شهد شمال إفريقيا تعاقب حضارات متميزة في عصور ما قبل التاريخ، أبرزها العاترية والإيبيرومغربية، ويتناول هذا المقال نشأتهما وخصائصهما التقنية ونمط عيش أصحابهما والعلاقة الزمنية والثقافية التي تجمع بينهما.
مقدمة
تحتل حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا مكانة خاصة بين دراسات الإنسان القديم، لأن هذه الرقعة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى حدود مصر ومن ساحل المتوسط إلى عمق الصحراء احتضنت مواقع كهفية ومكشوفة لا تحصى. وقد كشفت هذه المواقع عن تعاقب جماعات بشرية تكيفت مع مناخات تراوحت بين الجفاف القاسي والاخضرار الواسع.
1 - تمهيد حول غنى المنطقة بمواقع ما قبل التاريخ
ومن هذا المنطلق، تعد الكهوف الساحلية والمرتفعات الداخلية في المغرب والجزائر وتونس وليبيا سجلاً مفتوحاً لتاريخ طويل من التجارب الإنسانية. فقد تعاقبت هناك صناعات حجرية متباينة، وتغيرت أنماط العيش بتغير الغطاء النباتي ومصادر المياه، وهو ما جعل المنطقة مختبراً طبيعياً لفهم علاقة الإنسان ببيئته.
2 - أهمية الموضوع في فهم أصول الإنسان الحديث
وبالإضافة إلى ذلك، تكتسب حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا أهمية استثنائية في النقاش العلمي حول أصول الإنسان العاقل (Homo sapiens). فاكتشاف بقايا بشرية قديمة جداً في جبل إيغود بالمغرب غيّر التصور السائد حول موطن الإنسان الحديث، وجعل المغرب العربي طرفاً رئيسياً في هذه القصة، كما أن تتبع تطور الصناعات الحجرية فيه يساعد على قراءة مسارات انتقال المعارف التقنية.
3 - إشكالية المقال
وفي ضوء ذلك، يطرح هذا المقال سؤالاً مركزياً - كيف نشأت الحضارة العاترية (Aterian) والحضارة الإيبيرومغربية (Iberomaurusian)، وما الخصائص التقنية والاقتصادية والرمزية التي ميزت كلاً منهما، وما طبيعة العلاقة الزمنية والثقافية بينهما، وهل نحن أمام حلقتين متصلتين أم أمام مرحلتين يفصل بينهما فاصل زمني كبير.
4 - أهداف المقال ومنهجه
ومن أجل الإجابة عن هذه الإشكالية، يعتمد المقال منهجاً تاريخياً يرصد التسميات والاكتشافات وتطور البحث، ومنهجاً أثرياً يصف الأدوات والمواقع، ومنهجاً مقارناً يضع الحضارتين جنباً إلى جنب. ويهدف في النهاية إلى تقديم مرجع مبسط وموثوق يغني القارئ عن البحث في مصادر متفرقة.
5 - خطة المقال
وبناءً على ما تقدم، يبدأ المقال بالإطار المفاهيمي والزمني، ثم يخصص مبحثين متتاليين للعاترية نشأةً وخصائص، ثم مبحثاً للإيبيرومغربية، قبل أن يعقد مقارنة شاملة بينهما. وتجدر الإشارة إلى أن الإيبيرومغربية تعرف في الأدبيات أيضاً بالإيبيروموريسية (Ibéromaurusien) وبالحضارة الوهرانية (Oranien)، وسنستعمل هذه الأسماء بحسب سياقها.
المبحث الأول - الإطار المفاهيمي والزمني لحضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا
قبل الدخول في تفاصيل الحضارتين، لا بد من ضبط المفاهيم والتقسيمات الزمنية التي يقوم عليها البحث، لأن فهم حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا يتوقف على وضوح المصطلحات وعلى إدراك السياق البيئي الذي نشأت فيه تلك الجماعات.
المطلب الأول - مفهوم الحضارة في علم ما قبل التاريخ
1 - تعريف الحضارة أو الصناعة الحجرية
يقصد بالحضارة في علم الآثار القديمة مجموعة من الأدوات والتقنيات والعادات المادية تتكرر في مواقع متعددة وفي إطار زمني محدد. وتسمى أحياناً صناعة حجرية (Lithic industry) حين يقتصر الأمر على الأدوات المصنوعة من الحجر، وهي في الغالب الدليل الوحيد الباقي عن هذه الجماعات.
2 - مفهوم الثقافة الأثرية وحدودها
ومن جهة أخرى، فإن الثقافة الأثرية (Archaeological culture) مفهوم تصنيفي يضعه الباحثون لتنظيم المعطيات، وليس بالضرورة جماعة بشرية متجانسة بالمعنى الاجتماعي. وهذا يفسر سبب الخلافات الدائمة حول حدود الحضارات، إذ قد تظهر الأداة نفسها عند جماعات مختلفة، وقد تتغير الأدوات داخل الجماعة الواحدة.
3 - معايير تحديد الحضارة
وفي هذا السياق، يعتمد الباحثون على جملة معايير، منها الأدوات المميزة وتقنيات التفليق وأنماط الخامات المستعملة والتوزيع الجغرافي والإطار الستراتيغرافي أي ترتيب الطبقات. ويكتسب معيار الأداة الدليلية (Type fossil) أهمية كبرى، كما هو الحال مع الأداة ذات العنق في العاترية والشفرات الدقيقة في الإيبيرومغربية.
4 - الفرق بين الحضارة والعصر والمرحلة
وعلاوة على ما سبق، ينبغي التمييز بين العصر وهو تقسيم زمني واسع مثل العصر الحجري القديم، والمرحلة وهي جزء من العصر، والحضارة وهي تعبير مادي ثقافي يندرج داخل المرحلة. فالعاترية حضارة تنتمي إلى مرحلة العصر الحجري الأوسط الإفريقي، بينما تنتمي الإيبيرومغربية إلى أواخر العصر الحجري القديم.
5 - المصطلحات المتعلقة بالإيبيرومغربية
وفي المقابل، تتعدد تسميات الحضارة الثانية، فقد وضع الباحث بول بالاري (Paul Pallary) مصطلح الوهرانية انطلاقاً من مواقع منطقة وهران، ثم شاع مصطلح الإيبيرومغربية لافتراض قديم عن صلة بشبه الجزيرة الإيبيرية، وهو افتراض لم يعد مقبولاً على نطاق واسع. ويستعمل بعض الباحثين اليوم مصطلح الإيبيروموريسية بوصفه مرادفاً.
المطلب الثاني - التقسيم الزمني لما قبل التاريخ في شمال إفريقيا
1 - العصر الحجري القديم الأدنى والأوسط والأعلى
يقسم العصر الحجري القديم عادة إلى ثلاث مراحل، الأدنى ويضم الأدوات الوجهية القديمة كالفؤوس اليدوية، والأوسط ويتميز بالتفليق اللفالوازي، والأعلى ويتميز بالشفرات والأدوات الصغيرة. غير أن الباحثين في إفريقيا يفضلون استعمال مصطلح العصر الحجري الأوسط الإفريقي (Middle Stone Age) بدل مقابله الأوروبي، لاختلاف التسلسل الثقافي.
2 - موقع العاترية ضمن العصر الحجري الأوسط
وبالنظر إلى هذا التقسيم، تندرج العاترية ضمن العصر الحجري الأوسط في شمال إفريقيا، وتؤرخ تقريباً بين نحو 145 ألف سنة ونحو 30 ألف سنة قبل الوقت الحاضر، مع بقاء حدودها الزمنية موضع نقاش بين الباحثين. وهي بذلك من أطول الحضارات عمراً وأوسعها انتشاراً في القارة.
3 - موقع الإيبيرومغربية في العصر الحجري القديم الأعلى
وفي المقابل، تؤرخ الإيبيرومغربية بنحو 25 ألف سنة إلى نحو 11 ألف سنة قبل الوقت الحاضر، أي أنها تنتمي إلى أواخر العصر الحجري القديم وإلى المرحلة الانتقالية نحو العصر الحجري الوسيط (Epipaleolithic). ويظهر فيها التحول نحو الأدوات الدقيقة والاعتماد المتزايد على موارد متنوعة.
4 - الفاصل الزمني بين الحضارتين
ومما يلفت الانتباه أن الفاصل بين نهاية العاترية وبداية الإيبيرومغربية يمتد في تقديرات عدة إلى آلاف السنين. وهذا الفراغ الظاهري يدفع الباحثين إلى التساؤل عن مصير الجماعات العاترية، وعن أصل الجماعات التي ظهرت لاحقاً، وهو ما سنعالجه في مبحث المقارنة.
5 - طرق التأريخ وصعوباتها
وفي إطار الحديث عن الأزمنة، يعتمد الباحثون على الكربون المشع (Radiocarbon) الذي يصلح لنحو خمسين ألف سنة تقريباً، وعلى التألق الحراري (Thermoluminescence) والتألق الضوئي المحفز (Optically stimulated luminescence) للرواسب والحجر المحروق، وعلى سلسلة اليورانيوم. غير أن تلوث العينات واضطراب الطبقات يجعلان بعض التواريخ محل جدل.
| العنصر | الحضارة العاترية | الحضارة الإيبيرومغربية |
|---|---|---|
| المرحلة | العصر الحجري الأوسط | أواخر العصر الحجري القديم |
| التأريخ التقريبي | من نحو 145 ألف إلى نحو 30 ألف سنة | من نحو 25 ألف إلى نحو 11 ألف سنة |
| الأداة المميزة | الأداة ذات العنق | الشفرات الدقيقة والأدوات الصغيرة |
| النطاق الجغرافي | شمال إفريقيا والصحراء | الشريط الشمالي من المغرب إلى تونس |
المطلب الثالث - البيئة والمناخ والسياق الجغرافي
1 - المجال الجغرافي لشمال إفريقيا
يمتد المجال الجغرافي من الواجهة الأطلسية غرباً إلى وادي النيل شرقاً، ومن الساحل المتوسطي شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً. وهذا الامتداد المتنوع بين جبال الأطلس والهضاب والسهول والواحات هيأ بيئات متباينة استقرت فيها الجماعات البشرية بحسب ما توفره من ماء وصيد ونبات.
2 - التغيرات المناخية في أواخر البليستوسين
وبالإضافة إلى ذلك، شهدت المنطقة في أواخر البليستوسين (Pleistocene) تقلبات مناخية حادة، فتعاقبت فترات رطبة اتسعت فيها البحيرات والأنهار، وفترات جافة توسعت فيها الصحراء. ولهذه التقلبات أثر مباشر في حركة السكان، إذ فتحت الفترات الرطبة ممرات عبر الصحراء، وأغلقتها الفترات الجافة.
3 - الغطاء النباتي والحيواني والموارد
ومن الجدير بالذكر أن الغطاء النباتي من أشجار البلوط والصنوبر والفستق الأطلسي ومراعي الحلفاء وفر موارد غذائية مهمة، كما عاشت فيه حيوانات كالغزال والكبش البربري والثور الوحشي والأيل. وقد انعكس تنوع هذه الموارد على أنماط التغذية وعلى اختيار الجماعات لأماكن إقامتها.
4 - أثر البيئة في اختيار المواقع وأنماط العيش
وفي هذا السياق، فضلت الجماعات الكهوف والملاجئ الصخرية القريبة من الماء ومن مسارات الحيوانات، لأنها توفر الحماية وسهولة الصيد. كما أن الاقتراب من الساحل أتاح استغلال الرخويات والأصداف، في حين شجعت المناطق الداخلية على التنقل الموسمي وراء القطعان والثمار.
5 - تاريخ البحث وأبرز الباحثين
وعلى صعيد تاريخ البحث، ارتبطت دراسة حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا بأسماء بارزة، منها بالاري الذي درس مواقع وهران، وموريس ريغاس (Maurice Reygasse) الذي اهتم بالجزائر الشرقية، وإدموند غوبير (Edmond Gobert) في تونس، وغابرييل كامبس (Gabriel Camps) الذي أرسى تصنيفات مرجعية. ثم جاءت أجيال جديدة من الباحثين المغاربة والجزائريين والدوليين.
المبحث الثاني - الحضارة العاترية - النشأة والانتشار
تمثل العاترية أحد أبرز فصول حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا، فهي تجمع بين العمق الزمني والاتساع الجغرافي والتميز التقني، وهو ما يجعل دراسة نشأتها وانتشارها خطوة أساسية لفهم تاريخ المنطقة.
المطلب الأول - اكتشاف العاترية وتسميتها
1 - أصل التسمية من بئر العاتر
اشتق اسم الحضارة من موقع بئر العاتر (Bir el Ater) قرب مدينة تبسة في الشرق الجزائري، حيث عثر على أدوات ذات سمة خاصة. وقد وضع مصطلح العاترية (Atérien) الباحث ريغاس في عشرينيات القرن الماضي، ثم رسخه العمل الميداني اللاحق.
2 - اكتشاف الحضارة وخصائصها الأولى
وبناءً على ذلك، لاحظ الباحثون الأوائل أن أدوات بئر العاتر تجمع بين تقنية التفليق الموستيرية وبين خاصية جديدة هي العنق أو الذنب الذي يسهل تثبيت الأداة في مقبض. وقد أدى هذا الوصف الأولي إلى تمييز العاترية عن بقية صناعات العصر الحجري الأوسط.
3 - إسهامات الباحثين الأوائل
وفي هذا الإطار، قدمت أعمال الباحثين الفرنسيين في الجزائر والمغرب في النصف الأول من القرن العشرين قاعدة معطيات أولية مهمة، شملت وصف المواقع وتصنيف الأدوات. ومع أن مناهجهم تقادمت، فإن عملهم الميداني ما زال مرجعاً يعود إليه الباحثون المعاصرون.
4 - تطور الدراسات حول العاترية
ومع مرور العقود، انتقلت الدراسات من الوصف النمطي للأدوات إلى تحليل سلاسل الصنع وتقنيات الخام والتأريخ المطلق. كما أسهمت حفريات جديدة في المغرب، خاصة في كهوف منطقة تمارة وكهف الحمام والمغارة المطلة على طنجة، في تجديد الصورة حول الحضارة.
5 - الجدل حول تصنيفها
ومن جهة أخرى، لا يزال النقاش قائماً حول ما إذا كانت العاترية امتداداً محلياً للصناعة الموستيرية (Mousterian) أم حضارة مستقلة. ويرى فريق أن وجود الأدوات ذات العنق ضمن سياق لفالوازي يجعلها تنويعاً داخل العصر الحجري الأوسط، بينما يؤكد آخرون على خصوصيتها التقنية.
المطلب الثاني - النشأة والأصول والتأريخ
1 - نظريات الأصل المحلي
يميل عدد كبير من الباحثين إلى أن العاترية نشأت محلياً في شمال إفريقيا انطلاقاً من صناعات لفالوازية سابقة، أي أنها تطور داخلي لتقاليد تقنية قديمة في المنطقة. ويدعم هذا الرأي استمرار التقنية اللفالوازية في الصناعة العاترية، وغياب دليل قاطع على هجرة سكانية من خارج القارة.
2 - فرضيات التأثر بالمؤثرات الخارجية
وفي المقابل، طرحت فرضيات تقترح تأثيراً قادماً من الشرق أو من الصحراء، لكنها ظلت أقل تأييداً بسبب ضعف الأدلة المادية. ويرجح كثير من المتخصصين اليوم أن الاتصالات بين الجماعات الإفريقية المتجاورة جرت عبر شبكات واسعة، ما يجعل فكرة المصدر الواحد المحدد صعبة الإثبات.
3 - الإطار الزمني التقريبي
وبالنسبة للتأريخ، تشير نتائج التألق الحراري والتألق الضوئي في عدة مواقع مغربية وجزائرية إلى فترات تمتد بين نحو 145 ألف وحوالي 30 ألف سنة، مع اختلاف بين موقع وآخر. ولذلك يفضل المختصون الحديث عن مدى زمني واسع بدل تاريخ محدد، ويبقى هذا المدى عرضة للتعديل مع كل دراسة جديدة.
4 - العلاقة بالإنسان العاقل
ومما يعزز أهمية العاترية أن بقايا بشرية مرتبطة بها، كالتي عثر عليها في دار السلطان بالمغرب، تعود إلى الإنسان العاقل. وهذا يجعل العاترية من الحضارات التي صنعها إنسان حديث التشريح، وإن كان أقدم الأحافير المعروفة في المنطقة هو إنسان جبل إيغود الذي يعود إلى نحو 315 ألف سنة وليس عاترياً.
5 - مواقع مرجعية كجبل إيغود وبئر العاتر
وعلى مستوى المواقع المرجعية، يعد بئر العاتر موقع التسمية، أما جبل إيغود (Jebel Irhoud) قرب مدينة آسفي فهو موقع العصر الحجري الأوسط الذي كشف عن أقدم بقايا لإنسان عاقل مبكر. وللاطلاع على معطيات إضافية يمكن الرجوع إلى صفحة جبل إيغود التعريفية.
المطلب الثالث - الانتشار الجغرافي والمواقع
1 - الانتشار في المغرب والجزائر وتونس وليبيا
تنتشر الأدوات العاترية في معظم أقطار المغرب العربي، فهي معروفة في كهوف الساحل الأطلسي والمتوسطي بالمغرب، وفي مواقع واسعة بالجزائر وتونس وليبيا. ويدل هذا الاتساع على جماعات ذات قدرة عالية على التنقل والتكيف مع بيئات متباينة.
2 - الامتداد نحو الصحراء ومصر
وعلاوة على ما سبق، تمتد العاترية جنوباً نحو قلب الصحراء الكبرى، وتشير مواقع عدة في الصحراء الغربية المصرية إلى امتداد شرقي محتمل. ويرتبط هذا الانتشار على الأرجح بالفترات الرطبة التي حولت أجزاء من الصحراء إلى مراع تعبرها الجماعات.
3 - أهم المواقع في الجزائر
وفي الجزائر، يأتي بئر العاتر في طليعة المواقع، وتضاف إليه مواقع منطقة الساورة وبشار كواد جبانة، فضلاً عن مجالات الهضاب العليا والأطلس الصحراوي حيث وثقت أدوات عاترية في أماكن متفرقة. وتحتاج بعض هذه المواقع إلى مسوحات حديثة لتأكيد سياقها الستراتيغرافي.
4 - المواقع الكهفية والمواقع المكشوفة
ومن الجدير بالذكر أن العاترية تظهر في كهوف وملاجئ صخرية، وكذلك في مواقع مكشوفة قرب مصادر المياه القديمة. والتنوع في نمط الموقع يوحي بتنوع الأنشطة، فالكهف قد يكون محطة إقامة طويلة، في حين يعبر المكشوف عن مخيمات مؤقتة أو ورشات لصنع الأدوات.
5 - دلالة الانتشار على التنقل والتكيف
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن اتساع نطاق العاترية يعكس مرونة كبيرة لدى حامليها، فقد عاشوا في الساحل والجبل والواحة والصحراء. وهذه القدرة على التكيف مع بيئات متنوعة تفسر في جانب منها استمرار الحضارة عشرات آلاف السنين.
المبحث الثالث - خصائص الحضارة العاترية
بعد استعراض النشأة والانتشار، ننتقل إلى الخصائص التي تجعل العاترية فريدة بين حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا، سواء في صناعة الأدوات أو في طرق العيش أو في المؤشرات الرمزية.
المطلب الأول - الصناعة الحجرية والتقنيات
1 - الأدوات ذات العنق
الخاصية الأبرز في العاترية هي الأداة ذات العنق (Tanged tool) أو المقبضية، وهي رقاقة أو شظية يشذب أحد طرفيها ليصبح ذنباً يمكن إدخاله في مقبض من خشب أو عظم. وتدل هذه التقنية على فكرة الأدوات المركبة، وهي مرحلة متقدمة في التفكير التقني.
2 - تقنية التفليق اللفالوازية
وبالإضافة إلى ذلك، تعتمد العاترية على التفليق اللفالوازي (Levallois technique) الذي يقوم على تهيئة النواة الحجرية مسبقاً بحيث تنتج شظايا بشكل محدد. وتتطلب هذه الطريقة تخطيطاً ذهنياً دقيقاً، ما يعكس مستوى عالياً من المعرفة بخصائص الحجر.
3 - الرؤوس المسننة والأدوات الوجهية
ومن جهة أخرى، تضم الصناعة العاترية رؤوساً مسننة ذات عنق قد تكون استعملت رؤوس رماح أو سهام، إلى جانب مكاشط وأدوات مسننة وبعض الأدوات الوجهية الصغيرة. ويطرح تعدد الوظائف المحتملة لهذه الأدوات أسئلة حول أساليب الصيد والمعالجة.
4 - الخامات المستعملة
وفي هذا السياق، استعملت الجماعات العاترية خامات متاحة محلياً مثل الصوان (Flint) والكوارتزيت والحجر الجيري والحجر الرملي، وقد اختارت الخامة بحسب نوع الأداة. ويدل نقل بعض الخامات لمسافات إلى معرفة واسعة بالمجال وربما إلى شبكات تبادل.
5 - مقارنة تقنية بالصناعات الموستيرية
وفي المقابل، تشترك العاترية مع الموستيرية في أسلوب التفليق، لكنها تتفرد بالأداة ذات العنق وبكثرة الأدوات المعدلة. ويظهر من ذلك أن الفارق بين الصناعتين تقني ووظيفي أكثر منه فارقاً جذرياً في أصل التقاليد الحجرية.
المطلب الثاني - نمط العيش والاقتصاد
1 - الصيد وجمع الثمار
اعتمد العاتريون في اقتصادهم على الصيد وجمع الثمار، وهو النمط المعروف لدى جماعات العصر الحجري القديم عموماً. وقد وفرت هذه الاستراتيجية المختلطة مرونة مكنت الجماعات من مواجهة تغير الموارد الموسمي والتقلبات المناخية الكبرى.
2 - الحيوانات المصيدة والموارد النباتية
وفي هذا الإطار، تشير بقايا الحيوانات في المواقع إلى صيد الغزلان والكباش البربرية والثيران الوحشية وغيرها بحسب البيئة، كما استغلت الرخويات القريبة من الساحل. أما الموارد النباتية فيصعب تتبعها لضعف بقاء المواد العضوية، لكن طبيعة الأدوات توحي بمعالجة النباتات أيضاً.
3 - التنقل وأنماط الاستيطان
وبالنظر إلى التفاوت في كثافة المخلفات بين موقع وآخر، يرجح الباحثون أن الجماعات اعتمدت تنقلاً موسمياً بين مناطق متعددة، مع العودة إلى الكهوف الملائمة. ويظهر هذا النمط من التنقل في مسافات نقل الخامات وفي تنوع وظائف المواقع.
4 - المؤشرات الرمزية
ومما يستحق الذكر أن المواقع العاترية قدمت أدلة على سلوك رمزي مبكر، منها أصداف بحرية مثقوبة تستعمل حلياً، عثر عليها في كهف الحمام بتافوغالت بتأريخ يقارب 82 ألف سنة، وفي كهف بزمون قرب الصويرة بتأريخ أقدم يتجاوز 140 ألف سنة وفق دراسة حديثة. كما استعملت الأصباغ المعدنية كالمغرة (Ochre).
5 - التنظيم الاجتماعي المحتمل
وبناءً على ما سبق، يرجح أن الجماعات العاترية كانت صغيرة الحجم متعاونة في الصيد وصناعة الأدوات، وأن تقاسم المعارف التقنية والرموز كالحلي دليل على هوية اجتماعية مشتركة. غير أن الأدلة المباشرة على البنية الاجتماعية محدودة، ولذلك تظل هذه الاستنتاجات حذرة.
المطلب الثالث - التقويم العلمي للعاترية
1 - أهميتها في دراسة أصول الإنسان الحديث
تكتسب العاترية قيمة علمية كبيرة لأنها ترتبط بالإنسان العاقل في مرحلة مبكرة من تاريخه، وتقدم أدلة على سلوك حديث كالحلي والأصباغ والأدوات المركبة. وبذلك تسهم هذه الحضارة في النقاش حول متى وأين ظهرت السلوكيات الرمزية والتقنية المعقدة.
2 - إشكالية الصلة بالصناعات الإفريقية الأخرى
ومن جهة أخرى، يتساءل الباحثون عن صلة العاترية بصناعات العصر الحجري الأوسط في بقية القارة، مثل الصناعات الصحراوية والنيلية. وتظل المقارنات صعبة لاختلاف أساليب الوصف بين المدارس البحثية ولقلة المواقع الموثقة توثيقاً ستراتيغرافياً دقيقاً.
3 - حدود المعطيات الحالية
وفي هذا السياق، ينبغي الاعتراف بأن كثيراً من المواقع حفرت بمناهج قديمة، وأن بعض المجموعات الأثرية جمعت من السطح من دون سياق طبقي. ولذلك تتطلب دراسة العاترية حذراً منهجياً وإعادة فحص للمجموعات المحفوظة في المتاحف.
4 - أثر التقنيات الحديثة في إعادة التأريخ
وعلاوة على ما سبق، أتاحت تقنيات التأريخ الحديثة إعادة قياس تواريخ مواقع كثيرة بدقة أفضل، مما أدى إلى تعديل بعض التصورات القديمة. كما تساعد التحاليل الدقيقة للأدوات والرواسب على فهم وظيفة الأداة وسياق استعمالها.
5 - موقعها بين حضارات العصر الحجري القديم
وفي ضوء ما تقدم، تعد العاترية حلقة جوهرية في تسلسل حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا، إذ تمثل ذروة تقاليد العصر الحجري الأوسط في المنطقة. وللمزيد حول الحضارة يمكن الاطلاع على صفحة الحضارة العاترية التعريفية.
المبحث الرابع - الحضارة الإيبيرومغربية - النشأة والخصائص
بعد العاترية، تظهر في المشهد الأثري حضارة مختلفة في أدواتها وأنماط عيشها، هي الإيبيرومغربية، التي تمثل فصلاً جديداً من فصول حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا، وتتميز بوفرة المعطيات البشرية والجنائزية المرتبطة بها.
المطلب الأول - الاكتشاف والتسمية والانتشار
1 - تسمية الحضارة وأصلها
ظهر أول وصف لهذه الحضارة عند بالاري في مطلع القرن العشرين انطلاقاً من مواقع منطقة وهران، فسماها الوهرانية. ثم اعتمد مصطلح الإيبيرومغربية بعد افتراض صلتها بإيبيريا، وأضاف بعض الباحثين مصطلح الإيبيروموريسية، وهي كلها أسماء لحضارة واحدة.
2 - اكتشاف المواقع الأولى في وهران
وبناءً على ذلك، شكلت مواقع منطقة وهران نقطة الانطلاق في التعرف على هذه الصناعة ذات الأدوات الصغيرة، قبل أن تكتشف مواقع مماثلة في بقية الشريط الشمالي. وقد تبين لاحقاً أن الطابع الدقيق للأدوات يميزها بوضوح عن الصناعات الأقدم.
3 - الانتشار في المغرب والجزائر وتونس
وفي هذا الإطار، تنتشر الإيبيرومغربية أساساً في الشريط الساحلي والتلي من المغرب إلى الجزائر وتونس، مع حضور أقل في ليبيا حيث تعرف صناعات مشابهة. ويعكس هذا الانتشار تجمعات سكانية استقرت قرب الساحل والمرتفعات الغنية بالموارد.
4 - أهم المواقع
وعلى مستوى المواقع، يأتي كهف أفالو بو رحمل (Afalou bou Rhummel) قرب بجاية بالجزائر، وكهف الحمام في تافوغالت بالمغرب، وموقع تمار حات (Tamar Hat) بالجزائر، إلى جانب مواقع منطقة وهران ومواقع أخرى كبوزابوان. ويحتاج التحقق من أسماء بعض المواقع إلى الرجوع لأعمال كامبس والمصادر المحكمة.
5 - الإطار الزمني التقريبي
ومن حيث الزمن، تقدر بداية الإيبيرومغربية بنحو 25 ألف سنة قبل الوقت الحاضر، وتمتد إلى نحو 11 ألف سنة، مع تفاوت بين الأقاليم. وقد دلت أعمال تافوغالت على استمرار الاستيطان فيها زمناً طويلاً. وتجد صفحة تعريفية عن الحضارة في هذا الرابط.
المطلب الثاني - الصناعة الحجرية والعظمية
1 - هيمنة الأدوات الصغيرة والشفرات الدقيقة
تتميز الصناعة الإيبيرومغربية بغلبة الشفرات الدقيقة (Bladelets) والأدوات الصغيرة التي تسمى الميكروليت (Microliths)، وهي في العادة أقل من بضعة سنتيمترات. وتدل هذه الأدوات على تحول واضح في التقنية نحو الأدوات المركبة المكونة من قطع صغيرة تثبت في مقابض أو أسلحة.
2 - أدوات الظهر المخفف والمثلثات والأهلة
وبالإضافة إلى ذلك، تضم الصناعة أدوات الظهر المخفف (Backed bladelets) التي يقطع أحد جانبيها بتشذيب حاد، إضافة إلى مثلثات وأهلة صغيرة. وتعد هذه الأدوات علامة دالة على الحضارة، وتستعمل غالباً كرؤوس أو شفرات في أدوات مركبة.
3 - الصناعة العظمية والأدوات المصقولة
ومن جهة أخرى، عرفت الإيبيرومغربية صناعة عظمية متطورة نسبياً، ضمت مثاقب وإبراً وأدوات مدببة من العظام، إضافة إلى أدوات مصقولة وحجارة طحن تدل على معالجة النباتات. ويعكس هذا التنوع قدرة الجماعات على استعمال مواد متعددة.
4 - الفروق الإقليمية داخل الحضارة
وفي هذا السياق، لاحظ الباحثون فروقاً بين المناطق، فقد يغلب نمط من الأدوات في الغرب وآخر في الشرق، كما تتباين نسب الشفرات المشذبة بين المواقع. ويوحي هذا التنوع بأن الحضارة لم تكن كتلة متجانسة بل مجموعة تقاليد متقاربة.
5 - الاختلاف التقني عن العاترية
وفي المقابل، يظهر الفرق بين الحضارتين جلياً، فالعاترية تعتمد التفليق اللفالوازي والأدوات ذات العنق، بينما تقوم الإيبيرومغربية على الأدوات الدقيقة والشفرات. وهذا الاختلاف الجذري هو أحد الأسباب التي جعلت الباحثين يشككون في وجود استمرارية مباشرة بينهما.
المطلب الثالث - نمط العيش والفكر الرمزي
1 - الصيد وجمع النباتات والرخويات
اعتمدت جماعات الإيبيرومغربية على صيد الحيوانات كالكبش البربري والغزال والثور الوحشي، وعلى جمع النباتات والثمار والرخويات البرية والبحرية. وقد كشفت دراسات تافوغالت عن استهلاك الجوز والبلوط والصنوبر، وعن استغلال القواقع البرية بشكل ملحوظ.
2 - الاستيطان في الكهوف والمواقع الصدفية
وعلاوة على ذلك، سكنت هذه الجماعات الكهوف والملاجئ الصخرية، وخلفت في بعض المواقع تلالاً من بقايا الأصداف والرخويات تسمى المواقع الصدفية. وتدل كثافة المخلفات في بعض الكهوف على إقامة طويلة أو متكررة، وهو ما يعبر عن درجة أكبر من الاستقرار مقارنة بالعاترية.
3 - الممارسات الجنائزية ومقابر الأفراد
ومن الجدير بالذكر أن الإيبيرومغربية تقدم أقدم الأدلة على مقابر منظمة في المنطقة، ففي تافوغالت عثر على مدفن جماعي يضم عدداً كبيراً من الأفراد يرجع إلى نحو 15 ألف سنة، وفي أفالو بو رحمل على دفنات عديدة. وتشير هذه الممارسات إلى فكر رمزي وعلاقة بين الحياة والموت.
4 - نزع القواطع العلوية من الأسنان
وفي هذا الصدد، لوحظت عادة نزع القواطع العلوية (Dental avulsion) عند كثير من الهياكل البشرية، وهي ممارسة مقصودة غالباً ما تفسر بأنها علامة هوية أو طقس عبور. وتشير ندرة ممارسات مماثلة في مواقع أخرى من العالم إلى أنها خاصية ثقافية مميزة لهذه الجماعات.
5 - أصول الإنسان المشتري ومواقع كأفالو
وفي ضوء ما سبق، ارتبطت الإيبيرومغربية بنمط بشري يسمى إنسان مشتى العربي (Mechta-Afalou)، وهو قوي البنية عريض الوجه، وقد سمي نسبة إلى موقعي مشتى العربي وأفالو. وكشفت دراسة جينية نشرت سنة 2018 على هياكل من تافوغالت عن أصول مركبة تجمع بين سلالة مرتبطة بالشرق الأدنى وسلالة إفريقية جنوب صحراوية.
المبحث الخامس - مقارنة بين الحضارتين وأثرهما في التاريخ المبكر للمنطقة
بعد استعراض كل حضارة على حدة، يحين وقت المقارنة التي تبرز مدى التحول الذي شهدته حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا عبر عشرات آلاف السنين، وتساعد على فهم ما استمر وما انقطع في تاريخ هذه الجماعات.
المطلب الأول - أوجه الاختلاف والتشابه
1 - من حيث الإطار الزمني والمرحلة
تنتمي العاترية إلى العصر الحجري الأوسط وتمتد زمناً طويلاً جداً، بينما تنتمي الإيبيرومغربية إلى أواخر العصر الحجري القديم وتغطي فترة أقصر نسبياً. وبين الحضارتين فاصل زمني تتفاوت تقديراته، وهو ما يعطي لكل منهما سياقاً مناخياً مختلفاً.
2 - من حيث التقنية والأدوات
ومن حيث الأدوات، تعتمد العاترية على أدوات أكبر نسبياً وأدوات ذات عنق وتقنية لفالوازية، في حين تعتمد الإيبيرومغربية على شفرات دقيقة وأدوات صغيرة مع صناعة عظمية. ويعكس هذا الاختلاف تحولاً في استراتيجيات الصيد وصناعة الأسلحة.
3 - من حيث الاقتصاد وأنماط الاستيطان
وفي المقابل، يتشابه الاقتصاد في الحضارتين من حيث اعتماده على الصيد وجمع الثمار، لكن الإيبيرومغربية تظهر استغلالاً أكثر كثافة للنباتات والرخويات واستيطاناً أطول في المواقع. كما تحمل مقابرها دلالات على ارتباط أكبر بالمكان.
4 - من حيث النمط البشري والممارسات الرمزية
ومن جهة أخرى، يرتبط الإنسان العاقل بالعاترية في صورته الأولى، وبالإيبيرومغربية بنمط مشتى العربي. وتشترك الحضارتان في وجود الحلي والأصباغ، بينما تنفرد الثانية بالمقابر الجماعية وبنزع القواطع، ما يدل على تطور الممارسات الرمزية وتنوعها.
5 - جدول مقارن يلخص الخصائص
وفي ضوء ما تقدم، يلخص الجدول التالي أهم أوجه المقارنة بين الحضارتين بشكل مبسط يسهل الرجوع إليه.
| وجه المقارنة | الحضارة العاترية | الحضارة الإيبيرومغربية |
|---|---|---|
| المرحلة | العصر الحجري الأوسط | أواخر العصر الحجري القديم |
| التأريخ التقريبي | نحو 145 ألف إلى 30 ألف سنة | نحو 25 ألف إلى 11 ألف سنة |
| التقنية | التفليق اللفالوازي | الشفرات الدقيقة |
| الأداة الدليلية | الأداة ذات العنق | الشفرات ذات الظهر المخفف |
| الصناعة العظمية | محدودة | متطورة نسبياً |
| الاقتصاد | صيد وجمع وتنقل واسع | صيد وجمع ورخويات واستيطان أطول |
| الممارسات الرمزية | حلي من أصداف وأصباغ | مقابر جماعية ونزع القواطع |
| المواقع البارزة | بئر العاتر ودار السلطان وكهف الحمام | أفالو وتافوغالت وتمار حات |
المطلب الثاني - الانقطاع والاستمرارية بين الحضارتين
1 - الفجوة الزمنية والمناخية
يلاحظ الباحثون وجود فجوة زمنية بين نهاية العاترية وبداية الإيبيرومغربية، تزامنت مع ذروة البرودة والجفاف في العصر الجليدي الأخير. وقد يكون هذا الجفاف سبباً في انكماش السكان أو في هجرة الجماعات نحو مناطق أكثر رطوبة على الساحل.
2 - فرضيات غياب الحلقة الوسيطة
وبناءً على هذه الفجوة، طرحت فرضيات عدة، منها وجود مرحلة وسيطة لم تكتشف بعد، أو أن التتابع بين الحضارتين غير مباشر. ومن المحتمل أيضاً أن بعض المواقع الانتقالية اندثرت بسبب التعرية أو غمرها ارتفاع مستوى البحر لاحقاً.
3 - العلاقة بين السكان المتعاقبين
وفي هذا الإطار، يتساءل الباحثون هل كان أصحاب الإيبيرومغربية أحفاداً لجماعات عاترية أم وافدين جدداً. وتشير المعطيات الجينية الحديثة إلى أصول مركبة، مما يجعل القول بالاستمرارية البسيطة أو الانقطاع التام غير كاف، ويفتح الباب لتفسيرات أكثر تعقيداً.
4 - التحولات المناخية وأثرها في الاستيطان
ومما يعزز أهمية العامل البيئي أن تغير الأمطار وتبدل الغطاء النباتي أثرا في مواقع الإقامة، فكلما زادت الرطوبة اتسع المجال أمام الجماعات، وكلما اشتد الجفاف ضاق. ويفسر ذلك جزءاً من تعاقب الحضارات وتفاوت كثافة المواقع.
5 - انتقال المنطقة نحو القفصية والنيوليتية
وفي المرحلة اللاحقة، ظهرت الحضارة القفصية (Capsian) في شرق المغرب العربي ثم دخلت المنطقة العصر الحجري الحديث (Neolithic) مع الزراعة وتربية الماشية. وبذلك تكون الإيبيرومغربية آخر حلقة كبرى من حلقات الصيادين الجامعين قبل التحول الاقتصادي الكبير.
المطلب الثالث - التحديات والآفاق
1 - نقص التأريخ الدقيق وتلف المواقع
يواجه البحث في حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا نقصاً في التواريخ الدقيقة لكثير من المواقع، كما يتعرض بعضها للتلف بسبب الحفر العشوائي والبناء والتعرية. وهذا يستدعي إنقاذاً أثرياً عاجلاً وتوثيقاً دقيقاً قبل ضياع المعلومات.
2 - الخلاف حول التسميات والتصنيفات
وفي هذا السياق، يعيق تعدد المصطلحات واختلافها بين مدارس البحث المقارنة بين النتائج، فالعاترية قد تصنف ضمن الموستيرية أو خارجها، والإيبيرومغربية تتعدد أسماؤها. ولذلك تدعو الحاجة إلى توحيد المصطلحات واعتماد تعريفات واضحة متفق عليها.
3 - توظيف الدراسات الجينية والتحاليل الحديثة
ومن جهة أخرى، تفتح تحاليل الحمض النووي القديم (Ancient DNA) والنظائر والأحماض الدهنية آفاقاً غير مسبوقة، فهي تكشف عن أصول السكان وأنظمتهم الغذائية وصلاتهم. غير أن الظروف المناخية في المنطقة تحد من حفظ المادة الوراثية، مما يجعل كل نتيجة ناجحة ثمينة.
4 - حماية المواقع وتثمينها
وعلاوة على ما سبق، يتطلب الحفاظ على هذا التراث حماية قانونية وميدانية للمواقع، وتثميناً عبر المتاحف والمسارات السياحية الثقافية والتعليم. فإشراك المجتمعات المحلية يعزز الوعي بقيمة هذا الإرث ويقلل من الاعتداء عليه.
5 - تعزيز البحث الجزائري والمغاربي
وأخيراً، يظل تعزيز البحث المحلي في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا شرطاً أساسياً، من خلال تكوين المتخصصين وتمويل الحفريات والتعاون العلمي بين الجامعات ومراكز البحث. فالباحث المحلي أعرف بالمجال وأقدر على المتابعة المستمرة للمواقع.
الخاتمة
خلص هذا المقال إلى أن حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا تمثل سجلاً غنياً لتاريخ طويل من التكيف والإبداع، وأن العاترية والإيبيرومغربية تشكلان مرحلتين متباعدتين في هذا التاريخ، تفصل بينهما فجوة زمنية ومناخية وتقنية. فالأولى تنتمي إلى العصر الحجري الأوسط وتتميز بالأدوات ذات العنق والتفليق اللفالوازي وبسلوك رمزي مبكر، والثانية تنتمي إلى أواخر العصر الحجري القديم وتتميز بالشفرات الدقيقة والصناعة العظمية والمقابر ونزع القواطع.
وقد أظهرت المقارنة أن الأدوات وأنماط العيش والإطار الزمني تتغير مع الزمن استجابة للتحولات المناخية والبشرية، وأن القول بالاستمرارية المباشرة بينهما لا تسنده الأدلة الحالية. وبناءً على ذلك، يوصي المقال بدعم الحفريات المنهجية والتأريخ الدقيق، وبحماية المواقع المهددة، وبتوحيد المصطلحات والتصنيفات، وبتعزيز التكوين والتعاون بين الباحثين في المغرب العربي.
أما آفاق البحث المستقبلية فتتجه نحو الجينات القديمة وإعادة تأريخ المواقع وتحليل البيئات القديمة بتقنيات أدق، وهي مسارات قد تعيد رسم صورة حضارات ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا في السنوات المقبلة. ويبقى من الضروري أن يراجع القارئ أسماء المواقع والتواريخ في مراجع محكمة، مثل أعمال غابرييل كامبس، لأن المعطيات تتجدد باستمرار مع كل اكتشاف جديد.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه