوات، ظهر التاريخ الكمي (histoire quantitative) الذي يعتمد على السلاسل الإحصائية الطويلة، مثل أسعار القمح أو أعداد السفن أو الوفيات. ويتيح ذلك الكشف عن دورات وأزمات يصعب رؤيتها من خلال الحكايات المفردة، لكنه يتطلب مصادر منتظمة، وهو ما قد لا يتوافر في كل البيئات التاريخية.
4 - الجغرافيا التاريخية والتاريخ المقارن
وفي الإطار نفسه، تقوم الجغرافيا التاريخية على دراسة تفاعل الإنسان مع مجاله عبر الزمن، كما فعل بروديل في المتوسط. وأما التاريخ المقارن فقد أسسه بلوك بدراسة مجتمعات متعددة لاكتشاف أوجه الشبه والاختلاف، وهو منهج مفيد للباحث العربي الذي يريد أن يقارن بين مناطق المغرب العربي أو بين ضفتي المتوسط.
5 - تاريخ الذاكرة والتاريخ الثقافي
وأخيرا، أضاف الجيل الثالث والرابع تاريخ الذاكرة والتاريخ الثقافي، فدرسا كيف تتشكل الذكريات الجماعية وكيف تتحول الرموز والاحتفالات إلى هوية. وقد أفاد هذا الحقل الباحثين في الدول التي مرت بتجارب استعمارية أو صراعات، لأنه يساعدهم على قراءة علاقة المجتمع بماضيه دون الوقوع في التمجيد أو النسيان.
- الاقتصاد والسكان - الأسعار والأجور والتجارة والمواليد والوفيات.
- الذهنيات - المعتقدات والخوف والموت والمقدس والعادات اليومية.
- المكان - الجغرافيا التاريخية ودراسة المجالات الكبرى كالمتوسط.
- الذاكرة - الرموز والأماكن والاحتفالات والهوية الجماعية.
المطلب الثالث - تقويم المدرسة وأثرها العالمي والعربي
1 - إسهامها في تجديد الكتابة التاريخية وتوسيع حقلها
لا شك أن مدرسة الحوليات أسهمت في تجديد الكتابة التاريخية، فوسعت الموضوعات والمصادر والأسئلة، وربطت التاريخ بالعلوم الاجتماعية، وأدخلت فئات كانت مهمشة إلى الحقل التاريخي. كما أن مفاهيمها، كالمدى الطويل والذهنيات، أصبحت جزءا من لغة المؤرخين في العالم، حتى بين من لا يعدون أنفسهم من أتباعها.
2 - النقد الموجه إليها بسبب إهمال السياسي والفرد وحدث التاريخ
وفي المقابل، وُجهت إلى التيار انتقادات، منها أنه أهمل السياسة والدولة والفرد والحدث، وأن بروديل جعل الحدث أقل قيمة مما يستحق. ويرى المنتقدون أن بعض القرارات والشخصيات تركت أثرا حاسما لا تفسره البنى وحدها، وهو ما دفع الجيل الرابع إلى العودة نحو السياسي والفاعل الفردي.
3 - نقد التفتت الموضوعي وتشظي التاريخ الجديد
كذلك فإن الاتساع الكبير في الموضوعات أدى، بحسب بعض النقاد، إلى تفتت التاريخ إلى حقول متباعدة يصعب جمعها في تركيب عام، وهو ما سماه فرانسوا دوس التاريخ المفتت (L’histoire en miettes). ويعني ذلك أن مشروع التاريخ الشامل الذي حلم به المؤسسون تراجع أمام تعدد الاهتمامات الجزئية.
4 - تأثيرها في المؤرخين العرب والمغاربة
ومن جهة أخرى، ظهر أثر الحوليات في أعمال عدد من الباحثين العرب والمغاربة الذين تلقوا تكوينهم في الجامعات الفرنسية أو اطلعوا على ترجماتها. فقد دعا مؤرخون ومفكرون، مثل عبد الله العروي ومحمد أركون، إلى تجديد النظر في مناهج التاريخ والأنثروبولوجيا التاريخية، كما قارن باحثون بين تصور بروديل للأزمنة وتحليل ابن خلدون للعمران في المقدمة.
5 - حضورها في الدراسات التاريخية الجزائرية وتحديات التوظيف
ويتجلى حضور هذا التيار في الدراسات الجزائرية من خلال الاهتمام بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي للعهد العثماني والفترة الاستعمارية، وبقضايا الريف والأسعار والمجاعات والأوقاف. غير أن التوظيف يواجه تحديات أبرزها قلة الأرشيف المنتظم، وتشتت المصادر بين الجزائر وفرنسا وتركيا، وصعوبة نقل مفاهيم نشأت في سياق أوروبي إلى مجتمعات مختلفة دون تكييف.
- الاستفادة من الأرشيف الشفوي والمحلي لسد النقص في المصادر المكتوبة.
- تكييف المفاهيم المنهجية مع خصوصية المجتمع المدروس.
- الجمع بين المصادر المحلية والأجنبية ومقارنتها نقديا.
- التعاون بين المؤرخين وعلماء الاجتماع والجغرافيين.
الخاتمة
تناولنا في هذا المقال مدرسة الحوليات من حيث مفهومها وسياقها الفكري، ثم نشأتها وأجيالها، وبعدها أعلامها وإسهاماتهم، وأخيرا منهجها وأثرها في الكتابة التاريخية. وقد تبين أن التيار نشأ ردا على أزمة التاريخ التقليدي، وأنه مر بمراحل متعاقبة، من بلوك وفيفر إلى بروديل ثم لوغوف ونورا وشارتييه، متغيرا في اهتماماته ومحتفظا بروحه النقدية.
وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مدرسة الحوليات أحدثت تحولا في تدوين التاريخ من تاريخ الأحداث إلى تاريخ الإنسان والمجتمع والبنى، فصار المؤرخ يسأل عن الأسعار والذهنيات والمجال بقدر ما يسأل عن الملوك والحروب. وبهذا المعنى لم تكن مجرد مجلة أو فريق، بل كانت ثورة هادئة في طريقة التفكير في الماضي.
وفي ضوء ذلك، يمكن تلخيص أهم النتائج في أن الأجيال المتعاقبة غيّرت أولوياتها من الاقتصاد إلى الثقافة دون أن تتخلى عن الانفتاح على العلوم الاجتماعية، وأن مفاهيم المدى الطويل والذهنيات والتاريخ الشامل ما زالت أدوات تحليلية خصبة، وأن النقد الموجه إليها، من إهمال السياسي إلى تشظي الموضوعات، أسهم في تطويرها بدل أن يلغيها.
ومما نوصي به تعميق دراسة المنهج الحولي في الجامعات العربية، وتشجيع ترجمة أعمال أعلامه، وتوظيفه في الكتابة التاريخية المحلية بعد تكييفه مع المصادر والسياقات الوطنية. أما آفاق البحث المستقبلية في مدرسة الحوليات فتشمل علاقتها بالتاريخ الرقمي وقواعد البيانات الضخمة، وبالتاريخ العالمي والتاريخ المتشابك، مما يفتح أمام الباحثين العرب فرصة للمساهمة في هذا الحوار العلمي المتجدد.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه