| المرحلة التاريخية | النمط المعماري السائد | الفلسفة والهدف الأساسي | الوسائل الهندسية المستخدمة |
|---|---|---|---|
| عصر الحصون (القلاع) | العمارة العسكرية الدفاعية | تحقيق الأمن والردع وحماية مركز الحكم | أسوار سميكة، خنادق مائية، أبراج مراقبة، مواقع جبلية صعبة |
| عصر القصور (النهضة) | العمارة الجمالية الكلاسيكية | إظهار القوة والنفوذ عبر البذخ والفن والثقافة | حدائق ممتدة، نوافير، تماثيل، واجهات زجاجية وزخارف داخلية دقيقة |
| العصر الحديث (المتاحف) | العمارة المستدامة والترميم الوظيفي | حفظ الذاكرة التاريخية وتوطين المعرفة والتربية الثقافية | ممرات انسيابية للزوار، تقنيات إضاءة متحفية، أنظمة حماية ذكية للأثر |
في صمت الحجارة العتيقة تكمن حكايات لا تنام، وكأنها كائنات حية تتنفس عبر الركام والزمن. لقد بدأت علاقة الإنسان بالبناء من حاجة غريزية صرفة؛ مجرد مأوى يقيه غائلة الطبيعة والوحوش. لكن، ومع تدفق القرون، تحولت تلك الجدران الطينية والخرسانية البسيطة إلى سجلات تاريخية شاسعة، نقشت عليها الأمم ملاحمها، وهزائمها، وأفراحها، لتصبح العمارة التاريخية أصدق وثيقة كتبتها البشرية بأزاميل من حديد على صفحات من صخر.
إن القلاع والقصور الشامخة التي تزين جغرافيا عالمنا اليوم، ليست مجرد جدران صامتة أو تراكمات هندسية مصمتة، بل هي شواهد حية تنبض بعبقرية الإنسان الذي صممها. إنها المرآة الإنسانية الأوضح التي تعكس تطور الفكر البشري؛ إذ تروي لنا كيف ارتقى هذا الكائن من مرحلة "الدفاع عن البقاء" والتمترس خلف الأسوار العريضة خوفاً من الغزاة، إلى مرحلة الاستقرار والرفاهية التي تجلت في "صناعة الجمال والثقافة"، حيث تراقصت النوافير وازدهرت الفنون في ردهات القصور.
من هنا، يأخذنا هذا المقال في رحلة عبر الزمن لتقفي أثر التحول التاريخي والدراماتيكي لهذه الصروح العظيمة. فرغم أنها نُحتت في الأصل لغايات عسكرية وسياسية صارمة إذ كانت إما حصوناً للموت والقتال أو معاقل مغلقة للسلطة والحكم إلا أنها خاضت مخاضاً زمنياً طويلاً، لتبلغ في عصرنا الحالي دوراً مغايراً تماماً؛ حيث تحولت إلى متاحف مفتوحة، ومراكز إشعاع حضاري، تحمي الذاكرة الإنسانية المشتركة بعد أن كفت عن حماية الحدود.
المحور الأول: العمارة التاريخية كمرآة للحضارة (فلسفة البناء)
لا يمكننا قراءة التاريخ قراءة صادقة بمجرد الاعتماد على المخطوطات والكتب؛ فالتاريخ المكتوب قد يكتبه المنتصرون، أما "التاريخ المبني" فتنحته الشعوب ولا يكذب أبداً. من هنا، تتجاوز العمارة التاريخية في القلاع والقصور فكرة كونها مهارة هندسية، لتصبح فلسفة قائمة بذاتها، ومجسّماً مادياً يعكس روح العصر وجوهر الحضارة التي أنجبتها.
1. الهندسة انعكاس للواقع المعيش
إن التصميم المعماري لأي قلعة أو قصر هو في الحقيقة انعكاس دقيق لطبيعة الحياة اليومية والظروف السياسية والاجتماعية السائدة وقت بنائها.
- في فترات الحروب والاضطرابات: كانت الهندسة قاسية، جافة، ونفعية؛ تطغى عليها الأسوار الشاهقة العريضة، والنوافذ الضيقة (المرامي) التي لا تسمح إلا بمرور السهام، والمداخل الملتوية لعرقلة المهاجمين.
- في فترات الاستقرار والثراء: كانت الجدران تتراجع لتفسح المجال للحدائق الغناء، والاتساع، والزخارف المعقدة.
ولم تكن هذه الصروح لتعكس الحالة الأمنية فحسب، بل كانت تجسيداً صارخاً لـ الطبقية الاجتماعية؛ فبينما كان عامة الشعب يعيشون في بيوت طينية أو خشبية بسيطة حول الحصن، كانت القلاع والقصور ترتفع شاهقة لتكرس الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وتعلن عن حجم الثراء الأسطوري والنفوذ الذي تمتلكه النخبة الحاكمة.
2. تداخل السياسة بالعمارة: لغة القوة والهيبة
عبر التاريخ، استُخدمت العمارة كأداة بروباغندا سياسية ونفسية بالغة الذكاء قبل أن تُعرف العلوم السياسية الحديثة. لقد كانت القصور تُمثّل رموزاً للسلطة المطلقة والهيبة؛ فبناؤها بقاعات عرش شاسعة، وسقوف شاهقة الارتفاع، وممرات طويلة تجعل الزائر أو السفير الأجنبي يشعر بالصِغار والرهبة وهو يتقدم نحو الملك، وهو إسقاط معماري مقصود لترسيخ هيبة الدولة.
في المقابل، كانت القلاع والقصور تمثل رموزاً للمنعة والسيادة؛ إذ كانت تُبنى على قمم الجبال الوعرة أو عند مضايق البحار، لتكون بمثابة "قبضة حديدية" مرئية للجميع، تبعث برسالة واضحة للأعداء في الخارج، وللثوار في الداخل: -"هنا تقف دولة عصية على الانكسار.
3. التمازج الثقافي: حوار الحضارات فوق الحجارة
على الرغم من أن القلاع والقصور كانت في كثير من الأحيان ساحات للصراع، إلا أنها تحولت ويا للمفارقة إلى جسور ثقافية فريدة لنقل العلوم والفنون بين الأمم. لم تكن العمارة تنمو في معزل، بل كانت تتأثر وتؤثر عبر الاحتكاك الحضاري:
- العمارة الإسلامية في الأندلس: يقف قصر الحمراء في غرناطة شاهداً على هذا التمازج؛ حيث التقت العبقرية الهندسية الإسلامية في توزيع المياه والإضاءة مع الفنون الزخرفية المحلية، لتنتج طرازاً "مدجناً" أبهر الغرب وتبنّاه حتى بعد خروج المسلمين.
- القلاع البيزنطية والصليبية: عندما جاء الصليبيون إلى الشرق، بهرتهم هندسة الحصون الإسلامية والبيزنطية (مثل استخدام الأبراج الدائرية بدلاً من المربعة لأنها أكثر مقاومة للمنجنيق). فنقلوا هذه التقنيات معهم إلى أوروبا، مما أحدث ثورة في بناء القلاع الأوروبية في العصور الوسطى.
إن هذا التمازج يثبت أن الحروب تزول، والسياسات تتغير، لكن الحوار الجمالي والفني الذي دار بين الحضارات يظل محفوراً في تلافيف حجارة القلاع والقصور، شاهداً على أن الإبداع الإنساني هو إرث عالمي مشترك.
المحور الثاني: القلاع كحصون دفاعية (زمن الحرب والمنعة)
قبل أن تصبح القلاع معالم سياحية تلتقط فيها الصور التذكارية، كانت عبارة عن "آلات حرب" جبارة مصنوعة من الحجر. في العصور التي سادت فيها لغة السيف والمنجنيق، لم يكن بناء القلعة ترفاً هندسياً، بل كان مسألة حياة أو موت، وتجسيداً صارخاً لغريزة البقاء الإنسانية في أوقات المحن والحروب.
1. فلسفة البناء العسكري: العبقرية الاستراتيجية في مواجهة الموت
قامت فلسفة بناء القلاع والقصور على مبدأ "التفوق المكاني والتحصين المطلق". لم يكن اختيار موقع القلعة عشوائياً قط، بل كان يخضع لدراسة استراتيجية دقيقة:
- اختيار المواقع المرتفعة: كانت القلاع تُشيد فوق قمم الجبال الشاهقة، أو التلال الوعرة، أو الجروف الصخرية المطلة على البحار. هذا الارتفاع يمنح المدافعين ميزة جغرافية هائلة؛ حيث يقع المهاجم تحت وطأة الجاذبية والتعب، بينما يتمتع من في الأعلى بـ رؤية بانورامية تكشف تحركات الأعداء من على بعد كيلومترات.
- الأسوار العريضة والمتعددة: لم تكن الأسوار مجرد جدران، بل كانت منظومات دفاعية معقدة، تُبنى بسماكة تصل أحياناً إلى عدة أمتار لامتصاص ضربات المنجنيق. وغالباً ما كانت القلعة تضم خطوط دفاع متتابعة (سور خارجي يليه سور داخلي أكثر تحصيناً).
- الخنادق المائية والجافة: كانت تُحفر حول الأسوار لمنع الأعداء من تقريب أبراج الحصار أو حفر أنفاق أسفل الجدران لإسقاطها.
- أبراج المراقبة والمرامي: صُممت الأبراج بشكل دائري أو بارز لتغطية الزوايا الميتة، وتوزيع "المرامي" (الفتحات الضيقة في الجدران) التي تسمح للرماة بإطلاق السهام أو صب الزيوت المغلية والمواد الحارقة على المهاجمين بأمان تام.
2. الحياة داخل الحصن: مجتمعات مصغرة في وجه الحصار
لم تكن القلعة مجرد ثكنة عسكرية يبيت فيها الجنود، بل كانت بمثابة مدينة مصغرة ومكتفية ذاتياً، مصممة للصمود أمام الحصارات الطويلة التي قد تدوم لأشهر أو لسنوات.
لتحقيق هذا الاكتفاء، كانت القلاع تحتوي على منظومات عبقرية لتخزين المياه (صهاريج ضخمة تحت الأرض تجمع مياه الأمطار)، ومستودعات هائلة لتخزين الحبوب والأغذية المجففة، وطواحين، ومخابز، ومزارع صغيرة، بالإضافة إلى مقابر ومصحات لعلاج الجرحى. كانت الحياة داخل الحصن أثناء الحصار اختباراً حقيقياً للمطاولة والنظام؛ حيث يتحول الجميع (من عائلات، وحرفيين، وجنود) إلى خلية نحل تعمل بإنتاجية صارمة لضمان ألا يفتح الجوع أو العطش أبواب القلعة التي عجز العدو عن دكّها.
3. أمثلة حية: صروح خلدها التاريخ
تنتشر حول العالم قلاع وقفت سداً منيعاً أمام أعظم جيوش التاريخ، وما زالت جدرانها تحكي قصص ذلك الصمود:
- قلعة حلب (سوريا): تُعد من أقدم وأكبر القلاع في العالم، وهي نموذج إعجازي للعمارة العسكرية الإسلامية. بفضل خندقها العظيم الممتد، وبواباتها المحصنة الملتوية، وموقعها الشاهق فوق تل طبيعي، ظلت عصية على أعتى الإمبراطوريات، وشاهدة على عبقرية التصميم الدفاعي عبر العصور.
- قلعة صلاح الدين الأيوبي (القاهرة): التي بناها القائد صلاح الدين فوق جبل المقطم لحماية القاهرة من الهجمات الصليبية. تميزت بـ "بئر يوسف" الأسطوري، وهو بئر حُفر في الصخر بعمق هائل لتأمين المياه للقلعة في حال الحصار، مما يمثل قمة التحدي الهندسي لظروف الحرب.
- قلاع أوروبا في العصور الوسطى (مثل قلعة كونوي في ويلز أو قلعة شيلون في سويسرا): التي تعكس النظام الإقطاعي الأوروبي؛ حيث كانت القلعة حصناً للملك أو اللورد، وملاذاً أخيراً لجميع سكان البلدات المحيطة عند تعرضهم لغزو خارجي.
إن هذه القلاع والقصور، بصمودها الأسطوري، أثبتت أن الحجر عندما يمتزج بالعبقرية العسكرية، يتحول إلى قوة قادرة على تغيير مجرى التاريخ وإحباط طموحات الفاتحين.
المحور الثالث: القصور كمراكز للحكم والترف (زمن الاستقرار والازدهار)
عندما وضعت الحروب أوزارها، وتوطدت أركان الدول، تراجعت الحاجة إلى لغة الخنادق والأسوار الصارمة، لتولد من رحم الاستقرار فلسفة معمارية جديدة تماماً: فلسفة "القصور". إذا كانت القلاع قد بُنيت لردع الموت، فإن القصور شُيدت للاحتفاء بالحياة؛ إذ تحول الحجر من أداة للمنعة العسكرية إلى لوحة فنية تجسد قمة الرفاهية، والثراء، والسيادة السياسية المستقرة.
1. الانتقال من الحصن إلى القصر: هندسة الانفتاح والجمال
مع صعود الإمبراطوريات الكبرى واستقرار نظم الحكم، حدث تحول دراماتيكي في العمارة:
- تفكيك الأسوار وانفتاح المدى: استُبدلت الجدران المصمتة والسميكة بنوافذ زجاجية ضخمة وأقواس هندسية تسمح بدخول الضوء والهواء، وتحول التركيز من "التحصين الصارم" إلى الاتساع والفخامة.
- أنسنة الطبيعة (الحدائق والنوافير): لم تعد المياه تُخزن في صهاريج مظلمة تحت الأرض خوفاً من الحصار، بل أصبحت عنصراً جمالياً أساسياً يتدفق في النوافير الفوارة، والجداول الاصطناعية التي تخترق قاعات الاستقبال، والبرك العاكسة التي تضاعف جمال البنيان. وتحولت الأراضي المحيطة بالقصور إلى حدائق غناء (أشبه بالجنان الأرضية) صُممت بدقة هندسية لتعكس قدرة الإنسان على ترويض الطبيعة وتشكيلها.
- المواد الفاخرة: حلت الأخشاب النادرة، والرخام الملون، والفسيفساء المعقدة، والذهب المطعم باللازورد بدلاً من الأحجار الخشنة، لتتحول أسقف وجدران القلاع والقصور إلى تحف بصرية تسر الناظرين.
2. حواضن الفكر والفن: القصور كمنصات ثقافية قديمة
لم تكن القصور مجرد مقار سكنية للملوك أو مراكز لإدارة شؤون الحكم، بل كانت منصات ثقافية وإعلامية بمفهومها القديم. في تلك الردهات الفسيحة، وُلدت أعظم النتاجات الفكرية والفنية للإنسانية:
- رعاية النخبة: كان الملوك والسلاطين يتنافسون في جذب العلماء، والفلاسفة، والأطباء، والشعراء، والفنانين إلى بلاطهم، ويغدقون عليهم الأموال والمكانة الاجتماعية.
- صالونات معرفية: تحولت قاعات القصور إلى ساحات للمناظرات الفكرية، وقراءة الشعر، وعزف الموسيقى، وترجمة العلوم. في هذه البيئة المترفة والمستقرة، امتزجت السلطة بالمعرفة، فكان القصر ينتج الفكر والثقافة والتاريخ تماماً كما يُنتج القرارات السياسية والاتفاقيات الدولية.
3. أمثلة حية: رواق العظمة والجمال
تضم جغرافيا العالم قصوراً وقفت بمثابة قمم شاهقة في تاريخ الفن الإنساني، ومن أبرزها:
- قصر الحمراء (غرناطة، الأندلس): هو الأثر الأندلسي الأبرز الذي يختزل عبقرية العمارة الإسلامية في زمن الازدهار. في "فناء الأسود" و"قاعة الأختين"، تتجلى معجزة معمارية؛ حيث تتزاوج خطوط الماء المنسابة مع المقرنصات الجبسية الدقيقة التي تبدو كأنها دانتيل من حجر، منقوش عليها عبارة -"لا غالب إلا الله"-، ليعكس القصر روحانية الفن وعمق الحضارة.
- قصر فرساي (فرنسا): الرمز الأسمى للملكية المطلقة وعصر الأنوار الأوروبي. بناه الملك لويس الرابع عشر (ملك الشمس) ليكون تحفة من الباروك والروكوكو. بـ "قاعة المرايا" الأسطورية وحدائقه الهائلة التي تمتد على مساحات شاسعة، كان فرساي مركز الثقل السياسي والثقافي في أوروبا، ومحط أنظار العالم في الفخامة والاتساع.
- قصور العهد العثماني (مثل قصر توبكابي وقصر دولما باهتشة في إسطنبول): تعكس هذه القصور مراحل تطور الدولة؛ فبينما يمثل "توبكابي" ببنائه الأفقي الموزع على أفنية رحبة أصالة العمارة الإسلامية والشرقية وحاضنة الخلافة، يمثل "دولما باهتشة" (المطل على البوسفور) ذروة الترف والتأثر بالعمارة الأوروبية الحديثة، حيث تزدان قاعاته بأكبر ثريات الكريستال في العالم وأطنان من الذهب.
إن القلاع والقصور، في جوهرها، كانت إعلاناً صريحاً عن انتصار الحضارة والاستقرار؛ فحيثما حل الأمن، تخلت البشرية عن دروع الماضي، لتلبس حُلل القصور الفاخرة التي ما زال عبير فنها يفوح حتى اليوم.
المحور الرابع: التحول الكبير (من جبهات قتال وقصور حكم إلى متاحف حضارية)
لكل شيء في هذا الكون دورة حياة، ولم تكن القلاع والقصور باستثناء من هذه القاعدة. ومع ذلك، فإن نهايتها لم تكن فناءً أو اندثاراً، بل كانت بمثابة "مخاض بعث جديد". ومع تسارع عجلة الزمن وتغير وجه العالم، خضعت هذه الصروح لأكبر وأعمق تحول استراتيجي في تاريخها؛ إذ تخلت عن دورها كأدوات للصراع أو العزلة السياسية، لتصبح جسوراً للتواصل المعرفي والثقافي بين الأمم.
1. مرحلة التقاعد العسكري والسياسي: عندما تجاوز الزمن الجدران
جاءت اللحظة التي وقفت فيها أعتى القلاع وأفخم القصور عاجزة أمام سنن التطور والتغيير:
- تغير أدوات الحرب: مع اختراع المدافع الحديثة، والأسلحة المتفجرة بعيدة المدى، ثم الطيران الحربي، فقدت الأسوار الحجرية العريضة والخنادق المائية قيمتها الدفاعية. فالقلاع التي كانت عصية على المنجنيق والسهام، باتت أهدافاً سهلة وبلا جدوى عسكرية في الحروب الحديثة.
- تغير نظم الحكم: مع أفول عهد الملكيات المطلقة والأنظمة الإقطاعية، وصعود الدول الحديثة القائمة على المؤسسات والديمقراطية، لم تعد القصور الشاسعة والمغلقة صالحة لإدارة شؤون الحكم الحديثة التي تتطلب مبانٍ وزارية وإدارية عملية ومنفتحة.
وهكذا، دخلت هذه المباني العظيمة مرحلة "التقاعد"، وبدت لفترة من الوقت وكأنها أطلال مهجورة تنتمي إلى ماضٍ سحيق.
2. إعادة التوظيف الثقافي: بعث الروح في جسد الحجر
لحسن حظ الذاكرة الإنسانية، لم تترك الأمم هذه الكنوز المعمارية لتواجه مصير الهدم أو النسيان، بل ابتكرت مفهوماً هندسياً وحضارياً راقياً يُعرف بـ "إعادة التوظيف الثقافي" (Adaptive Reuse).
لقد أدركت الدول أن القيمة الحقيقية لهذه الصروح لا تكمن في وظيفتها الأصلية (القتال أو الحكم)، بل في قيمتها الرمزية والتاريخية. فتحولت القلاع والقصور بلمسات ترميمية ذكية إلى متاحف مفتوحة ومزارات سياحية عالمية. فالممرات التي كانت تضج بوقع أقدام الجنود المدججين بالسلاح، باتت تعج بخطوات السياح والباحثين عن المعرفة. وقاعات العرش التي كانت تُحاك فيها المؤامرات السياسية، تحولت إلى صالات لعرض اللوحات الفنية والمخطوطات النادرة، لتصبح هذه المباني الحارس الأوفى للهوية الوطنية للدول والمجتمعات.
3. أهمية التحول: متاحف حية تربط الماضي بالمستقبل
إن تحويل القلاع والقصور إلى متاحف ومزارات حضارية ليس مجرد خطوة لحفظ الحجارة، بل هو استثمار ذو أبعاد عميقة:
- ربط الأجيال بالهوية: تُمثّل هذه "المتاحف الحية" آلة زمن حقيقية؛ فالكتاب يمنحك المعلومة، لكن الوقوف بين جدران قلعة أو في ردهة قصر يمنحك "الشعور بالتاريخ". إنها تتيح للأجيال الحالية ملامسة أمجاد أجدادهم، وفهم طبيعة حياتهم، وتحدياتهم، وعبقريتهم، مما يعزز قيم الانتماء والفخر بالهوية الوطنية.
- تنشيط الاقتصاد السياحي: تحولت هذه المعالم إلى قاطرة رئيسية للاقتصاد الثقافي والسياحي عالمياً. فملايين السياح يتدفقون سنوياً لرؤية قصر فرساي في فرنسا، أو قصر الحمراء في إسبانيا، أو قلعة حلب في سوريا، مما يساهم في خلق فرص العمل، وضخ موارد مالية ضخمة تُستغل بدورها في صيانة وتطوير هذه المعالم نفسها لتبقى مستدامة للأجيال القادمة.
لقد تخلت القلاع عن دروعها، وفتحت القصور بواباتها المغلقة، لتعلن للعالم أن الحجارة التي بنيت يوماً لتفرق بين الناس وتفصل بينهم في أزمنة الخوف، هي ذاتها اليوم التي تجمعهم تحت سقف واحد للاحتفاء بالإرث الإنساني المشترك.
الخاتمة
في ختام هذه الرحلة عبر تلافيف الزمن ودهاليز العمارة التاريخية، يتجلى لنا بوضوح أن القلاع والقصور لم تكن يوماً مجرد كتل صخرية صامتة، بل كانت وما زالت كائنات جغرافية تنبض بروح العصور التي شهدتها. إنها الوثائق المادية الأكثر صدقاً، والمرآة الأوضح التي انعكست عليها التحولات العميقة في الفكر البشري؛ فمن خلال هندستها ومصائرها، استطعنا قراءة قصة الإنسان في لحظات خوفه وتمترسه خلف الحصون، وفي أوقات أمنه واحتفائه بالجمال والفنون في رحاب القصور.
لقد برهن التاريخ على أن الوظيفة المادية للمباني قد تنتهي، لكن قيمتها الرمزية تظل عصية على الفناء. فالقلاع التي شُيدت بروح قاسية وعقلية عسكرية صارمة لتدير معارك الموت وحماية الحدود، والقصور التي أُغلقت بواباتها لتمثيل سلطة الحكم المطلق والترف الحصري، خاضت مخاضاً زمنياً طويلاً لتصل إلى أنبل أدوارها على الإطلاق في العصر الحديث. ومع التقاعد العسكري والسياسي لهذه الصروح، أعادت البشرية توظيفها بذكاء وحساسية حضارية، لتتحول من أدوات للفصل والقتال والعزلة، إلى متاحف حية مفتوحة، ومراكز إشعاع ثقافي عالمي يرتادها الجميع بلا استثناء.
إن الأهمية الكبرى لهذه "المتاحف الحية" تتجاوز اليوم قيمتها الاقتصادية أو السياحية؛ إذ أصبحت بمثابة صمامات أمان لحفظ الهوية الوطنية، وجسوراً متينة تربط الأجيال الحاضرة والمستقبلية بجذورها التاريخية. عندما يقف الإنسان المعاصر يتأمل نقوش قصر الحمراء، أو يلامس حجارة قلعة حلب الشامخة، فإنه لا ينظر إلى الماضي فحسب، بل يستلهم العبقرية والصمود لمواجهة المستقبل.
ختاماً، يمكن القول إن القلاع والقصور قد نجحت في العبور فوق جسر الزمن لتكسب الرهان ضد النسيان والاندثار. لقد تغيرت وظيفتها من حماية الأجساد والحدود في الماضي، إلى حماية الذاكرة والتاريخ في الحاضر. وبذلك، تظل هذه الصروح العظيمة شواهد حية على أن الحروب والسياسات والملوك يزولون جميعاً، وتبقى العمارة وحدها تروي للعالم قصة صمود الحضارة الإنسانية وإبداعها الذي لا يموت.
المراجع
- مرجع: : انور محمد يحيى الحاير , كتاب القصور والحصون والقلاع القديمة جنوب شبه الجزيرة العربية-
- مرجع: إحسان أكرم زينل , كتاب أسوار بغداد وتحصيناتها الدفاعية - بغداد المدورة ( 143 - 218 هـ )
- مرجع: مها محمد السيد , كتاب الحصون و التحصينات الدفاعية في شمال إفريقيا في العصر الروماني
- مرجع: فولفغانغ مولر , كتاب القلاع أيام الحروب الصليبية
[/قائمة المراجع]

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه