مقدمة
منذ أن وعى الإنسان وجوده على هذه الأرض وهو يتساءل عن نفسه وعن أصله وعن الجماعات التي يعيش بينها، وتشير النقوش القديمة والأساطير الأولى إلى أن السؤال عن الإنسان سابق بقرون طويلة على ظهور المناهج العلمية الحديثة، ومن هنا فإن نشأة علم الأنثروبولوجيا ليست حدثا مفاجئا وقع في لحظة واحدة، بل هي ثمرة مسار طويل من الملاحظة والتأمل والمقارنة.
1 - تمهيد حول اهتمام الإنسان بدراسة ذاته وثقافته ومجتمعه عبر العصور
اهتم الإنسان منذ القدم بوصف عاداته ومعتقداته وطرق عيشه، فدوّن المصري القديم تصوره لخلق البشر، وسجل البابلي أساطيره عن أصل الجنس البشري، ثم جاء الفلاسفة والمؤرخون ليقارنوا بين الأمم. وفي هذا السياق ظل السؤال عن الإنسان حاضرا في الدين والفلسفة والأدب، وبقي ينتظر منهجا علميا يجمع شتاته ويحوله إلى معرفة منظمة.
2 - أهمية الكلمة المفتاحية نشأة علم الأنثروبولوجيا في فهم تطور العلوم الإنسانية
وبناءً على ما تقدم، فإن دراسة نشأة علم الأنثروبولوجيا تكشف كيف انفصلت العلوم الإنسانية تدريجيا عن الفلسفة والتاريخ والجغرافيا، وكيف تشكلت مناهج جديدة تقوم على الميدان والمقارنة. كما تساعدنا هذه الدراسة على فهم العلاقة بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس واللسانيات، وعلى إدراك أن كل علم يحمل في طياته تاريخا من الأسئلة والخلافات.
3 - إشكالية المقال - كيف نشأ علم الأنثروبولوجيا وما المراحل التي مر بها حتى أصبح علما مستقلا
تدور إشكالية هذا المقال حول سؤال محوري - كيف تحولت المعارف المتناثرة عن الشعوب إلى علم مستقل له موضوعه ومنهجه ومؤسساته، وما الظروف التاريخية والفكرية التي رافقت هذا التحول، وما أبرز المدارس التي أعادت تشكيله خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وصولا إلى اتجاهاته المعاصرة.
4 - أهداف المقال ومنهجه التاريخي والتحليلي
ويهدف المقال إلى تقديم مرجع شامل ومبسط يعرض الجذور والمراحل والرواد والمدارس، ويعتمد في ذلك على المنهج التاريخي لتتبع تسلسل الأحداث، وعلى المنهج التحليلي لتفسير الأسباب والنتائج. ومن أبرز الأهداف التي نسعى إليها ما يلي
- توضيح المفاهيم الأساسية للأنثروبولوجيا وفروعها المختلفة.
- تتبع الإسهامات القديمة والإسلامية والأوروبية التي مهدت للتأسيس العلمي.
- عرض أهم المدارس والاتجاهات الحديثة وأعلامها.
- الإشارة إلى حضور الأنثروبولوجيا في العالم العربي والجزائر.
5 - عرض خطة المقال
وللإحاطة بالموضوع قسمنا المقال إلى أربعة مباحث، يتناول الأول الإطار المفاهيمي، ويدرس الثاني إسهامات الحضارات القديمة والعصور الوسطى، ويعالج الثالث التأسيس العلمي في القرن التاسع عشر، ويعرض الرابع تطور هذا العلم في القرن العشرين واتجاهاته المعاصرة، ثم نختم بخاتمة تلخص النتائج وتقترح آفاقا للبحث.
المبحث الأول - الإطار المفاهيمي لنشأة علم الأنثروبولوجيا
قبل الخوض في التسلسل التاريخي، لا بد من ضبط المفاهيم التي يقوم عليها هذا العلم، إذ إن فهم نشأة علم الأنثروبولوجيا يتوقف على معرفة ماهيته وموضوعه وفروعه وجذوره الفكرية الأولى.
المطلب الأول - مفهوم الأنثروبولوجيا وموضوعها
1 - التعريف اللغوي للأنثروبولوجيا وأصل الكلمة اليونانية
تعود كلمة الأنثروبولوجيا (Anthropology) إلى أصل يوناني مركب من لفظين، هما أنثروبوس (anthropos) بمعنى الإنسان، ولوغوس (logos) بمعنى العلم أو الخطاب. ومن ثم فالمعنى الحرفي لها هو علم الإنسان أو دراسة الإنسان، وقد شاع استعمالها بهذا المدلول في أوروبا منذ القرن السادس عشر قبل أن يستقر مفهومها العلمي.
2 - التعريف الاصطلاحي لعلم الأنثروبولوجيا
أما في الاصطلاح فيعرّف هذا العلم بأنه الدراسة العلمية للإنسان من حيث هو كائن بيولوجي وثقافي واجتماعي في الزمان والمكان. وبالإضافة إلى ذلك، يركز الأنثروبولوجيون على فهم التنوع البشري وعلى تفسير أوجه التشابه والاختلاف بين الجماعات، دون الاكتفاء بوصف المظاهر الخارجية لحياتها.
3 - موضوع علم الأنثروبولوجيا وأهدافه
يتمثل موضوع هذا العلم في الإنسان بأبعاده الجسدية والثقافية، أي أصله وتطوره وأنماط عيشه ولغاته ومعتقداته ونظمه. ومن جهة أخرى يسعى إلى أهداف متعددة، منها تفسير التنوع الثقافي، وفهم تطور المجتمعات، وتقديم معرفة تساعد على التعايش بين الشعوب وعلى معالجة قضايا التنمية والتغير الاجتماعي.
4 - خصائص المنهج الأنثروبولوجي
يتميز المنهج الأنثروبولوجي بعدة خصائص تجعله مختلفا عن غيره من المناهج، ويمكن إجمالها فيما يلي
- الشمولية (Holism) - أي النظر إلى الظاهرة داخل سياقها الكامل.
- المقارنة (Comparison) - أي الموازنة بين الثقافات لاستخلاص القواعد العامة.
- العمل الميداني (Fieldwork) - أي معايشة الجماعة المدروسة مدة طويلة.
- النسبية الثقافية (Cultural Relativism) - أي فهم الثقافة بمعاييرها لا بمعايير الباحث.
5 - الفرق بين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع
وفي المقابل، يختلف هذا العلم عن علم الاجتماع (Sociology) في أن الأول اهتم تاريخيا بالمجتمعات البسيطة وغير الغربية وبالثقافة بمفهومها الواسع، وفضّل الدراسة الميدانية المعمقة، بينما اتجه الثاني إلى المجتمعات الصناعية الحديثة واعتمد غالبا على الإحصاء والمسوح. ومع ذلك، فقد تقارب العلمان كثيرا في العقود الأخيرة وتبادلا المناهج والمفاهيم.
المطلب الثاني - فروع علم الأنثروبولوجيا
1 - الأنثروبولوجيا الفيزيقية أو البيولوجية
تدرس الأنثروبولوجيا الفيزيقية (Physical Anthropology) الإنسان بوصفه كائنا حيا، فتبحث في أصل الجنس البشري وتطوره وتنوع صفاته الجسدية والوراثية، وتستعين بعلم الأحافير وعلم الوراثة وتشريح الرئيسيات. وقد كانت هذه المقاربة من أوائل الاتجاهات التي ارتبطت بنشأة علم الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر.
2 - الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية
ومن جهة أخرى تهتم الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية (Cultural and Social Anthropology) بدراسة العادات والقيم والمعتقدات والنظم الاقتصادية والسياسية والقرابية لدى الجماعات. وتعد أوسع الفروع انتشارا، وقد درجت المدرسة الأمريكية على تسميتها ثقافية، بينما فضلت المدرسة البريطانية تسميتها اجتماعية.
3 - الأنثروبولوجيا اللغوية
وفي هذا الإطار تدرس الأنثروبولوجيا اللغوية (Linguistic Anthropology) العلاقة بين اللغة والثقافة والفكر، وتبحث في كيفية تأثير اللغة في إدراك العالم، وفي تطور اللغات وتنوعها. وقد ارتبطت بدراسة اللغات الهندية الأمريكية التي لم تكن مكتوبة، فكان توثيقها عملا علميا ملحا.
4 - علم الآثار الأنثروبولوجي
كذلك فإن علم الآثار الأنثروبولوجي (Archaeological Anthropology) يستخدم البقايا المادية كالأدوات والمساكن والمقابر لإعادة بناء حياة المجتمعات القديمة التي لم تترك سجلات مكتوبة. وبهذا يمد الأنثروبولوجيا بعمق زمني يتيح فهم التحولات الكبرى مثل ظهور الزراعة والاستقرار والمدن.
5 - الأنثروبولوجيا التطبيقية
وأخيرا تسعى الأنثروبولوجيا التطبيقية (Applied Anthropology) إلى توظيف المعرفة الأنثروبولوجية في حل مشكلات واقعية، كالتنمية الريفية والصحة العامة والتعليم والهجرة وتصميم السياسات. ويبين الجدول التالي ملخصا لهذه الفروع مع موضوع كل منها.
| الفرع | موضوع الدراسة | أبرز الأدوات |
|---|---|---|
| الأنثروبولوجيا الفيزيقية | أصل الإنسان وتطوره وتنوعه الجسدي | الأحافير والقياسات والوراثة |
| الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية | العادات والنظم والمعتقدات | الملاحظة بالمشاركة والمقابلة |
| الأنثروبولوجيا اللغوية | اللغة وعلاقتها بالثقافة | التسجيل والتحليل اللساني |
| علم الآثار الأنثروبولوجي | المجتمعات القديمة وبقاياها المادية | الحفريات والتأريخ |
| الأنثروبولوجيا التطبيقية | حل المشكلات الاجتماعية والتنموية | الدراسات الميدانية والتقييم |
المطلب الثالث - الجذور الفكرية الأولى للأنثروبولوجيا
1 - اهتمام الفلاسفة اليونان بالإنسان والمجتمع
وضع الفلاسفة اليونان الإنسان في قلب تفكيرهم، فنقل عن سقراط توجيه الفلسفة نحو معرفة النفس، ودرس أفلاطون في كتابه الجمهورية أصل المدينة ونظمها، وعرّف أرسطو الإنسان بأنه كائن اجتماعي بطبعه. وبهذا ظهرت أولى المحاولات النظرية لفهم الجماعة البشرية، وإن ظلت بعيدة عن الميدان.
2 - كتابات هيرودوت ووصف الشعوب
وفي المقابل، قدّم المؤرخ هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد وصفا لعادات الفرس والمصريين والسكيثيين وغيرهم بناء على رحلاته وما سمعه، حتى لقبه بعضهم بأبي التاريخ وأبي الوصف الإثنوغرافي معا. ومن الجدير بالذكر أن كتاباته مزجت الملاحظة بالروايات غير المؤكدة، لكنها شكلت مادة أولى للمقارنة بين الأمم.
3 - أدب الرحلات والمشاهدات القديمة
وعلاوة على ذلك، حفظ لنا أدب الرحلات القديم صورا عن حياة الشعوب، من رحلات التجار والبحارة إلى تقارير الجنود والدبلوماسيين، وقد نقلت هذه النصوص معلومات عن اللباس والغذاء والمعتقدات والنظم السياسية، فأصبحت لاحقا مصادر ثمينة للباحثين في تاريخ هذا العلم.
4 - مفهوم الآخر في الفكر القديم
ومما يلفت النظر أن الفكر القديم نظر إلى الغريب بمزيج من الفضول والتحفظ، فأطلق اليونان لفظ البرابرة على من لا يتكلم لغتهم، وصنفوا الشعوب وفق قربها من نموذجهم الحضاري. ويعد هذا الموقف أحد أقدم أشكال الإحساس بالاختلاف الثقافي، وهو الموضوع الذي سيصبح لاحقا جوهر الدراسة الأنثروبولوجية.
5 - العوامل التي مهدت لظهور علم الإنسان
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن عدة عوامل مهدت لنشأة علم الأنثروبولوجيا، من أبرزها اتساع الاتصال بين الحضارات عبر التجارة والحروب، وتراكم الروايات الوصفية، وتطور الفلسفة، وتزايد الحاجة إلى تفسير الاختلاف بين الأمم. غير أن غياب المنهج الميداني المنظم حال دون تحول هذه المعارف إلى علم مستقل في تلك المرحلة.
المبحث الثاني - إسهامات الحضارات القديمة والعصور الوسطى في التمهيد للأنثروبولوجيا
وبعد ضبط المفاهيم والجذور الأولى، ننتقل إلى استعراض ما قدمته الحضارات القديمة والعالم الإسلامي وأوروبا العصور الوسطى، لأن فهم نشأة علم الأنثروبولوجيا يقتضي النظر في هذه المراحل التي سبقت التأسيس الرسمي وأمدّته بمادة وفيرة.
المطلب الأول - الأنثروبولوجيا في الحضارات القديمة
1 - التصورات المصرية والبابلية حول أصل الإنسان
تصور المصريون القدماء أن الإله خنوم شكّل البشر على عجلة الفخار، بينما روت الأسطورة البابلية المعروفة باسم إينوما إيليش أن الإله مردوخ خلق الإنسان ليحمل عن الآلهة أعباءها. وتبين هاتان الروايتان أن أصل الإنسان كان موضوع تفكير مبكر، وإن صيغ بلغة دينية وأسطورية لا علمية.
2 - الفكر اليوناني وتصنيف الشعوب
وفي المقابل، حاول اليونان تفسير اختلاف الشعوب تفسيرا طبيعيا، فربط أبقراط في كتابه الأهوية والمياه والأماكن بين المناخ والبيئة وطباع السكان، وصنّف أرسطو الأقوام بحسب أقاليمهم. ومع أن هذه التفسيرات اتسمت بالتعميم، فإنها مثلت خطوة مهمة نحو البحث عن أسباب طبيعية للتنوع البشري.
3 - الفكر الروماني ووصف القبائل والأقوام
ومن جهة أخرى، وسّع الرومان دائرة المعرفة بفضل إمبراطوريتهم، فكتب يوليوس قيصر عن قبائل الغال في حروبه، ووصف المؤرخ تاسيتوس في كتابه جرمانيا عادات القبائل الجرمانية ونظمها. وقد تميزت هذه الكتابات بدقة نسبية جعلتها مصادر مهمة للباحثين في تاريخ الشعوب الأوروبية القديمة.
4 - الأساطير والمعتقدات بوصفها مادة أنثروبولوجية
وبالإضافة إلى ما سبق، تحولت الأساطير والطقوس التي دونتها هذه الحضارات إلى مادة غنية للأنثروبولوجيين اللاحقين، فهي تكشف عن تصورات الجماعات للكون والموت والقرابة والسلطة. ولهذا اعتمد رواد المدرسة التطورية وغيرهم على هذه النصوص في مقارناتهم الكبرى بين المعتقدات.
5 - حدود المعرفة الإنسانية في هذه المرحلة
غير أن هذه المعرفة ظلت محدودة، إذ غلبت عليها الروايات المنقولة والأحكام المسبقة، وغاب عنها التوثيق المنهجي والمقارنة المنضبطة. وبناءً على ذلك لم تتشكل بعد حدود واضحة لعلم مستقل، بل بقيت الملاحظات الأنثروبولوجية متفرقة داخل التاريخ والفلسفة والأدب.
المطلب الثاني - إسهامات العلماء المسلمين والرحالة العرب
1 - البيروني ووصف عادات الهند ومعتقداتها
يعد أبو الريحان البيروني من أبرز من أرسوا أسس الوصف الثقافي المقارن، فقد ألّف في القرن الحادي عشر الميلادي كتابه تحقيق ما للهند من مقولة، وعرض فيه لغات الهنود وعلومهم ودياناتهم وعاداتهم بعد أن تعلم لغتهم وقرأ مصادرهم. ومن اللافت أنه التزم بالإنصاف ونبّه إلى حدود فهم الغريب.
2 - ابن خلدون ونظرية العمران البشري
وفي هذا السياق جاء ابن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي ليضع في مقدمته علم العمران البشري، وهو علم يدرس طبائع الاجتماع الإنساني من البداوة إلى الحضارة، ويفسر قيام الدول وسقوطها بمفهوم العصبية. ويرى كثير من الباحثين أن هذا العمل يتقاطع مع علم الاجتماع والأنثروبولوجيا ويستحق مكانة بارزة في تاريخهما.
3 - ابن بطوطة وأدب الرحلة
كذلك فإن الرحالة ابن بطوطة طاف في القرن الرابع عشر الميلادي أرجاء العالم الإسلامي وما جاوره، وسجل في رحلته مشاهداته عن العادات والأسواق والنظم وأنماط الضيافة والملبس. وقد أصبحت رحلته مرجعا مهما لدراسة المجتمعات التي زارها، بما حفظته من تفاصيل يومية نادرة.
4 - المسعودي وابن فضلان وملاحظاتهم عن الشعوب
ومن جهة أخرى، أورد المسعودي في مروج الذهب أخبار الأمم وعاداتها وأديانها في القرن العاشر الميلادي، بينما وصف أحمد بن فضلان في رسالته سنة 922 ميلادية ما شاهده لدى البلغار والروس على نهر الفولغا، من طقوس الدفن إلى أنماط الحكم والمعيشة. وتمثل هذه النصوص ملاحظات ميدانية مبكرة جديرة بالتقدير.
5 - أثر المنهج العربي في الملاحظة والمقارنة
وفي ضوء ذلك، يتضح أن المنهج العربي والإسلامي قام على الملاحظة المباشرة والتعلم من لغة الآخر والمقارنة بين الأمم والسعي إلى تفسير الظواهر بأسبابها. ويؤكد ذلك أن نشأة علم الأنثروبولوجيا لم تكن أوروبية خالصة، بل استفادت من تراكم معرفي إنساني شاركت فيه حضارات عدة.
المطلب الثالث - المعارف الإنسانية في العصور الوسطى الأوروبية
1 - هيمنة التفسير الديني على تصور الإنسان
سادت في أوروبا خلال العصور الوسطى رؤية دينية فسرت أصل الإنسان وتنوعه بالرجوع إلى النصوص المقدسة، فاعتبر اختلاف الأمم نتيجة أحداث دينية كبرى كحادثة برج بابل، وصيغت التراتبية بين الشعوب بمنطق لاهوتي. ونتيجة لذلك تراجع البحث التجريبي في موضوع الإنسان مقارنة بما شهده العالم الإسلامي.
2 - رحلات التجار والمبشرين
ومع ذلك، لم تتوقف الرحلات، فقد أرسلت الكنيسة مبعوثين إلى المغول مثل جون بلانو كاربيني وويليام الروبروكي في القرن الثالث عشر، وسافر التجار والمبشرون إلى آسيا وإفريقيا. وبالإضافة إلى أهدافهم الدينية والتجارية، دوّن هؤلاء ملاحظات عن لغات الشعوب وأطعمتهم وعاداتهم السياسية.
3 - روايات الرحالة الأوروبيين مثل ماركو بولو
وفي هذا الإطار يبرز التاجر البندقي ماركو بولو الذي زار آسيا في القرن الثالث عشر، وأملى بعد عودته وصفا لرحلاته عبر الصين وآسيا الوسطى والهند. وقد أثارت روايته اهتمام الأوروبيين بالعالم الشرقي وغذّت الفضول الذي دفع لاحقا إلى الكشوف الجغرافية الكبرى.
4 - الخرافة والواقع في وصف الشعوب البعيدة
غير أن كثيرا من الروايات الأوروبية امتزجت فيها الوقائع بالخيال، فتحدثت عن أقوام غريبة الأشكال وعجائب لا أصل لها، ويرجع ذلك إلى ضعف وسائل التحقق وإلى ميل الناس إلى الغرائب. ومن الجدير بالذكر أن النقد المنهجي لهذه الروايات كان أحد الشروط التي مهدت لقيام دراسة علمية للشعوب.
5 - تراكم المادة الوصفية قبل التأسيس العلمي
وعلى الرغم من هذه النقائص، فقد تجمعت عبر القرون كمية كبيرة من الأوصاف والمذكرات والتقارير، وبفضل انتشار الطباعة في القرن الخامس عشر أصبحت متداولة بين المثقفين. وبذلك توافرت للباحثين لاحقا مادة وصفية ضخمة انتظرت المنهج والنظرية لتتحول إلى علم.
المبحث الثالث - تأسيس الأنثروبولوجيا علما مستقلا في القرن التاسع عشر
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن نشأة علم الأنثروبولوجيا بمعناها العلمي ارتبطت بالقرن التاسع عشر، حين اجتمعت عوامل تاريخية وفكرية جعلت دراسة الإنسان تتخذ صورة علم له نظرياته ومؤسساته وجمعياته.
المطلب الأول - العوامل التاريخية والفكرية لنشأة الأنثروبولوجيا
1 - الكشوف الجغرافية واكتشاف العالم الجديد
فتحت الكشوف الجغرافية منذ أواخر القرن الخامس عشر أمام الأوروبيين عوالم جديدة، إذ وصل كولومبوس إلى القارة الأمريكية سنة 1492، ثم تتابعت الرحلات إلى إفريقيا وآسيا والمحيط الهادي. وقد واجه الأوروبيون شعوبا ذات لغات وأديان ونظم لم يعرفوها، فطرح ذلك أسئلة جديدة حول وحدة الجنس البشري وتنوعه.
2 - التوسع الاستعماري وأثره في جمع المعطيات عن الشعوب
ومن جهة أخرى، أتاح التوسع الاستعماري للأوروبيين الاحتكاك المباشر بالشعوب المستعمرة، فجمع الإداريون والمبشرون والضباط معلومات كثيرة عن عادات السكان ونظمهم. ولا يمكن إغفال أن هذا الارتباط جعل الأنثروبولوجيا موضع نقد لاحق بسبب خدمتها أحيانا لأغراض السيطرة، وهو نقد صار جزءا من تاريخ العلم نفسه.
3 - عصر التنوير وصعود العقلانية العلمية
وفي المقابل، أسهم عصر التنوير في القرن الثامن عشر في ترسيخ الإيمان بالعقل والتجربة، وشجع على دراسة الإنسان دراسة طبيعية بعيدة عن التفسير الديني وحده. وقد دعا مفكرون كمونتسكيو وروسو إلى مقارنة المجتمعات وتفسير نظمها بأسباب إنسانية، فتهيأ المناخ الفكري لظهور العلم الجديد.
4 - ظهور نظرية التطور لداروين
وبالإضافة إلى ذلك، كان لصدور كتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين سنة 1859 أثر عميق، فقد قدم تفسيرا طبيعيا لتنوع الكائنات الحية وفتح الباب لدراسة أصل الإنسان علميا. ونتيجة لذلك انتقلت فكرة التطور إلى دراسة المجتمعات والثقافات، فأصبحت مفتاحا لتفسير تاريخ البشرية.
5 - تطور علوم الجيولوجيا وعلم الحياة والآثار
كذلك فإن تطور الجيولوجيا مع أعمال تشارلز لايل بين أن عمر الأرض أطول بكثير مما كان يعتقد، واكتشفت في القرن التاسع عشر أدوات حجرية وهياكل قديمة، ومنها بقايا إنسان النياندرتال سنة 1856. وبهذا تعزز الاعتقاد بأن للإنسان تاريخا عميقا يمكن دراسته بالأدلة المادية.
المطلب الثاني - رواد المدرسة التطورية
1 - إدوارد تايلور ومفهوم الثقافة
يعد الإنجليزي إدوارد بورنت تايلور من مؤسسي هذا العلم، وقد عرّف الثقافة في كتابه الثقافة البدائية سنة 1871 بأنها ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل قدرة يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع. وبذلك منح الأنثروبولوجيا مفهومها المركزي.
2 - لويس مورغان ومراحل التطور الاجتماعي
ومن جهة أخرى درس الأمريكي لويس هنري مورغان نظم القرابة لدى هنود الإروكواه، وقدم في كتابه المجتمع القديم سنة 1877 تصورا لتطور البشرية عبر ثلاث مراحل كبرى هي التوحش والبربرية والمدنية. وقد أثرت أفكاره في مفكرين كثيرين، منهم فريدريك إنجلز في تفسيره لأصل الأسرة.
3 - جيمس فريزر ودراسة السحر والدين
وفي هذا السياق ألّف الاسكتلندي جيمس فريزر كتابه الغصن الذهبي ابتداء من سنة 1890، وجمع فيه كما هائلا من المعتقدات والطقوس من شعوب العالم، واقترح تطورا فكريا يبدأ بالسحر ثم الدين ثم العلم. ورغم الانتقادات التي وجهت لفرضياته، فقد ظل عمله مصدرا غنيا للمادة المقارنة.
4 - هربرت سبنسر وتطبيق التطور على المجتمع
وعلاوة على ذلك طبّق الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر فكرة التطور على المجتمع، وشبّهه بكائن حي ينمو ويتعقد وتتمايز وظائفه. وقد شاعت أفكاره في الدوائر الفكرية، لكنها استُعملت أحيانا لتبرير التفاوت بين الشعوب، وهو ما عرّضها لنقد شديد لاحقا.
5 - نقد المدرسة التطورية وحدودها
غير أن المدرسة التطورية واجهت انتقادات جوهرية، فقد اعتمدت على روايات غير ميدانية، وافترضت خطا واحدا للتطور تقف الحضارة الغربية في قمته، وأهملت خصوصية كل ثقافة. ومع ذلك يبقى لها فضل وضع الأسئلة الكبرى وتأسيس المقارنة المنهجية. ويلخص الجدول التالي أبرز رواد هذه المدرسة.
| العالم | أهم مؤلفاته | الفكرة المحورية |
|---|---|---|
| إدوارد تايلور | الثقافة البدائية 1871 | تعريف الثقافة وتطور المعتقدات |
| لويس مورغان | المجتمع القديم 1877 | مراحل التوحش والبربرية والمدنية |
| جيمس فريزر | الغصن الذهبي 1890 | تطور الفكر من السحر إلى الدين فالعلم |
| هربرت سبنسر | مبادئ علم الاجتماع | تشبيه المجتمع بالكائن الحي |
المطلب الثالث - المؤسسات والجمعيات العلمية الأولى
1 - تأسيس الجمعيات الأنثروبولوجية في باريس ولندن
شهد القرن التاسع عشر قيام جمعيات علمية خصصت لدراسة الإنسان، فأسست الجمعية الإثنولوجية في لندن سنة 1843، ثم تأسست جمعية الأنثروبولوجيا بباريس سنة 1859 على يد بول بروكا، وظهرت جمعية الأنثروبولوجيا بلندن سنة 1863. وفي سنة 1871 اندمجت الجمعيتان البريطانيتان في المعهد الأنثروبولوجي الملكي.
2 - ظهور المتاحف والمجلات المتخصصة
وبالإضافة إلى الجمعيات، أنشئت متاحف خاصة بجمع المعروضات الإثنوغرافية وعرضها، كمتحف بيت ريفرز في أكسفورد ومتحف الإنسان في باريس لاحقا، كما صدرت مجلات متخصصة نشرت الأبحاث والتقارير. وقد ساعدت هذه المؤسسات على تبادل المعرفة بين الباحثين وعلى ترسيخ هوية العلم.
3 - دخول الأنثروبولوجيا إلى الجامعات
ومن جهة أخرى، دخلت الأنثروبولوجيا الجامعات تدريجيا، فعيّن تايلور سنة 1884 قيّما على متحف جامعة أكسفورد ثم أستاذا للأنثروبولوجيا، وتوسع تدريسها في الولايات المتحدة على يد فرانز بواس في جامعة كولومبيا. وبفضل ذلك تكوّنت أجيال من الباحثين المتخصصين وتحدد مسار تكوين الأنثروبولوجي.
4 - بول بروكا والأنثروبولوجيا الفيزيقية الفرنسية
وفي فرنسا، أسس الطبيب والجراح بول بروكا جمعية الأنثروبولوجيا سنة 1859 ومخبرا ومدرسة لدراسة الإنسان، واهتم بقياس الجماجم والتشريح المقارن. ومن المهم الإشارة إلى أن كثيرا من الاستنتاجات العرقية التي بنيت على تلك القياسات ثبت بطلانها علميا فيما بعد.
5 - الاعتراف بالأنثروبولوجيا علما مستقلا بمناهجه
وفي ضوء ذلك، حصلت الأنثروبولوجيا مع نهاية القرن التاسع عشر على اعتراف مؤسساتي بوصفها علما مستقلا له جمعياته ومتاحفه ومجلاته وكراسيه الجامعية. وهكذا اكتملت أهم مراحل نشأة علم الأنثروبولوجيا من الناحية التنظيمية، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها المناهج والمدارس.
المبحث الرابع - تطور الأنثروبولوجيا في القرن العشرين والاتجاهات المعاصرة
وبعد التأسيس في القرن التاسع عشر، دخل هذا العلم مرحلة نضج منهجي ونظري في القرن العشرين، إذ انتقد الباحثون تصورات المدرسة التطورية وطوروا مدارس جديدة، وهو ما يكمل الصورة العامة لـنشأة علم الأنثروبولوجيا وتطوره التاريخي.
المطلب الأول - المدارس الكبرى في الأنثروبولوجيا الحديثة
1 - المدرسة الانتشارية وفكرة انتقال الثقافات
ظهرت المدرسة الانتشارية (Diffusionism) ردا على الفكرة التطورية القائلة بأن الشعوب تصل بشكل مستقل إلى الاختراعات نفسها، فرأت أن السمات الثقافية تنتقل من مراكز محددة إلى غيرها عبر الاتصال والهجرة. ومن أعلامها غرافنر وفروبنيوس في ألمانيا، وإليوت سميث وريفرز في بريطانيا.
2 - المدرسة التاريخية الأمريكية وفرانز بواس
ومن جهة أخرى، قادت المدرسة التاريخية الأمريكية (Historical Particularism) بزعامة فرانز بواس نقدا حادا للتطورية، ودعت إلى دراسة كل ثقافة في سياقها التاريخي الخاص، وأرست مبدأ النسبية الثقافية، وجمعت بين الأنثروبولوجيا الفيزيقية والثقافية واللغوية والأثرية. وقد تخرج على يديه باحثون كبار مثل مارغريت ميد وألفريد كروبر.
3 - المدرسة الوظيفية ومالينوفسكي
وفي المقابل نشأت المدرسة الوظيفية (Functionalism) مع برونيسلاف مالينوفسكي، الذي رأى أن لكل عنصر ثقافي وظيفة في تلبية حاجات الإنسان، وتجلى ذلك في دراسته لجزر التروبرياند التي نشر نتائجها في كتابه أرغنوتات غرب المحيط الهادي سنة 1922. وبهذا أسس لمنهج جديد يقوم على المعايشة الطويلة.
4 - المدرسة البنيوية الوظيفية وراد كليف براون
وعلاوة على ذلك، طوّر ألفريد راد كليف براون المدرسة البنيوية الوظيفية (Structural Functionalism) متأثرا بإميل دوركايم، فاهتم بوظيفة النظم في حفظ التماسك الاجتماعي، وبدراسة القرابة والسلطة والطقوس. وقد ألف كتابه سكان جزر أندامان سنة 1922، وكان لمدرسته أثر واسع في الأنثروبولوجيا البريطانية.
5 - البنيوية عند كلود ليفي شتراوس
وفي ضوء هذا التنوع جاءت البنيوية (Structuralism) على يد كلود ليفي شتراوس الذي طبق مناهج اللسانيات على دراسة القرابة والأساطير، وبيّن في كتابه البنى الأولية للقرابة سنة 1949 أن وراء تنوع الثقافات بنى ذهنية عميقة. وبهذا نقل الاهتمام من الوظيفة إلى البنية الرمزية. ويقارن الجدول التالي بين أهم المدارس.
| المدرسة | أبرز أعلامها | الفكرة الأساسية |
|---|---|---|
| الانتشارية | غرافنر - إليوت سميث | انتقال السمات الثقافية بين المجتمعات |
| التاريخية الأمريكية | فرانز بواس | خصوصية كل ثقافة والنسبية الثقافية |
| الوظيفية | مالينوفسكي | الثقافة تلبي حاجات الإنسان |
| البنيوية الوظيفية | راد كليف براون | النظم تحفظ تماسك المجتمع |
| البنيوية | ليفي شتراوس | بنى ذهنية عميقة تحكم الثقافات |
المطلب الثاني - التحول المنهجي والعمل الميداني
1 - المنهج الميداني والملاحظة بالمشاركة
رسخت أعمال مالينوفسكي وبواس منهج الملاحظة بالمشاركة (Participant Observation)، وفيه يعيش الباحث بين الجماعة مدة طويلة، ويتعلم لغتها ويشاركها حياتها اليومية ليفهمها من الداخل. وأصبح هذا المنهج علامة فارقة تميز الأنثروبولوجيا عن غيرها من العلوم الاجتماعية.
2 - الانتقال من كرسي المكتب إلى الميدان
وفي هذا الإطار، انتقل الباحثون من الاعتماد على تقارير الآخرين، وهو ما عرف بأنثروبولوجيا كرسي المكتب (Armchair Anthropology)، إلى الاحتكاك المباشر بالمجتمعات. ونتيجة لذلك ارتفعت جودة البيانات ودقتها، وتراجعت الأحكام المسبقة التي ميزت كتابات القرن التاسع عشر.
3 - الأنثروبولوجيا الرمزية والتفسيرية عند كليفورد غيرتز
ومن جهة أخرى برز كليفورد غيرتز في النصف الثاني من القرن العشرين، وعرّف الثقافة بأنها شبكة من المعاني، ودعا في كتابه تأويل الثقافات سنة 1973 إلى الوصف الكثيف (Thick Description)، أي تفسير الدلالات الكامنة وراء الأفعال. وبذلك اتجهت الأنثروبولوجيا إلى التأويل بدل البحث عن قوانين صارمة.
4 - الأنثروبولوجيا النقدية وما بعد الحداثة
وعلاوة على ذلك، شهدت ثمانينيات القرن العشرين مراجعة نقدية لكتابة الإثنوغرافيا، ومن أبرز مظاهرها كتاب كتابة الثقافة الصادر سنة 1986 بتحرير جيمس كليفورد وجورج ماركوس. وقد ناقش هذا الاتجاه علاقات القوة بين الباحث والمبحوث، وسلط الضوء على ذاتية الكاتب وارتباط العلم بالاستعمار.
5 - تحديات الموضوعية والأخلاقيات البحثية
وفي ضوء هذه المراجعات أصبحت أخلاقيات البحث جزءا أساسيا من الممارسة الأنثروبولوجية، وتشمل ما يلي
- الحصول على الموافقة المستنيرة من المشاركين في البحث.
- حماية هوية المبحوثين وخصوصياتهم.
- تجنب الإضرار بالجماعات المدروسة وإشراكها في نتائج البحث.
- الوعي بتحيزات الباحث وبسياق إنتاج المعرفة.
وتتولى الجمعية الأنثروبولوجية الأمريكية (American Anthropological Association) نشر مدونات أخلاقية يستأنس بها الباحثون.
المطلب الثالث - الأنثروبولوجيا المعاصرة وآفاقها
1 - الأنثروبولوجيا والعولمة والهجرة
غيّرت العولمة موضوعات الأنثروبولوجيا، فلم تعد المجتمعات المدروسة معزولة، بل أصبحت متصلة بشبكات التجارة والإعلام والهجرة. ولذلك اهتم الباحثون المعاصرون بدراسة المهاجرين والشتات والهويات المتعددة والحدود الثقافية، وبتحليل أثر التبادل العالمي في العادات المحلية.
2 - الأنثروبولوجيا الحضرية والرقمية
ومن جهة أخرى، توسع الميدان ليشمل المدن والمصانع والمستشفيات والمدارس، فنشأت الأنثروبولوجيا الحضرية (Urban Anthropology)، كما ظهرت الأنثروبولوجيا الرقمية (Digital Anthropology) التي تدرس السلوك الإنساني على الشبكات الاجتماعية والألعاب والمنصات. وبهذا أثبتت الأنثروبولوجيا قدرتها على مواكبة التحولات.
3 - الأنثروبولوجيا في العالم العربي والجزائر
وفي العالم العربي دخلت الأنثروبولوجيا عبر الدراسات الاستعمارية ثم عبر أقسام الجامعات، وتطورت في دول عدة من بينها مصر والمغرب والجزائر. وفي الجزائر ارتبط الاهتمام بها بدراسة المجتمعات المحلية في الأوراس والقبائل والصحراء، وبمؤسسات بحثية مثل مركز البحوث الأنثروبولوجية وما قبل التاريخ والإثنوغرافيا بالجزائر العاصمة، إلى جانب أقسام جامعية تدرّس هذا التخصص.
4 - العلاقة بين الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية الأخرى
وفي المقابل، تتشابك الأنثروبولوجيا اليوم مع علم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا واللسانيات والعلوم السياسية والاقتصاد، وتستعير منها وتعير. وقد أفرز هذا التداخل حقولا مشتركة مثل الأنثروبولوجيا الطبية والأنثروبولوجيا السياسية والأنثروبولوجيا الاقتصادية.
5 - المستقبل المنتظر لعلم الأنثروبولوجيا
وبناءً على ذلك، يتوقع أن يتجه هذا العلم نحو دراسة قضايا المناخ والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والصحة العالمية، مع تعزيز مشاركة الباحثين من الجنوب في إنتاج المعرفة. ومن يتأمل نشأة علم الأنثروبولوجيا يدرك أن قدرته على التجدد ظلت دائما سر استمراره.
الخاتمة
تبين لنا من خلال هذا المقال أن نشأة علم الأنثروبولوجيا مرت بمراحل متعاقبة، بدأت بتأملات الفلاسفة اليونان ووصف هيرودوت وأساطير الحضارات القديمة، ثم تعززت بإسهامات البيروني وابن خلدون وابن بطوطة والمسعودي وابن فضلان في العالم الإسلامي، وبرحلات المبشرين والتجار الأوروبيين في العصور الوسطى، حتى بلغت مرحلة التأسيس العلمي في القرن التاسع عشر.
وفي ضوء ذلك يتأكد أن الأنثروبولوجيا ثمرة تراكم معرفي طويل وعوامل تاريخية متداخلة، فقد جمعت بين الكشوف الجغرافية والتوسع الاستعماري وعصر التنوير ونظرية التطور وتقدم الجيولوجيا والآثار، ثم رسختها الجمعيات والمتاحف والجامعات، قبل أن تدخل القرن العشرين بمدارسها الكبرى من الانتشارية والتاريخية والوظيفية والبنيوية، وبمنهجها الميداني القائم على الملاحظة بالمشاركة.
وعلاوة على ما سبق، أظهرت الدراسة أن هذا العلم لم يتوقف عند حدود التأسيس، بل راجع نفسه نقديا، وتخلى عن كثير من أحكام التطورية الأولى، وانفتح على العولمة والمدن والفضاء الرقمي، وأدرك أهمية الأخلاقيات البحثية والتعدد الثقافي. ويبقى فهم نشأة علم الأنثروبولوجيا مدخلا ضروريا لكل من يريد قراءة العلوم الإنسانية قراءة واعية.
ومن هنا نوصي بالعناية بتاريخ العلوم الإنسانية وتدريسه في الجامعات، وتشجيع البحث الأنثروبولوجي العربي وترجمة أعماله الكبرى، وإعادة قراءة تراث ابن خلدون والبيروني قراءة منهجية تبرز إسهامهما. كما نقترح توسيع الدراسات الميدانية حول المجتمعات المحلية في الجزائر والعالم العربي، وتوثيق العادات واللغات المهددة بالاندثار.
وأخيرا فإن آفاق البحث المستقبلية تبقى واسعة أمام الأنثروبولوجيا المعاصرة، سواء في دراسة الهجرة والهويات أو التقنيات الرقمية أو القضايا البيئية والصحية، وهي مجالات تحتاج إلى باحثين يجمعون بين الصرامة المنهجية والحس الإنساني، لتبقى هذه المعرفة في خدمة فهم الإنسان وتعزيز التفاهم بين الشعوب.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه