| وجه التمايز | السياق التاريخي (Context) | الإطار التاريخي (Framework) |
|---|---|---|
| الطبيعة الجوهرية | بيئة زمنية وظرفية مستقلة عاشها الماضي. | هيكل منهجي وتنظيمي يصنعه الباحث في الحاضر. |
| التركيز الأساسي | الظروف الفكرية والسياسية المحيطة باللحظة. | المراحل والمنعطفات التطورية لمتغيرات الدراسة. |
| السؤال الحاكم | لماذا حدث هذا؟ وماذا كان يحيط بالفاعلين؟ | كيف نشأت هذه المشكلة؟ وما مسار تحولها الزمني؟ |
| طريقة الصياغة | تحليل وصفي نقدي للأجواء والروابط العميقة. | تقسيم كرونولوجي (تتابعي) أو موضوعاتي مقنن. |
تأخذنا دراسة التاريخ إلى ما هو أعمق بكثير من مجرد سرد الحكايات أو تدوين تواريخ الأيام؛ إنها مغامرة فكرية لاستنطاق الماضي وفهم حركة المجتمعات البشرية. وفي هذا السياق، تبرز الأبعاد الثلاثية الزمان، المكان، والموضوع كأعمدة رئيسية لا غنى عنها لبناء أي معرفة تاريخية رصينة. بدون تحديد دقيق لـ "متى" وقع الحدث، و"أين" دارت فصوله، و"ماذا" ندرس فيه تحديداً، يتحول التاريخ إلى ركام عشوائي من الأخبار، ويفقد الباحث بوصلته العلمية وسط محيط متلاطم من التفاصيل المتشابكة. إن ضبط هذه الأبعاد هو أول خطوة عملية لتحويل المادة الخام للماضي إلى علم إنساني منظم وخاضع للتحليل والمساءلة.
ومن هذا المنطلق المنهجي، تتبلور إشكالية مقالنا الجوهرية في التساؤل التالي:
ما الفارق المنهجي والدلالي بين "السياق التاريخي" كبيئة حاضنة، و"الإطار التاريخي" كحدود هيكلية؟ وكيف يؤثر وعي الباحث بالفصل والتكامل بينهما على دقة التفسير التاريخي وصياغة نتائج علمية موضوعية؟
تكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يمس العصب الحساس للأمانة العلمية في الحقل التاريخي. إن التمييز الواعي بين الإطار الصارم والسياق المرن هو الدرع الواقي الذي يحمي الباحث من السقوط في واحدة من أكبر المعضلات المنهجية وأكثرها شيوعا، وهي معضلة "إسقاط الحاضر على الماضي" (Anachronism).
بدون هذا التمييز، يميل العقل البشري تلقائياً إلى محاكمة شخصيات الماضي ونصوصه وقراراته بمقاييس العصر الحالي وقيمه السياسية أو الأخلاقية أو المعرفية، وهو ما يؤدي حتماً إلى تزييف التاريخ وتشويهه. حين يعيد الباحث الحدث إلى "إطاره" الزمني والمكاني المنضبط، ثم يتنفس "سياقه" الفكري والاجتماعي والعقلي الجماعي السائد في تلك الحقبة، فإنه يكتسب القدرة على فهم دوافع البشر في زمانهم، لا في زماننا نحن؛ وبذلك ينقذ بحثه من السطحية، ويمنح التاريخ تفسيرا عادلا ودقيقا يعكس حقيقة ما جرى.
المحور الأول: السياق التاريخي (Historical Context) - روح الحدث
عندما نتحدث عن السياق التاريخي، فنحن لا نتحدث عن مجرد "ديكور" أو خلفية لقصة، بل نتحدث عن الشرايين المغذية للحدث، والتربة التي أنبتته. إن تفكيك هذا المفهوم بشكل موسّع وعميق يتطلب منا الغوص في أبعاده الثلاثة التي ذكرتها: التعريف، المكونات، والوظيفة المنهجية، لنرى كيف يتشكل "وعاء التاريخ".
أولا: التعريف (البيئة الحاضنة للحدث)
السياق التاريخي هو المجموع الكلي للظروف والمؤثرات التي تشكّل الواقع في لحظة زمنية معينة. هو ليس عنصراً واحداً، بل هو شبكة معقدة تتداخل فيها أربعة أبعاد أساسية:
- الظروف السياسية:
وتشمل طبيعة نظام الحكم القائم (هل هو ملكي مطلق، ديمقراطي ناشئ، احتلال أجنبي، أو دولة ممزقة؟)، وموازين القوى وصراعات النفوذ، والتشريعات والقوانين السائدة. هذه الظروف تحدد هوية "صاحب القرار" والمساحة المتاحة للحركة أو التعبير.
- الظروف الاقتصادية:
وهي عصب الحياة اليومية، وتتمثل في النظام الاقتصادي (إقطاعي، رأسمالي، زراعي تقليدي)، وحجم الثروات، ومستويات الفقر والبطالة، وطرق التجارة، والأزمات المالية كالمجاعات والتضخم. الاقتصاد هو المحرك الخفي الذي يدفع المجتمعات نحو الاستقرار أو الانفجار.
- الظروف الاجتماعية:
وتتعلق بتركيبة المجتمع وبنيته الطبقية (أشراف، عامة، عبيد، بورجوازية)، وطبيعة العلاقات بين هذه الطبقات، ومستوى العدالة الاجتماعية، وحقوق المرأة والأقليات. هذه البنية تحدد من يملك الامتيازات ومن يعاني من التهميش.
- الظروف الثقافية والدينية:
وهي المظلة الفكرية التي تشمل الفنون، والعلوم، والتيارات الفلسفية، والمعتقدات الدينية المهيمنة، ومدى تأثير المؤسسات الدينية على الحياة العامة. الثقافة هي التي توفر الأدوات والمفاهيم التي يعبر بها الناس عن أنفسهم ومطالبهم.
عندما تندمج هذه الأبعاد الأربعة، فإنها تخلق "البيئة الحاضنة"؛ وهي المناخ العام الذي لا يمكن للحدث التاريخي أن يولد أو ينمو إلا بداخله.
ثانيا: المكونات (مما يتشكل السياق؟)
لكي نرى السياق التاريخي بوضوح، يجب أن نبحث في مستويين رئيسيين يشكلان جوهره:
1. الأسباب المباشرة وغير المباشرة
الحدث التاريخي يشبه الزلزال؛ له سبب مباشر (الشرارة) وأسباب غير مباشرة (تراكم الضغط تحت الأرض):
- الأسباب غير المباشرة (البعيدة): هي التراكمات التاريخية الهادئة والبطيئة التي قد تستمر لعقود أو قرون. على سبيل المثال، عقود من القمع السياسي، والفساد المالي، والطبقية المقيتة. هذه الأسباب تهيئ المسرح وتجعل الوضع قابلاً للاشتعال في أي لحظة.
- الأسباب المباشرة (القريبة): هي "الشرارة" أو الحادثة المحددة التي تفجر هذا الوضع المحتقن. قد تكون قراراً سياسياً خاطئاً، أو اغتيال شخصية بارزة، أو أزمة اقتصادية مفاجئة. بدون الأسباب البعيدة، تظل الشرارة مجرد حادث عابر، ولكن بوجودها، تتحول الشرارة إلى ثورة أو حرب أو تحول تاريخي ضخم.
2. العقلية الجماعية (Mentalities)
هذا هو المكون الأكثر سحرا وعمقا في التحليل التاريخي. العقلية الجماعية تعني "كيف كان يفكر الناس في ذلك العصر؟" وليس كيف نفكر نحن الآن.
هي تشمل الأساطير المشتركة، والمخاوف الجماعية (مثل الخوف من الأوبئة أو نهاية العالم)، والقيم الأخلاقية، والنظرة إلى الكون والجسد والزمن، وحتى العادات اليومية غير المكتوبة.
لفهم أي حدث، لا يكفي أن تعرف ماذا فعلوا، بل يجب أن تفهم المنطق الفكري والنفسي الذي جعل أفعالهم تبدو "منطقية ومشروعة" في عيونهم، حتى لو بدت لنا اليوم غريبة أو وحشية.
ثالثا: الوظيفة المنهجية (لماذا وكيف؟)
إن التزام المؤرخ والباحث بالسياق التاريخي ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة حتمية لتحقيق الأمانة العلمية، وتتجلى هذه الوظيفة في نقطتين أساسيتين:
- الإجابة عن "لماذا وكيف حدث ذلك؟": السرد التاريخي السطحي يكتفي بذكر (ماذا حدث ومتى). أما السياق فهو الذي يتعمق ليجيب عن الأسئلة الحقيقية. إنه يربط الخيوط ببعضها ليوضح أن الحدث لم يكن فجائياً أو معزولاً، بل كان نتيجة حتمية لتفاعل الظروف السياسية والاقتصادية والنفسية للعصر.
- منح الحدث معناه الحقيقي ومنع عزل النصوص: أكبر خطيئة في قراءة التاريخ هي انتزاع نص (وثيقة، رسالة، معاهدة، فتوى) أو موقف تاريخي من بيئته ومحاكمته بمعايير القرن الحادي والعشرين. السياق التاريخي يعمل كـ "حارس بوابه" يمنع هذا التشويه. إنه يعيد النص إلى لحظته الزمنية الأصلية، ويشرح الظروف التي أملت على صاحب النص أن يكتبه بهذه الطريقة، والجمهور الذي كان يخاطبه، والضغوط التي كان يواجهها.
باختصار، السياق التاريخي هو الذي يحول التاريخ من مجرد "دفتر وفيات وأحداث جافة" إلى علم إنساني حي، يفسر حركة المجتمعات ويفهم دوافع البشر عبر العصور.
المحور الثاني: الإطار التاريخي (Historical Framework) - حدود الحدث
إذا كان السياق التاريخي يمثل البحر الفسيح الذي يسبح فيه الحدث، فإن الإطار التاريخي هو "حوض الرصد" الذي يبنيه الباحث ليعزل فيه ظاهرة محددة ويخضعها للدراسة الدقيقة. بدون هذا الإطار، يتحول البحث التاريخي إلى سرد لا ينتهي، ويتشتت الباحث في محيط من التفاصيل المتشابكة.
لنقم بتفكيك هذا المفهوم وشرح أبعاده الثلاثة (الثلاثية المنهجية) ووظيفته الحاسمة بشكل موسع وعميق، وبناءً على رغبتك، سنعتمد على السرد النثري التحليلي والمنظم بعيداً عن الجداول.
أولا: التعريف (الحدود الهيكلية والتقنية الصارمة)
الإطار التاريخي هو بمثابة "التفويض المنهجي" أو "خارطة الطريق التقنية" التي يضعها الباحث لنفسه قبل البدء في تقليب صفحات الماضي. هو عملية قطع واعية في جسد الزمن والجغرافيا والموضوع.
التاريخ في أصله نهر متصل لا يتوقف، والأحداث متشابكة بشكل يفتقر إلى الفواصل الطبيعية؛ فالسياسة تتداخل مع الاقتصاد، واقتصاد بلد ما يؤثر في جاره، وأحداث اليوم هي نتاج الأمس. لذلك، يأتي الإطار التاريخي كأداة اصطناعية، لكنها ضرورية جدا، يفرضها الباحث على هذا التدفق المستمر ليقول: "سأكتفي بدراسة هذا الجزء تحديداً، وسأغلق الأبواب أمام كل ما سواه".
ثانيا: المكونات الأساسية (الثلاثية المنهجية)
يقوم الإطار التاريخي على ثلاثة أعمدة رئيسية، إذا غاب أحدها انهار الانضباط المنهجي للبحث:
1. الإطار الزماني (متى؟)
هو تحديد نقطة انطلاق البحث (المبتدأ) ونقطة توقفه (المنتهى) بالتاريخ واليوم إن أمكن، أو بالسنة والقرن. لكن هذا التحديد لا يكون عشوائياً، بل يجب أن يتأسس على محطات تاريخية فارقة (Milestones).
على سبيل المثال، لا يختار الباحث عاماً لمجرد أنه رقم دائر، بل يختاره لأن حدثاً مفصلياً وقع فيه غيّر مجرى الأمور، مثل: معاهدة صلح، سقوط عاصمة، قيام ثورة، أو وفاة قائد. ضبط البداية والنهاية يمنع الباحث من الاسترسال في استعراض الجذور التاريخية البعيدة، أو التمادي في تتبع الآثار المستقبلية خارج نطاق دراسته.
2. الإطار المكاني (أين؟)
هو تحديد الحيز الجغرافي الذي تقع فيه الظاهرة المدروسة. وهنا يجب على الباحث أن يفرق بدقة بين نوعين من الجغرافيا:
- الجغرافيا الطبيعية: (مثل دراسة حوض البحر الأبيض المتوسط، أو شبه الجزيرة العربية، أو منطقة جبلية محددة) حيث تلعب الطبيعة والتضاريس الدور الأساسي في توجيه الحدث.
- الجغرافيا السياسية: (مثل حدود إمبراطورية معينة، أو دولة بحدودها السياسية في حقبة خاصة)، وهي حدود متغيرة؛ فـ "مصر" في العصر المملوكي تختلف في حدودها المكانية عن "مصر" في العصر العثماني أو الحديث. لذا، فإن تحديد المكان يتطلب وعياً بحدود ذلك العصر لا بحدود الأطلس الحالي.
3. الإطار الموضوعي (ماذا ندرس؟)
هو تحديد "النظارة" أو الزاوية النوعية التي سينظر الباحث من خلالها إلى الحدث. الأحداث التاريخية غنية جداً، ولا يمكن لـبث واحد أن يحيط بكل جوانبها، لذا يتم التركيز على مسار محدد:
- المسار السياسي والعسكري: يركز على العلاقات الدولية، المعارك، صعود الحكام وسقوطهم.
- المسار الاقتصادي: يركز على حركة التجارة، العملات، الضرائب، والإنتاج.
- المسار الفكري والثقافي: يركز على تطور الأفكار، التيارات الفلسفية، الفنون، والآداب.
هذا التحديد يحمي الباحث من الانزلاق إلى موضوعات جانبية لا تخدم فكرته الأساسية.
ثالثا: الوظيفة المنهجية (أداة الضبط ومنع التشتت)
تتجلى القيمة الحقيقية للإطار التاريخي في كونه صمام الأمان للباحث والتزاماً بالصرامة العلمية، وذلك من خلال مستويين:
- الإجابة الحاسمة على "متى، وأين، وماذا ندرس؟": هذه الأسئلة الثلاثة هي أول ما يواجه القارئ أو المقيم العلمي. عندما يحدد الباحث إطاره بوضوح، فإنه يضع عقداً واضحاً بينه وبين المتلقي، يحدد فيه مسؤولياته العلميّة. فلا يحق لأحد أن يسأله "لماذا لم تذكر المعركة الفلانية؟" إذا كانت تلك المعركة قد وقعت خارج نطاق سنوات دراسته أو في رقعة جغرافية أخرى.
- السيطرة على المادة العلمية ومنع التشتت: إن أكبر خطر يواجه أي باحث في التاريخ هو "تضخم المادة المصدرية". الوجبات التاريخية دسمة، والمراجع تقود إلى مراجع أخرى بلا نهاية. هنا يتدخل الإطار التاريخي كـ "مقص" يستبعد به الباحث كل وثيقة أو مخطوطة أو شهادة لا تقع داخل حدوده الزمانية والمكانية والموضوعية، مهما كانت تلك الوثيقة مثيرة أو ممتعة. إنه الأداة التي تحول الطاقة البحثية من "الانتشار الأفقي السطحي" إلى "العمق الرأسي المركّز".
باختصار، إذا كان السياق يمنح الحدث العمق والفهم، فإن الإطار يمنحه المنهج والحدود؛ وبامتزاجهما معاً تكتمل أدوات المؤرخ المحترف.
المحور الثالث: جدول المقارنة وأوجه الاختلاف والتقاطع
| وجه المقارنة | الإطار التاريخي (Historical Framework) | السياق التاريخي (Historical Context) |
| طبيعة المفهوم | ثابت وتنظيمي: يمثل الهيكل الجاف والمقص التقني الصارم الذي يفرضه الباحث على الحدث. | ديناميكي وتفسيري: يمثل البيئة الحية والأجواء المحيطة بالحدث وتياراتها المتداخلة. |
| الهدف الأساسي | رسم الحدود وتحجيم البحث: حماية الباحث من التشتت والضياع في تفاصيل التاريخ اللامتناهية. | الغوص في العمق وشرح الخلفيات: منح الحدث معناه الحقيقي وفهم الدوافع النفسية والفكرية لأصحابه. |
| الأسئلة التي يجيب عنها | يجيب على أسئلة التحديد: (متى، وأين، وماذا ندرس؟). | يجيب على أسئلة التفسير: (لماذا، وكيف حدث ذلك؟). |
| المكونات الأساسية | الثلاثية المنهجية: (الزمان الدقيق، المكان الجغرافي، والموضوع النوعي). | التراكمات: (الأسباب البعيدة، والظروف المحيطة، والعقلية الجماعية). |
| المرونة | صارم جداً: لا يسمح بتجاوز السنوات أو الرقعة الجغرافية المحددة في عنوان البحث. | مرن ومتسع: قد يعود لعقود وراء الحدث أو يتجاوز الحدود الجغرافية ليفسر ظاهرة معينة. |
المحور الرابع: أمثلة تطبيقية
مثال : ثورة التحرير الجزائرية 1954
أولا: تفكيك "الإطار التاريخي" للثورة (هندسة الحدث وحدوده)
في هذا الجانب، نحن نضع الحدود التقنية والميدانية الصارمة لدراستنا، ونرسم الخطوط التي تحصر حركة البحث في نقاط محددة:
- الحدود الزمانية الدقيقة:
تبدأ الدراسة من أول نوفمبر 1954 (لحظة اندلاع الرصاصة الأولى وإصدار بيان أول نوفمبر) وتنتهي في 5 جويلية (يوليو) 1962 (يوم الإعلان الرسمي للاستقلال). هذا التحديد الزمني يفرض على الباحث تركيز جهوده داخل هذه السنوات الثماني، فلا يسترسل في تفاصيل المقاومات الشعبية في القرن التاسع عشر، ولا يتعدى الاستقلال لدراسة بناء الدولة الحديثة.
- الحدود المكانية المحسوبة:
الحيز الجغرافي الأساسي هو أرض الجزائر بحدودها المعروفة وربوعها التي قُسمت إلى ست ولايات تاريخية عسكرية. ولكن لأن الثورة لم تكن معزولة، فإن الإطار المكاني هنا يتمدد بذكاء (وبشكل تقني منضبط) ليشمل "المحيط الإقليمي والدولي" الذي دارت فيه المعارك الدبلوماسية (مثل تونس والمغرب كقواعد خلفية، ومصر كداعم، وباريس كميدان للمفاوضات، وأروقة هيئة الأمم المتحدة في نيويورك).
- الحدود الموضوعية المحددة:
ينصب التركيز هنا على "الفعل الثوري" بوجّهيه التكامليين: العمل العسكري المسلح (جيش التحرير الوطني، المعارك، الاستراتيجيات الحربية ضد الاستعمار) والعمل السياسي الدبلوماسي (جبهة التحرير الوطني، الوفود الخارجية، المفاوضات، والاعتراف الدولي).
هذا الإطار يجيبنا بدقة عن: متى وأين وماذا ندرس؟ ويمثل الهيكل التنظيمي للبحث.
ثانيا: تفكيك "السياق التاريخي" للثورة (روح الحدث ومحركاته الخفية)
إذا اكتفينا بالإطار وحده، سنرى ثورة عظيمة، لكننا لن نفهم تماماً "لماذا وكيف" انفجرت في تلك اللحظة بالذات وب تلك القوة؟ هنا يأتي دور السياق التاريخي ليفكك لنا التراكمات والعقليات والمناخ العالمي والإقليمي الذي أنبت هذا الحدث:
- المناخ الدولي (تراجع العمالقة وصعود الفجر الجديد):
السياق العالمي كان يمر بمرحلة سيولة تاريخية كبرى بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945). القوى الاستعمارية التقليدية (فرنسا وبريطانيا) خرجت من الحرب منهكة ومثقلة بالديون والدمار، بينما صعد قطبان جديدان (أمريكا والاتحاد السوفيتي) في إطار الحرب الباردة. هذا التغير شجع على نمو حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا، وظهرت موجة تصفية الاستعمار كتيار تاريخي جارف لا يمكن إيقافه، ودعمتها محطات هامة مثل مؤتمر باندونغ (1955).
- الصدمة النفسية والعقلية الجماعية (مجازر 8 ماي 1945):
هذا الحدث يمثل "الشرخ الوجداني" الأعظم في العقلية الجماعية الجزائرية. بعد أن شارك الجزائريون في الحرب العالمية الثانية دفاعاً عن "الحرية" المزعومة للحلفاء، طالبا بوعود فرنسا بالاستقلال، فكان الرد الفرنسي وحشياً بمجازر سقط فيها آلاف الشهداء في سطيف وقالمة وخراطة. هذه الصدمة غيّرت القناعة الجماعية للنخبة والشعب من "إمكانية النضال السياسي السلمي والاندماج" إلى قناعة صارمة تقول: "ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة".
- المخاض السياسي الداخلي (أزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية):
سياق الثورة الداخلي كان يغلي بسبب انسداد الأفق السياسي داخل الحركة الوطنية الجزائرية، وتحديداً الأزمة الحادة التي عصفت بحزب "حركة انتصار الحريات الديمقراطية" والصراع بين "المصاليين" و"المركزيين". هذا الانسداد والانقسام هو الذي دفع بمجموعة من الشباب المتحمس والواعي (اللجنة الثورية للوحدة والعمل، ثم مجموعة الـ 22) إلى القفز فوق الخلافات السياسية الحزبية، وتجاوز العقم السياسي عبر تفجير العمل المسلح المباشر لتوحيد الجميع تحت راية جبهة التحرير الوطني.
بفضل الإطار التاريخي، استطعنا رصد سير المعارك العسكرية وتفاصيل مفاوضات إيفيان خطوة بخطوة بين 1954 و1962. وبفضل السياق التاريخي، أدركنا أن الثورة الجزائرية لم تكن مجرد تمرد معزول أو صدفة تاريخية، بل كانت الانفجار الحتمي لبركان من المعاناة الداخلية المتراكمة، التقى في لحظة عبقرية مع تيار التحرر العالمي وصدمة الوعي الجماعي بعد مجازر 1945.
الخاتمة
في ختام هذا التطواف المنهجي، يتجلى لنا بوضوح أن دراسة التاريخ ليست مجرد تجميع للوقائع أو رصد جاف لتواريخ الأيام، بل هي عملية هندسية تجمع بين دقة البناء وعمق الفهم. وإن التكامل بين الإطار التاريخي والسياق التاريخي يمثل حجر الزاوية في بناء أي معرفة تاريخية رصينة ومتوازنة.
وإذا أردنا صياغة خلاصة مركزة تلخص هذه العلاقة الجدلية، فيمكننا القول إن الإطار التاريخي هو "الوعاء" التنظيمي والتقني الذي يضمن للبحث انضباطه، ويحمي الباحث من التشتت والوقوع في فخ الانتشار الأفقي؛ فهو الذي يجيب بصرامة عن أسئلة الحدود: "متى، وأين، وماذا ندرس؟". وفي المقابل، يمثل السياق التاريخي "المحتوى" التفسيري والروحي الذي يضفي على هذه الحدود المعنى والديناميكية؛ فهو الأكسجين الفكري والعقلية الجماعية التي تجيب عن أسئلتي "لماذا وكيف؟"، مانعاً عزل النصوص والمواقف عن بيئتها الحاضنة، وحامياً للبحث من خطيئة إسقاط الحاضر على الماضي. فلا وعاء بلا محتوى يمنحه القيمة، ولا محتوى بلا وعاء يحفظه من التبدد.
وبناءً على هذه الرؤية المنهجية، تتوجه هذه الدراسة بـ توصية حاسمة للباحثين في الحقل التاريخي والعلوم الإنسانية عامة؛ وهي ضرورة الإبراز الواعي والدقيق لكلا المفهومين في مقدمات البحوث والأطاريح الأكاديمية. لا يجب أن يكتفي الباحث بذكر "الحدود الزمنية والمكانية" في مقدمته كإجراء شكلي، بل عليه أن يقرنها برسم ملامح "السياق العام" الذي ولدت في رحمه تلك الحدود.
إن هذا التحديد المزدوج في مستهل البحث يعد بمثابة "العقد المنهجي" بين الباحث والقارئ، وهو الضمانة الوحيدة لسلامة المنهج العلمي، وصمام الأمان الذي يقود إلى نتائج موضوعية قادرة على تفسير حركة التاريخ وصيرورته دون تشويه أو مجازفة. فالمؤرخ المحترف هو من يمسك بمقص "الإطار" ليرسم حدود لوحته، ويحمل في الوقت ذاته ألوان "السياق" ليعيد الحياة إلى تفاصيلها.
مراجع
- مرجع: صلاح الشعرواي , كتاب قطوف من الذاكرة التاريخية
- مرجع: جاسم سلطان , كتاب الذاكرة التاريخية للأمة
- مرجع: موبحة فوضيل , دليل كتاب التاريخ
مرجع: ازغيدي محمد لحسن , كتاب مؤتمر الصومام : وتطور ثورة التحرير الوطني الجزائرية
- مرجع: مجدي كامل , كتاب أحداث التاريخ الكبرى - أحداث جسام غيرت مجراه وحولت مساره
- مرجع: محمد المغربى , كتاب الأحداث التاريخية الكبرى بأقلام معاصريها
[/قائمة المراجع]

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه