يشهد علم المكتبات والمعلومات تطورا متسارعا يفرض على الباحثين اعتماد مناهج دقيقة، ويتناول هذا المقال واقع استعمالها والإشكالات المنهجية التي تعترضها، ثم يقترح سبل تطويرها لرفع جودة البحث وربطه بالممارسة المهنية.
المقدمة
شهد حقل المكتبات تحولا عميقا منذ منتصف القرن العشرين، إذ انتقل من علم يهتم بتنظيم الكتب وإدارة المكتبات إلى علم المكتبات والمعلومات الذي يدرس الظاهرة المعلوماتية في كل صورها، من إنتاج المعلومة وتنظيمها إلى بثها واستعمالها. وقد فرض هذا التحول على الباحثين مراجعة أدواتهم، لأن مناهج البحث في علم المكتبات التقليدية لم تعد كافية لمعالجة أسئلة الرقمنة وسلوك المستفيدين وقياس الإنتاج العلمي.
وتبرز أهمية مناهج البحث في علم المكتبات والمعلومات في كونها المعيار الذي تقاس به جودة الدراسات، فالمنهج السليم هو ما يمنح النتائج مصداقيتها ويجعلها قابلة للتكرار والمقارنة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حسن اختيار المنهج يربط البحث بالممارسة المهنية، فيصبح ما يصل إليه الباحث أساسا لقرارات عملية في المكتبات ومراكز المعلومات، لا مجرد وصف يزيد رفوف الرسائل الجامعية امتلاء.
ومن هنا تتحدد إشكالية هذا المقال في سؤال مركزي، ما واقع استعمال مناهج البحث في علم المكتبات والمعلومات، وما الإشكالات المنهجية التي تواجهها في التصور والتطبيق والمؤسسة، وما السبل الكفيلة بتطويرها حتى تواكب التحولات الرقمية وتخدم المجتمع المهني والأكاديمي معا.
وللإجابة عن هذه الإشكالية نعتمد منهجا وصفيا يعرض المفاهيم والمراحل، ومنهجا تحليليا يفكك الإشكالات ويربطها بأسبابها، ومنهجا نقديا يقوّم الواقع ويقترح البدائل. وفي ضوء ذلك، يهدف المقال إلى تقديم تشخيص دقيق ورؤية عملية قابلة للتطبيق في الجامعات ومخابر البحث.
وتتوزع خطة المقال على أربعة مباحث، يتناول الأول الإطار المفاهيمي والتطور المنهجي، ويعالج الثاني الإشكالات المنهجية، ويشخص الثالث واقع البحث في العالم العربي والجزائر، ويقترح الرابع سبل التطوير. ومما يجدر التنبيه إليه أن التعريف العام بالمناهج سبق تناوله في مقال مستقل، ولذلك نركز هنا على الإشكالات والتطوير دون إعادة التعريفات الأولية.
المبحث الأول - الإطار المفاهيمي والتطور المنهجي لمناهج البحث في علم المكتبات والمعلومات
المطلب الأول - مفهوم علم المكتبات والمعلومات وطبيعة البحث فيه
1 - تطور التسمية من علم المكتبات إلى علم المعلومات
بدأ التخصص بتسمية علم المكتبات (Library Science) لارتباطه بالمؤسسة التي تجمع الكتب وتنظمها، ثم اتسعت التسمية لتصبح علم المكتبات والمعلومات (Library and Information Science) حين أصبحت المعلومة نفسها موضوع الدراسة بصرف النظر عن وعائها. وقد انعكس هذا التطور على مناهج البحث في علم المكتبات، فتوسعت أسئلتها من تنظيم المجموعات إلى سلوك المعلومات واسترجاعها.
2 - موضوع التخصص وفروعه
وبناء على هذا التحول، صار موضوع التخصص يشمل دورة المعلومة كلها، أي إنتاجها وتنظيمها وخزنها واسترجاعها وبثها واستعمالها. ومن فروعه الرئيسية الفهرسة والتصنيف، وخدمات المستفيدين، وإدارة المؤسسات الوثائقية، والببليومتريا، وهندسة نظم المعلومات، وإدارة المعرفة، وهي فروع تتطلب مناهج متنوعة تناسب طبيعة كل منها. ويستدعي كل فرع من هذه الفروع اختيارا مدروسا من مناهج البحث في علم المكتبات بحسب طبيعة أسئلته.
3 - الطابع البيني للتخصص وصلته بالعلوم الاجتماعية والتقنية
ومن جهة أخرى، يتميز التخصص بطابع بيني واضح، فهو يستعير من علم الاجتماع والنفس مناهج دراسة السلوك، ومن الإحصاء أدوات القياس، ومن الحاسوب تقنيات المعالجة والاسترجاع. وهذا التداخل يمنحه ثراء منهجيا، لكنه يطرح أيضا سؤال الهوية، لأن الباحث قد يتبنى منهجا جاهزا دون أن يكيفه مع خصوصية الظاهرة المعلوماتية. وبذلك تصبح مناهج البحث في علم المكتبات حقلا يتقاطع فيه الاجتماعي والتقني.
4 - خصوصية الظاهرة المعلوماتية ومجالات البحث فيها
وفي هذا السياق، تتميز الظاهرة المعلوماتية بأنها تجمع بعدا إنسانيا يتعلق بحاجات المستفيدين وسلوكهم، وبعدا تقنيا يتعلق بالنظم والأوعية، وبعدا مؤسسيا يتعلق بالمكتبات والسياسات. ولذلك تتوزع مجالات البحث بين دراسة المستفيدين وتقييم الخدمات وتحليل الإنتاج العلمي واختبار نظم الاسترجاع ودراسة تاريخ المؤسسات وتطوير المعايير.
5 - العلاقة بين البحث النظري والممارسة المهنية
وعلاوة على ما سبق، تبقى العلاقة بين البحث النظري والممارسة المهنية من أهم قضايا التخصص، فقد أسس الهندي رانغاناثان قوانينه الخمسة للمكتبات سنة 1931 انطلاقا من الممارسة، وصارت مرجعا نظريا واسعا. وهذا مثال على أن البحث الجيد يخرج من الميدان ويعود إليه، وأن الفصل بين الجانبين يضعف قيمة الدراسات.
المطلب الثاني - مراحل تطور مناهج البحث في التخصص
1 - مرحلة الدراسات التاريخية والوصفية للمكتبات
في البداية، غلبت على التخصص دراسات تاريخية ووصفية تؤرخ للمكتبات وتصف مبانيها ومجموعاتها وتقنيات فهرستها. وكان الاعتماد فيها على الوثائق والملاحظة المباشرة، وهي مرحلة أسست رصيدا معرفيا مهما، غير أنها ظلت قليلة الاهتمام بالتفسير والاختبار، ولم تضع قواعد صارمة لجمع البيانات أو تحليلها.
2 - مرحلة المسوح الميدانية ودراسات المستفيدين
ثم ظهرت منذ ثلاثينيات القرن العشرين، مع كلية الدراسات العليا للمكتبات بجامعة شيكاغو، دعوة إلى توظيف المنهج العلمي والمسوح الميدانية. وأصبحت دراسات القراء والمستفيدين محورا للبحث، وانتشرت أدوات الاستبيان والمقابلة والملاحظة، وهو ما أدخل مناهج البحث في علم المكتبات في دائرة العلوم الاجتماعية التطبيقية.
3 - مرحلة القياس الببليومتري واختبار نظم الاسترجاع
وبعد ذلك، برز القياس الببليومتري مع قوانين برادفورد ولوتكا وزيبف التي تصف توزع المقالات والمؤلفين والكلمات، وشاع مصطلح الببليومتريا (Bibliometrics) بفضل ألان بريتشارد سنة 1969. وفي الفترة نفسها، أجرى كليفردون تجارب كرانفيلد (Cranfield) لاختبار فعالية نظم الاسترجاع، فدخل المنهج التجريبي المخبري إلى التخصص.
4 - مرحلة البحوث الكيفية والمختلطة
وفي المقابل، أدرك الباحثون أن الأرقام وحدها لا تفسر لماذا يبحث الناس عن المعلومة بطريقة معينة، فظهرت نماذج كيفية مثل نموذج كولثاو لعملية البحث عن المعلومات (Information Search Process) ومقاربة الإدراك الحسي عند درفين. وقد شجعت هذه النماذج استعمال المقابلات المعمقة وتحليل الخطاب، ثم المناهج المختلطة التي تجمع الكم والكيف.
5 - مرحلة البحوث الرقمية وتحليل البيانات الضخمة
وأخيرا، فتحت البيئة الرقمية مرحلة جديدة تقوم على سجلات الاستعمال والمنصات الاجتماعية وقواعد الاستشهاد والمستودعات المفتوحة. ويستعمل الباحثون اليوم تحليل الشبكات والتنقيب في النصوص وعلم القياس البديل، وهي أدوات توسع مناهج البحث في علم المكتبات لكنها تطرح أسئلة جديدة حول جودة البيانات وخصوصيتها.
| المرحلة | الفترة التقريبية | المنهج الغالب | الأدوات المميزة |
|---|---|---|---|
| التاريخية والوصفية | حتى بدايات القرن العشرين | التاريخي والوصفي | الوثائق والملاحظة |
| المسوح الميدانية | من ثلاثينيات القرن العشرين | المسحي ودراسة الحالة | الاستبيان والمقابلة |
| القياس والاسترجاع | من خمسينيات القرن العشرين | الببليومتري والتجريبي | القوانين الببليومترية والاختبارات المخبرية |
| الكيفية والمختلطة | من ثمانينيات القرن العشرين | الكيفي والمختلط | المقابلة المعمقة وتحليل المحتوى |
| الرقمية | منذ تسعينيات القرن العشرين | تحليل البيانات الضخمة | التنقيب في النصوص وتحليل الشبكات |
المطلب الثالث - المناهج السائدة في التخصص وأسس اختيارها
1 - المنهج الوصفي والمسحي ودراسة الحالة
يعد المنهج الوصفي (Descriptive Method) أكثر المناهج استعمالا في التخصص، ويتفرع إلى المسح (Survey) الذي يدرس عينة واسعة، ودراسة الحالة (Case Study) التي تتعمق في مؤسسة أو ظاهرة واحدة. ويصلح هذان الأسلوبان لوصف الواقع وتشخيصه، غير أن قيمتهما تتوقف على دقة تصميم الأدوات وحسن اختيار العينة. ويبقى الوصف الركيزة الأولى في مناهج البحث في علم المكتبات رغم محدودية تفسيره.
2 - المنهج التاريخي والمقارن
ومن جهة أخرى، يفيد المنهج التاريخي (Historical Method) في تتبع نشأة المكتبات والفهارس والمؤسسات وتحولاتها، أما المنهج المقارن (Comparative Method) فيضع نظامين أو مؤسستين جنبا إلى جنب لاستخلاص أوجه التشابه والاختلاف. وتزداد أهميتهما في دراسة السياسات المعلوماتية وتجارب الدول، شرط أن تكون معايير المقارنة واضحة ومبررة.
3 - المنهج التجريبي وشبه التجريبي
وفي المقابل، يقوم المنهج التجريبي (Experimental Method) على التحكم في متغير مستقل وقياس أثره في متغير تابع، كاختبار أثر برنامج تدريبي على مهارات البحث عن المعلومات. وحين يتعذر التوزيع العشوائي للمشاركين يستعمل المنهج شبه التجريبي، وهو أنسب لكثير من البيئات الجامعية والمكتبية رغم أنه أقل قدرة على الجزم بالعلاقات السببية.
4 - المنهج الببليومتري وتحليل المحتوى
وبالإضافة إلى ذلك، يستعمل المنهج الببليومتري لقياس الإنتاج العلمي عبر أعداد المنشورات والاستشهادات والتعاون بين المؤلفين، اعتمادا على قواعد مثل Scopus وأدوات التمثيل مثل VOSviewer. أما تحليل المحتوى (Content Analysis) فيحول النصوص إلى فئات قابلة للعد والتفسير، وهو يخدم دراسة الخطاب والوثائق والمواقع.
5 - معايير اختيار المنهج المناسب للإشكالية
وبناء على ما تقدم، لا يختار المنهج بالعادة أو التقليد، وإنما وفق معايير واضحة يمكن إجمالها فيما يلي.
- طبيعة سؤال البحث، فسؤال ما الواقع يناسب الوصف، وسؤال ما الأثر يناسب التجريب.
- نوع البيانات المتاحة وإمكانية الحصول عليها بشكل موثوق.
- حجم المجتمع المدروس وإمكانية تمثيله بعينة مناسبة.
- الوقت والموارد والمهارات التي يمتلكها الباحث.
- الاعتبارات الأخلاقية المتعلقة بخصوصية المشاركين.
| المنهج | أفضل لـ | الأدوات الشائعة | أبرز الحدود |
|---|---|---|---|
| الوصفي والمسحي | وصف الواقع وتشخيصه | الاستبيان والمقابلة | ضعف تفسير الأسباب |
| دراسة الحالة | التعمق في مؤسسة واحدة | الملاحظة والوثائق | صعوبة التعميم |
| التاريخي والمقارن | تتبع التحولات والمقارنة | الوثائق والأرشيف | نقص المصادر وتحيز الاختيار |
| التجريبي وشبه التجريبي | اختبار الأثر والسببية | الاختبارات والقياس | صعوبة ضبط المتغيرات |
| الببليومتري | قياس الإنتاج العلمي | قواعد الاستشهاد والبرمجيات | تحيز قواعد البيانات |
المبحث الثاني - الإشكالات المنهجية في البحث في علم المكتبات والمعلومات
المطلب الأول - الإشكالات المعرفية والمفاهيمية
1 - غموض المصطلحات وتعدد ترجماتها العربية
من أبرز الإشكالات المعرفية غموض المصطلحات المنهجية وتعدد ترجماتها، فمصطلح مثل Survey يترجم بالمسح والاستقصاء والدراسة المسحية، وTriangulation يترجم بالتثليث والتوليف. وهذا التعدد يربك الطالب ويضعف التراكم المعرفي، لأن كل باحث يستعمل مصطلحه الخاص، فتتشتت النتائج ويصعب المقارنة بين الدراسات.
2 - ضعف التأصيل النظري للدراسات
وعلاوة على ذلك، تعاني كثير من الدراسات من ضعف التأصيل النظري، إذ تنتقل مباشرة إلى الجانب الميداني دون بناء إطار نظري يوضح المفاهيم والنماذج ذات الصلة. ونتيجة لذلك، تأتي بعض النتائج وصفية معزولة، لا تضيف إلى النظرية ولا تختبر فرضياتها، وهو ما ينقص من قيمة مناهج البحث في علم المكتبات والمعلومات حين تستعمل بلا أساس نظري.
3 - التداخل بين المنهج والأداة والتقنية
ومن جهة أخرى، يخلط بعض الباحثين بين المنهج والأداة والتقنية، فيقولون إن منهجهم هو الاستبيان، والاستبيان في الحقيقة أداة لجمع البيانات وليس منهجا. فالمنهج هو الطريق العام للبحث، والأداة وسيلة جمع، والتقنية إجراء تفصيلي. وهذا الخلط يفضي إلى عناوين وفصول منهجية مضطربة ويدل على ضعف الإلمام بأسس البحث.
4 - الخلط بين الدراسة النظرية والدراسة الميدانية
وفي هذا الإطار، يقع خلط آخر بين الدراسة النظرية التي تحلل الأدبيات والمفاهيم، والدراسة الميدانية التي تجمع بيانات من الواقع. فبعض الأعمال تجعل جزءا نظريا ضخما يفصل بلا ربط عن جزء ميداني هزيل، أو العكس. والأصل أن يخدم الإطار النظري الأسئلة الميدانية، وتختبر النتائج المفاهيم النظرية في دورة معرفية متكاملة.
5 - التبعية للنظريات الغربية وضعف التوطين
وأخيرا، تلاحظ تبعية واسعة للنظريات والنماذج الغربية، إذ تنقل أدوات ونماذج صيغت في سياقات مختلفة دون تكييف مع الواقع العربي، لغويا وثقافيا ومؤسسيا. ولا يعني هذا رفض النظريات الأجنبية، وإنما ضرورة اختبار صلاحيتها محليا وتعديلها، لأن التوطين الواعي هو ما يحول الاستعارة إلى إسهام علمي.
المطلب الثاني - الإشكالات المتعلقة بالتطبيق والأدوات
1 - هيمنة المنهج الوصفي والمسحي وقلة المناهج التجريبية
يلاحظ المهتمون بالتخصص هيمنة المنهج الوصفي والمسحي على أغلب الدراسات، في مقابل قلة الأعمال التجريبية وشبه التجريبية. ويعود ذلك إلى سهولة الوصف وسرعته مقارنة بالتجريب الذي يتطلب تصميما دقيقا ومجموعات مقارنة وإذنا إداريا. غير أن الاكتفاء بالوصف يحرم التخصص من اختبار فعالية الخدمات والبرامج بأدلة سببية. وهي ظاهرة تميز كثيرا من مناهج البحث في علم المكتبات في السياقات العربية.
2 - ضعف تصميم الاستبيان واعتماده أداة وحيدة
ومما يعزز هذا الوضع اعتماد الاستبيان أداة وحيدة في كثير من الدراسات، مع ضعف في صياغة أسئلته، كالأسئلة الموجهة أو المزدوجة أو الغامضة. وحين لا يدعم الاستبيان بمقابلة أو ملاحظة أو تحليل سجلات، تبقى النتائج رهينة تصريحات المستجوبين، وهي قد تختلف عن سلوكهم الفعلي في المكتبة.
3 - اختيار العينة وتمثيلها لمجتمع الدراسة
وفي المقابل، يطرح اختيار العينة إشكالا جوهريا، فكثير من الدراسات تعتمد عينات متاحة أو قصدية دون تبرير، ثم تعمم نتائجها على مجتمع كامل. والعينة الاحتمالية (Probability Sampling) وحدها تتيح تعميما إحصائيا مشروعا، أما غيرها فتستعمل لأغراض استكشافية مع التنبيه الصريح إلى حدود التعميم. وهذه الإشكالية مشتركة بين معظم مناهج البحث في علم المكتبات الميدانية.
4 - ضعف اختبار صدق الأدوات وثباتها
ومن جهة أخرى، يكثر إغفال اختبار صدق الأدوات (Validity) وثباتها (Reliability)، فتعرض الاستبيانات دون تحكيم أو تجريب أولي، ويكتفى أحيانا بذكر معامل ألفا كرونباخ دون فهم دلالته. والمطلوب عرض الإجراءات بوضوح، من تحكيم المختصين إلى التجربة الاستطلاعية وحساب معاملات الثبات، لتكتسب النتائج الثقة.
5 - سوء استعمال البرامج الإحصائية وتفسير النتائج
وأخيرا، يقع سوء استعمال للبرامج الإحصائية مثل SPSS وR، فيطبق اختبار دون التحقق من شروطه، أو تفسر دلالة إحصائية على أنها أهمية عملية، أو يعرض عدد كبير من الجداول بلا تحليل. فالبرنامج مجرد أداة حساب، والتفسير مسؤولية الباحث، وهو يقتضي فهما حقيقيا لمنطق الإحصاء لا تشغيلا آليا للقوائم.
المطلب الثالث - الإشكالات المؤسسية والأخلاقية والتقنية
1 - ضعف التكوين المنهجي في الجامعات
يقف ضعف التكوين المنهجي في مقدمة الإشكالات المؤسسية، إذ تقدم مقاييس المنهجية والإحصاء أحيانا بحجم ساعي محدود ودون تطبيق عملي كاف. ونتيجة لذلك يصل الطالب إلى مرحلة المذكرة وهو يملك تصورا نظريا عاما عن المناهج، لكنه يفتقد المهارة التي تمكنه من تصميم دراسة متماسكة وتحليل بياناتها. فهذا الضعف ينعكس مباشرة على جودة مناهج البحث في علم المكتبات المطبقة في الدراسات.
2 - صعوبة الحصول على البيانات والإحصاءات من المكتبات
وبالإضافة إلى ذلك، يواجه الباحث صعوبة في الحصول على بيانات دقيقة من المكتبات، كإحصاءات الإعارة وعدد المستفيدين وميزانيات الاقتناء، لأن هذه المعطيات غير منتظمة أو غير منشورة أو تعد سرية. وحين تغيب البيانات يضطر الباحث إلى الاعتماد على الانطباعات، مما يضعف دقة التشخيص ويحد من إمكان المقارنة.
3 - قلة التمويل وضعف البنية البحثية
ومن جهة أخرى، تحد قلة التمويل وضعف البنية البحثية من القدرة على إنجاز دراسات كبيرة، فالبحث التجريبي والمسوح الواسعة تتطلب موارد مالية وبشرية وبرمجيات مرخصة. ولذلك يتجه كثير من الباحثين إلى دراسات صغيرة الحجم سهلة الإنجاز، وهو ما يخلق دائرة تعيد إنتاج الأنماط البحثية نفسها.
4 - مسائل الأمانة العلمية والانتحال وسرية بيانات المستفيدين
وفي هذا السياق، تطرح الأمانة العلمية إشكالات حقيقية، منها الانتحال وإعادة تدوير الدراسات القديمة بتغيير المكان أو الزمان فقط. كما تبرز مسألة سرية بيانات المستفيدين، فسجلات الإعارة والبحث تكشف اهتمامات الأفراد، ويجب جمعها ومعالجتها بموافقة واضحة وإخفاء للهوية، احتراما للحق في الخصوصية.
5 - التحديات التقنية للبيانات الرقمية وتقادم الأدوات
وأخيرا، تفرض البيئة الرقمية تحديات تقنية، منها تغير واجهات قواعد البيانات واختلاف تغطيتها وصعوبة تنظيف البيانات الببليومترية، فضلا عن تقادم الأدوات التي يتدرب عليها الطلبة. وهذا يستدعي تحديثا مستمرا للمهارات، وتوثيقا دقيقا لخطوات المعالجة حتى يستطيع غيرنا إعادة الدراسة والتحقق من النتائج.
المبحث الثالث - تشخيص واقع مناهج البحث في علم المكتبات في العالم العربي الجزائر
وقبل الدخول في تفاصيل هذا المبحث، تنبغي الإشارة إلى أن ما يعرض فيه يمثل اتجاهات عامة تستخلص من أدبيات التخصص وملاحظات الباحثين، وليس نتائج تحليل فعلي لعينة محددة من الرسائل الجامعية. ولذلك يجب التعامل معه بحذر، وإجراء دراسة ببليومترية دقيقة قبل تعميم أي رقم أو نسبة.
المطلب الأول - ملامح الإنتاج العلمي المنهجي
1 - تحليل الرسائل والأطروحات الجامعية من حيث المناهج المستعملة
يعد تحليل الرسائل والأطروحات الجامعية أفضل وسيلة لتشخيص مناهج البحث في علم المكتبات في بلد ما، إذ يمكن تصنيف كل رسالة حسب المنهج والأداة والعينة والأسلوب الإحصائي. وتشير الملاحظات العامة في الأدبيات العربية إلى غلبة المنهج الوصفي والمسحي، مع حضور أقل للمناهج التجريبية والتاريخية والكيفية.
2 - توزيع الدراسات بين الوصفي والتجريبي والكيفي
وفي هذا الإطار، يظهر توزيع الدراسات غير متوازن، فأغلبها يصف الواقع بالاستبيان، وقلة منها تختبر فرضيات تجريبية أو تستعمل مقابلات معمقة وتحليل خطاب. ومن الجدير بالذكر أن هذا التوزيع لا يعني بالضرورة ضعف كل الدراسات الوصفية، فبعضها متقن، وإنما يدل على محدودية تنوع المقاربات المستعملة.
3 - المجلات المتخصصة وجودة التحكيم
ومن جهة أخرى، تؤدي المجلات المتخصصة دورا حاسما في رفع جودة البحث، فالتحكيم الصارم يفرض على الباحث توضيح منهجه وأدواته وحدود دراسته. وقد وفرت المنصات الوطنية مثل المنصة الجزائرية للمجلات العلمية فضاء واسعا للنشر، لكن تفاوت معايير التحكيم بين المجلات يظل مسألة تستدعي المتابعة.
4 - التعاون البحثي بين الباحثين والمؤسسات
وعلاوة على ما سبق، يظل التعاون البحثي بين الباحثين والمؤسسات محدودا في كثير من الأحيان، فأغلب الدراسات فردية أو ثنائية داخل المؤسسة الواحدة. والتعاون بين الجامعات والمكتبات الوطنية ومراكز المعلومات يتيح بيانات أوسع وفرقا متعددة التخصصات، وهو ما تحتاجه المناهج المختلطة والدراسات التجريبية الكبيرة.
5 - الدراسات الببليومترية حول الإنتاج العربي
وفي المقابل، ظهرت دراسات ببليومترية متزايدة تقيس الإنتاج العلمي العربي في التخصص وفي غيره، اعتمادا على قواعد البيانات العالمية والمحلية. وهي دراسات مفيدة لرسم خريطة البحث، لكن نتائجها تتأثر بتغطية القواعد المستعملة، ولذلك ينبغي ذكر مصدر البيانات وتاريخ جمعها ومعايير الاستبعاد. ومن المفيد أن تتضمن مناهج البحث في علم المكتبات تدريبا خاصا على هذه الدراسات.
المطلب الثاني - نقاط القوة والضعف
1 - اتساع الاهتمام بالمواضيع الرقمية والتقنية
من نقاط القوة اتساع الاهتمام بالمواضيع الرقمية والتقنية، كالمكتبات الرقمية والمستودعات المؤسسية والفهرسة الآلية والمعلومات في وسائل التواصل. وقد فتح هذا الاهتمام للباحثين مجالات جديدة، وجذب جيلا شابا إلى التخصص، ودفع إلى تعلم أدوات تحليل البيانات التي لم تكن مألوفة في الدراسات التقليدية.
2 - تراكم الدراسات الوصفية حول المكتبات الجامعية والوطنية
وبالإضافة إلى ذلك، تراكمت دراسات وصفية عديدة حول المكتبات الجامعية والوطنية والمدرسية، قدمت صورة عامة عن خدماتها ومجموعاتها وإشكالاتها. وهذا التراكم يشكل قاعدة معرفية يمكن البناء عليها، شرط الانتقال من الوصف المتكرر إلى الدراسات التحليلية والمقارنة التي تفسر الظواهر وتختبر البدائل.
3 - ضعف الجمع بين المناهج والتكامل المنهجي
ومن جهة أخرى، يتمثل ضعف بارز في قلة الجمع بين المناهج، فنادرا ما تدمج دراسة بين استبيان ومقابلة وتحليل وثائق. والتثليث المنهجي (Triangulation) يقوي صدق النتائج لأنه يتحقق من الظاهرة بأكثر من طريق، وغيابه يجعل الدراسات رهينة مصدر واحد، ويحد من قدرتها على تفسير التعقيد الإنساني والمؤسسي. وهنا تتبين الحاجة إلى تنويع مناهج البحث في علم المكتبات داخل الدراسة الواحدة.
4 - التكرار في المواضيع وقلة الجدة
وفي هذا السياق، يلاحظ تكرار المواضيع نفسها، كواقع خدمات مكتبة جامعية أو اتجاهات المستفيدين نحو مصدر ما، مع تغيير موقع الدراسة فقط. وقلة الجدة تضعف إسهام الدراسات، وتستدعي مراجعة الأدبيات قبل اختيار الموضوع، والبحث عن فجوات معرفية حقيقية بدل تكرار أسئلة أجيب عنها مرارا.
5 - ضعف الربط بين البحوث وقرارات المؤسسات
وأخيرا، يضعف الربط بين نتائج البحوث وقرارات المؤسسات، إذ تبقى كثير من التوصيات حبيسة الرسائل دون أن تصل إلى المسؤولين عن المكتبات. وهذا الانفصال يقلل من الأثر العملي لمناهج البحث في علم المكتبات والمعلومات، ويستدعي قنوات تواصل منتظمة بين الباحثين والمهنيين وصناع القرار.
المطلب الثالث - نماذج من الإشكالات التطبيقية
1 - دراسات المستفيدين بين الاستبيان والواقع
تظهر الإشكالات التطبيقية بوضوح في دراسات المستفيدين، فكثير منها يسأل الناس عن رضاهم وعاداتهم بالاستبيان، ثم يعد ما قالوه حقيقة سلوكهم. وقد يختلف التصريح عن الممارسة بسبب الرغبة في الظهور بصورة حسنة أو ضعف التذكر، ولذلك يفضل دعم الاستبيان بسجلات الاستعمال والملاحظة المباشرة.
2 - تقييم الخدمات والمجموعات بمؤشرات غير دقيقة
وفي المقابل، يعتمد تقييم الخدمات والمجموعات أحيانا على مؤشرات غير دقيقة، كعدد الكتب دون النظر إلى مدى استعمالها وحداثتها وملاءمتها. والأفضل استعمال مؤشرات أداء معيارية مثل معدل دوران المجموعة ونسبة الاستعمال ووقت الاستجابة، وربطها بأهداف المؤسسة حتى يكون التقييم أداة تحسين لا مجرد عرض للأرقام. وتحتاج مناهج البحث في علم المكتبات هنا إلى مؤشرات قياسية متفق عليها.
3 - الدراسات الببليومترية وإشكالية قواعد البيانات
ومن جهة أخرى، تواجه الدراسات الببليومترية إشكال قواعد البيانات، فكل قاعدة تغطي مجلات ولغات ومجالات معينة، والإنتاج العربي والمحلي قد يكون ضعيف التمثيل في بعضها. وتؤدي أسماء المؤلفين المتعددة الكتابات وأخطاء الفهرسة إلى تشتت البيانات، مما يستلزم تنظيفا دقيقا وتحفظا عند تفسير النتائج.
4 - دراسة الحالة وحدود التعميم
وعلاوة على ذلك، تستعمل دراسة الحالة كثيرا في وصف مكتبة بعينها، ثم تعمم نتائجها على مكتبات أخرى دون مبرر. وقوة دراسة الحالة في عمق التحليل لا في التمثيل الإحصائي، ولذلك ينبغي أن يوضح الباحث معيار اختيار الحالة، وأن يتحدث عن إمكان نقل النتائج لا عن تعميمها.
5 - دراسات الرقمنة والأرشيف بين الوصف والتحليل
وأخيرا، تقف دراسات الرقمنة والأرشيف أمام خيار بين الوصف والتحليل، فكثير منها يصف مشاريع الرقمنة ومراحلها ومعداتها، وقليل منها يقيس جودة الصور وتكلفة الوحدة ومدى استعمال المجموعات الرقمية. والانتقال إلى التحليل الكمي والنوعي يمنح الدراسات قيمة أكبر لصناع القرار.
| الإشكال | مظهره | سبيل المعالجة |
|---|---|---|
| غموض المصطلحات | تعدد الترجمات للمصطلح الواحد | معجم موحد للمصطلحات المنهجية |
| الاعتماد على أداة وحيدة | الاكتفاء بالاستبيان | التثليث المنهجي والمناهج المختلطة |
| ضعف تمثيل العينة | تعميم من عينة متاحة | عينات احتمالية أو توضيح حدود التعميم |
| غياب اختبار الأدوات | إهمال الصدق والثبات | تحكيم وتجربة استطلاعية وقياس الثبات |
| ضعف الربط بالقرار | توصيات لا تنفذ | شراكات بين الباحثين والمكتبات |
المبحث الرابع - سبل تطوير مناهج البحث في علم المكتبات والمعلومات
المطلب الأول - التطوير المعرفي والتكويني
1 - تعزيز مقاييس المنهجية والإحصاء في برامج التكوين
أول سبل التطوير تعزيز مقاييس المنهجية والإحصاء في برامج الإجازة والماستر والدكتوراه، بحجم ساعي كاف وتطبيق عملي على بيانات حقيقية. فالطالب الذي يتدرب على تصميم دراسة كاملة وتحليل بياناتها يكتسب مهارة تفوق ما يكتسبه من حفظ تعريفات المناهج، وهو أساس نهضة مناهج البحث في علم المكتبات.
2 - توحيد المصطلحات المنهجية وتشجيع الترجمة
وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي توحيد المصطلحات المنهجية العربية عبر معاجم متخصصة تعدها لجان من الأكاديميين والمهنيين، وتشجيع ترجمة المراجع الأساسية في المنهجية والإحصاء. وحين يستقر المصطلح تتحسن جودة الكتابة وتسهل المقارنة بين الدراسات، ويقل الارتباك الذي يعانيه الطلبة أثناء قراءة المراجع بلغات مختلفة.
3 - التأصيل النظري وتوطين المفاهيم
ومن جهة أخرى، يتطلب التطوير عناية بالتأصيل النظري وتوطين المفاهيم، بأن يبني الباحث إطارا نظريا واضحا، ويختبر صلاحية النماذج الغربية في بيئته قبل اعتمادها. ويمكن للدراسات العربية أن تقدم نماذج محلية لسلوك المعلومات والخدمات، تنبثق من خصوصيات اللغة والثقافة والمؤسسات، فتسهم في إثراء التخصص عالميا.
4 - تدريب الباحثين على البرمجيات والتحليل
وفي هذا السياق، يلزم تدريب الباحثين على برمجيات التحليل الإحصائي وإدارة المراجع والتحليل الببليومتري والكيفي، مثل SPSS وR وVOSviewer وNVivo، إلى جانب أساسيات البرمجة بلغة R أو بايثون. والهدف ليس إتقان الأدوات في ذاتها، بل فهم منطق التحليل حتى يكون الاختيار واعيا والتفسير سليما.
5 - تعزيز الدراسات البينية
وأخيرا، يفيد تعزيز الدراسات البينية مع علم الاجتماع وعلم النفس وعلوم الحاسوب والإحصاء والتربية، من خلال مشاريع مشتركة وإشراف متعدد التخصصات. فالتخصص بطبيعته ملتقى معارف، ومن الحكمة أن يستفيد من خبرات العلوم المجاورة في المنهج والتحليل، بدل أن يكتفي بعزلة قد تحد من تجدده.
المطلب الثاني - التطوير المنهجي والتطبيقي
1 - اعتماد المناهج المختلطة والتثليث المنهجي
من أهم سبل التطوير اعتماد المناهج المختلطة (Mixed Methods) التي تجمع بين البيانات الكمية والكيفية، كأن يبدأ الباحث باستبيان واسع ثم يتعمق في نتائجه بمقابلات مع عينة صغيرة. ويعزز التثليث المنهجي الثقة في النتائج، لأنه يتحقق من الظاهرة من زوايا متعددة، ويكشف ما تخفيه الأرقام من دوافع وسياقات.
2 - تشجيع الدراسات التجريبية وشبه التجريبية
وعلاوة على ما سبق، ينبغي تشجيع الدراسات التجريبية وشبه التجريبية، كاختبار أثر دورة تدريبية على مهارات الاستخدام، أو مقارنة طريقتين في عرض نتائج البحث في الفهرس. وتتطلب هذه الدراسات تعاونا مع إدارات المكتبات، لكنها تقدم أدلة أقوى على فعالية الخدمات، وتنقل التخصص من الوصف إلى التقويم المبني على الدليل. وبذلك تتسع مناهج البحث في علم المكتبات لتشمل التقويم التجريبي للخدمات.
3 - توظيف الببليومتريا والتنقيب في النصوص وتحليل البيانات الضخمة
وبناء على ذلك، يوصى بتوظيف الببليومتريا والتنقيب في النصوص وتحليل البيانات الضخمة لدراسة اتجاهات البحث وشبكات التعاون وموضوعات الاهتمام. ويشترط في هذه الدراسات توثيق استراتيجية البحث وقواعد البيانات والمدة الزمنية ومعايير التنظيف، حتى يمكن إعادة الدراسة والتحقق منها من قبل باحثين آخرين.
4 - تحسين تصميم الأدوات وضبط صدقها وثباتها
ومن جهة أخرى، يجب تحسين تصميم الأدوات بصياغة أسئلة واضحة محايدة، وعرضها على محكمين مختصين، وتجريبها على عينة استطلاعية، ثم حساب معاملات الثبات المناسبة لنوع الأداة. وينبغي أن يعرض الباحث هذه الإجراءات في دراسته بشفافية، لأنها جزء من الحجة العلمية التي تمنح النتائج قيمتها.
5 - إتاحة البيانات البحثية وفق مبادئ الإتاحة المفتوحة
وأخيرا، تسهم إتاحة البيانات البحثية وفق مبادئ الإتاحة المفتوحة في تطوير التخصص، ومنها مبادئ FAIR التي تدعو إلى أن تكون البيانات قابلة للعثور وللوصول وللتشغيل البيني وإعادة الاستعمال. وإيداع البيانات في مستودعات موثوقة يتيح التحقق من النتائج ويقلل تكرار الجهد، شرط احترام خصوصية المشاركين.
المطلب الثالث - التطوير المؤسسي والرقمي وآفاقه
1 - تفعيل التحكيم العلمي ومعايير الجودة
يتطلب التطوير المؤسسي تفعيل التحكيم العلمي ومعايير الجودة في المجلات والمؤتمرات والمناقشات الجامعية، بحيث يطالب الباحث بتبرير منهجه وأدواته وعينته. وتساعد قوائم المراجعة المنهجية المعتمدة على رفع مستوى الدراسات، وتشجع الباحثين على الاعتناء بالتفاصيل الإجرائية التي كانت تهمل في بعض الأعمال. وهكذا ترتقي مناهج البحث في علم المكتبات حين يسندها نظام تحكيم صارم.
2 - دعم مخابر البحث وربط الجامعات بالمكتبات
ومما يعزز هذا التوجه دعم مخابر البحث وربط الجامعات بالمكتبات ومراكز المعلومات عبر اتفاقيات تتيح الوصول إلى البيانات وتجريب الحلول ميدانيا. فالمكتبة ليست موضوع دراسة فحسب، بل شريك في الإنتاج المعرفي، وحين تشارك في تصميم الدراسات تزداد فرص الاستفادة من نتائجها وتتحسن جودة البيانات المتاحة للباحثين. ومن شأن هذه الشراكة أن تطور مناهج البحث في علم المكتبات بإتاحة ميدان تجريب حقيقي.
3 - ترسيخ أخلاقيات البحث وحماية البيانات
وفي ضوء ذلك، يجب ترسيخ أخلاقيات البحث، من الأمانة العلمية والتوثيق الدقيق إلى حماية بيانات المشاركين. ويقتضي ذلك الحصول على موافقة مستنيرة وإخفاء الهوية وتحديد مدة حفظ البيانات، مع اعتماد لجان أخلاقيات في الجامعات، لأن الثقة في البحث لا تقوم على سلامة المنهج وحده بل على سلامة الممارسة أيضا.
4 - الذكاء الاصطناعي والأتمتة في البحث المكتبي
وفي المقابل، تفتح تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة آفاقا جديدة، كتلخيص الأدبيات وتصنيف النصوص واستخراج الكيانات والفهرسة الآلية. غير أن استعمالها يستدعي حذرا منهجيا، لأن النماذج قد تخطئ وتنسب مراجع غير موجودة، ولذلك يجب التحقق البشري من كل مخرجاتها وتوثيق طريقة استعمالها داخل الدراسة.
5 - اقتراحات لبناء مدرسة عربية في البحث المكتبي والمعلوماتي
وأخيرا، يمكن أن تسهم الخطوات الآتية في بناء مدرسة عربية متميزة في مناهج البحث في علم المكتبات والمعلومات.
- إنشاء شبكة عربية للباحثين في المنهجية تنظم لقاءات وورشات دورية.
- إعداد معجم عربي موحد لمصطلحات المنهجية وتحيينه باستمرار.
- إطلاق مستودع عربي للبيانات البحثية في التخصص وفق مبادئ الإتاحة المفتوحة.
- تشجيع المشاريع المشتركة بين الجامعات والمكتبات الوطنية ومراكز المعلومات.
- إدراج مادة أخلاقيات البحث والذكاء الاصطناعي في برامج التكوين.
الخاتمة
لقد حاول هذا المقال أن يقدم رؤية متكاملة عن مناهج البحث في علم المكتبات والمعلومات، فعرض تطور التخصص من علم المكتبات إلى علم المكتبات والمعلومات، وتتبع مراحل المناهج من الدراسات التاريخية والوصفية إلى المسوح والقياس الببليومتري ثم المناهج الكيفية والمختلطة والبحوث الرقمية. ثم تناول الإشكالات المعرفية والتطبيقية والمؤسسية، وشخص واقع البحث في العالم العربي بحذر منهجي.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن جودة البحث في التخصص مرتبطة بحسن اختيار المنهج وضبط الأدوات وتكامل المقاربات. ومن أبرز النتائج هيمنة المنهج الوصفي والمسحي، وضعف التكوين المنهجي والإحصائي، وغموض المصطلحات، وقلة الجمع بين المناهج، وضعف الربط بين البحوث وقرارات المؤسسات، وهي إشكالات تتطلب معالجة تجمع بين التكوين والتنظيم والتقنية.
وبناء على هذه النتائج، نوصي بتعزيز التكوين المنهجي وتوحيد المصطلحات ودعم الدراسات التجريبية والببليومترية والمناهج المختلطة، وبترسيخ أخلاقيات البحث وإتاحة البيانات. أما آفاق البحث المستقبلية فتتمثل في توظيف المناهج الرقمية والذكاء الاصطناعي في علم المكتبات والمعلومات بحذر علمي، وفي دراسة ميدانية شاملة لمناهج الرسائل الجامعية العربية ، وهو ما سيعزز مكانة مناهج البحث في علم المكتبات بوصفها ركيزة لتطوير التخصص وخدمة المجتمع.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه