رواد المنهج التجريبي:رحلة العقل البشري من التأمل إلى البرهان التطبيقي

👨‍🔬

رواد المنهج التجريبي: العقول التي أسست العلم الحديث 🧪

لم يكن المنهج التجريبي وليد الصدفة، بل كان ثمرة جهود تراكمية لعلماء وفلاسفة رفضوا التسليم بالأفكار المسبقة دون برهان. هؤلاء الرواد وضعوا القواعد الصارمة للملاحظة والقياس التي نسير عليها اليوم:

01
الحسن بن الهيثم (مؤسس علم البصريات): يُعد الرائد الأول الذي أدخل التجربة العملية كشرط أساسي لصحة النظرية العلمية، معتمداً على الاستقراء والتمثيل الرياضي.
02
فرانسيس بيكون (المنهج الاستقرائي الحديث): دعا في كتابه "الأورجانون الجديد" إلى التخلص من الأوهام العقلية والاعتماد على الملاحظة المباشرة وجمع البيانات للوصول إلى القوانين.
03
جاليليو جاليلي (أبو العلم الحديث): دمج بين التجربة الفيزيائية والقياس الكمي، مؤكداً أن كتاب الطبيعة مكتوب بلغة رياضية لا تُفهم إلا بالتجريب.

الأثر المستمر: بفضل هؤلاء الرواد، تحول البحث العلمي من مجرد "وجهات نظر" إلى حقائق كونية قابلة للاختبار، مما مهد الطريق لكل الثورات الصناعية والتقنية اللاحقة.

الكلمات الدلالية: رواد المنهج التجريبي ابن الهيثم فرانسيس بيكون جاليليو جاليلي تاريخ العلم الاستقراء العلمي الملاحظة والتجربة
رواد المنهج التجريبي رحلة العقل البشري من التأمل إلى البرهان التطبيقي

منذ فجر الحضارة الإنسانية، وقف الإنسان أمام الظواهر الطبيعية حائراً، يبحث في جعبة العقل عن تفسير شافٍ لما يرى ويسمع. كان التفكير الفلسفي المجرد والمنطق الصوري الأرسطي سيدَ الموقف لقرون طويلة؛ فكانت الحقيقة تُستنتج من المقدمات الكبرى لا من الطبيعة ذاتها، وكان الواقع يُقاس بالمعيار النظري لا بالتجربة المباشرة. غير أن التاريخ شهد نقلة نوعية عظيمة حين قرر نفر من العقول المتوهجة أن يكسروا هذا القيد، وأن يواجهوا الطبيعة وجهاً لوجه.

هؤلاء هم رواد المنهج التجريبي، الذين لم يقبلوا بالموروث دون تمحيص، ولم يُسلّموا بالحجة الكلامية دون برهان عملي. بفضل إسهاماتهم العبقرية، انتقل العلم من التخمين والتأمل إلى التجربة والقياس، ومن الافتراضات النظرية إلى الاستنتاجات المبنية على الأدلة. إن فهم مسيرة رواد المنهج التجريبي هو في جوهره فهم لكيفية بناء المعرفة الإنسانية لبنةً فوق لبنة، وجيلاً يعلّم جيلاً، عبر سلسلة متصلة من العطاء الفكري لم تنقطع حتى اليوم.

إن المنهج التجريبي، بمعناه الأشمل، هو ذلك الأسلوب العلمي الذي يقوم على الملاحظة الدقيقة للظاهرة، ثم صياغة فرضية تفسيرية، ثم اختبار هذه الفرضية تجريبياً بطريقة منظمة قابلة للتكرار، ثم استخلاص النتائج وتعديل النظرية في ضوئها. هذه الخطوات التي نعدّها اليوم من البديهيات العلمية لم تكن كذلك من قبل، بل كانت ثورة فكرية حقيقية تجرّأ عليها رواد المنهج التجريبي في أزمنة كان الخروج عن السائد يكلف أحياناً الحرية أو الحياة.

ابن الهيثم: العبقرية العربية ومؤسس المنهج التجريبي الأول

إذا كان ثمة اسم واحد يستحق أن يُنقش بحروف من ذهب في ذاكرة تاريخ العلم، فهو الحسن بن الهيثم البصري (965 – 1040م)، العالم الموسوعي الذي أعاد رسم خريطة العلوم الطبيعية في العصور الوسطى. ويُجمع المؤرخون والعلماء المعاصرون على أن ابن الهيثم هو الرائد الأول من بين رواد المنهج التجريبي، وذلك لسبب جوهري: إنه لم يكتفِ بانتقاد المنهج النظري، بل أسّس فعلياً لمنهجية بحثية جديدة قائمة على الدليل الحسّي التجريبي.

تجلّى عبقريته في كتابه الخالد 'المناظر' الذي كتبه خلال إقامته الجبرية في القاهرة تحت الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. في هذا الكتاب الذي يضم سبعة أجزاء، أحدث ابن الهيثم ثورة كوبرنيكية في علم البصريات: فقد دحض نظرية الإبصار الإغريقية القائلة بأن العين تُصدر أشعة تلتقط الأشياء، وأثبت بالتجربة المنظمة أن الإبصار يحدث حين تنعكس الأشعة الضوئية من الأجسام وتدخل إلى العين. لم يكتفِ بالقول النظري، بل صنع أجهزته وغرفه المعتمة وأجرى تجاربه مرات عديدة حتى تأكّد من صحة استنتاجاته.

الأهم من النتائج العلمية ذاتها هو المنهج الذي اتبعه ابن الهيثم، والذي يمثل الهيكل الأصيل لما يُعرف اليوم بالمنهج العلمي الحديث. فقد كان ينطلق من الملاحظة الدقيقة للظاهرة، ثم يُصيغ فرضية، ثم يُصمّم تجربة للتحقق منها، ثم يُحلّل النتائج ويُصوغ استنتاجاته. وما يجعله متميزاً بين رواد المنهج التجريبي هو تأكيده المستمر على ضرورة التحقق من الفرضيات قبل القبول بها، وهو ما عبّر عنه في جملته الشهيرة التي باتت شعاراً للتفكير العلمي الحر عبر العصور:

"الحقيقة تُطلب لذاتها، والحقيقةُ منشودةٌ دائماً في كل موضع"

لم يقتصر عمل ابن الهيثم على علم البصريات، بل امتد إلى الفيزياء والرياضيات والفلك والطب والفلسفة الطبيعية. غير أن ما يبقى أكثر أهمية وديمومة من أي اكتشاف بعينه هو روحه العلمية، تلك الروح التي جعلت منه الجدَّ الحقيقي لرواد المنهج التجريبي في الشرق والغرب على حد سواء. وقد اعترف بذلك علماء الغرب أنفسهم؛ إذ أكد روجر بيكون ولاحقاً فرانسيس بيكون تأثيرهم الواضح بكتاباته، مما يجعل ابن الهيثم حلقة الوصل الأولى في سلسلة ذهبية من العقول العلمية التي غيّرت مسار التاريخ.

روجر بيكون: الراهب الثائر وحلقة الوصل في العصور الوسطى

إذا كانت الكنيسة الكاثوليكية في القرن الثالث عشر الميلادي تمثل السلطة الفكرية المطلقة في أوروبا، وإذا كان الانحراف عن اللاهوت الأرسطي ضرباً من الهرطقة، فإن راهباً إنجليزياً اسمه روجر بيكون (١٢١٤ – ١٢٩٤م) جرؤ على شقّ هذا الجدار الصمّاء بمطرقة التجربة والعلم. ويُعدّ روجر بيكون من أبرز رواد المنهج التجريبي في الحضارة الأوروبية، لا بسبب اكتشافاته العلمية المباشرة بالضرورة، بل بسبب موقفه الفكري الشجاع القائل بأن المعرفة الحقة لا تُستقى من الكتب والسلطة وحدها، بل من التجربة المباشرة مع الطبيعة.

قاتل روجر بيكون بقلمه الحاد ضد ما وصفه بـ'أسباب الجهل'، وهي: تقليد السلطة الأعمى، والعادات الاجتماعية الراسخة، والحكم العاطفي، والتظاهر بالمعرفة. وكان يُميّز بوضوح تام بين نوعين من المعرفة: المعرفة القائمة على الحجة والبرهان اللفظي من جهة، والمعرفة القائمة على التجربة الفعلية من جهة أخرى. وكان يرى أن الثانية وحدها هي التي تُعطي اليقين الحق، لأن الأولى يمكن دائماً أن تتحول إلى جدل لفظي لا ينتهي.

خلال حياته الحافلة بالمحن، وُضع روجر بيكون تحت الإقامة الجبرية وربما السجن أحياناً بتهمة الاشتغال بالعلوم المحرّمة. بيد أن هذه القسوة لم تثنِه عن مواصلة عمله؛ إذ كتب مؤلفاته الضخمة مُستعيناً بمصادر عربية لم يُخفِ تأثره بها، وفي مقدمتها أعمال ابن الهيثم الذي يذكره صراحة في كتاباته البصرية. ولهذا يمكن القول إن روجر بيكون كان بمثابة الجسر الذي نقل روح رواد المنهج التجريبي من الحضارة الإسلامية إلى الفكر الغربي في مرحلة انتقالية بالغة الحساسية.

الأثر الحقيقي لروجر بيكون لم يظهر في حياته، بل بعد مئتي عام، حين وجد فرانسيس بيكون وغيره من المفكرين في القرن السابع عشر في كتاباته إلهاماً وسلفاً فكرياً لمشروعهم الإصلاحي العلمي الكبير. وهكذا يصبح روجر بيكون حلقة لا غنى عنها في السلسلة التاريخية لرواد المنهج التجريبي.

فرانسيس بيكون: فيلسوف المنهج الاستقرائي وأب العلم الحديث

في مطلع القرن السابع عشر، حين كانت أوروبا تشهد نهضة علمية غير مسبوقة، برز فرانسيس بيكون (١٥٦١ – ١٦٢٦م) بوصفه المُنظّر الأكبر للمنهج العلمي التجريبي. وإذا كان رواد المنهج التجريبي من قبله قد مارسوا التجريب بصورة عملية أو نادوا به على نطاق محدود، فإن فرانسيس بيكون كان الأول الذي وضع للمنهج التجريبي نظرية فلسفية شاملة ومتكاملة، جعلته جديراً بأن يكون دستور العلم الحديث.

يتجلى أعظم إنجازاته في كتابه الثوري 'الأورجانون الجديد' (Novum Organum) الذي نشره عام ١٦٢٠م، وكان في عنوانه ذاته تحدياً صريحاً لـ'الأورجانون' الأرسطي القديم. في هذا الكتاب، طرح فرانسيس بيكون برنامجاً متكاملاً لإصلاح المعرفة الإنسانية من جذورها. فقد شخّص الأمراض الذهنية التي تحول بين الإنسان والمعرفة الصحيحة، وسمّاها 'الأوهام' (Idols)، وصنّفها أربعة أصناف: أوهام القبيلة المتعلقة بالطبيعة الإنسانية المشتركة، وأوهام الكهف النابعة من طبائع الأفراد وتحيزاتهم الشخصية، وأوهام السوق الناجمة عن الاستخدام الخاطئ للغة، وأوهام المسرح المأخوذة من الفلسفات المقبولة بلا فحص.

لم يكتفِ فرانسيس بيكون بنقد الأوهام، بل قدّم البديل: منهج الاستقراء التجريبي. فبدلاً من الانطلاق من مبادئ كلية لا يُسأل عنها ثم استنتاج الجزئيات منها (وهو المنطق الأرسطي الاستنتاجي)، دعا فرانسيس بيكون إلى عكس العملية: الانطلاق من الجزئيات المرصودة والأمثلة المتراكمة، ثم الصعود تدريجياً نحو القوانين العامة الأكثر شمولاً. هذه العملية هي الاستقراء بمعناه العلمي الدقيق، وهي اليوم من أساسيات المنهج التجريبي التي لا يختلف عليها أحد.

ما يجعل فرانسيس بيكون واحداً من أبرز رواد المنهج التجريبي على مر العصور، هو رؤيته الاستراتيجية للعلم كمشروع اجتماعي تعاوني لا كجهد فردي منعزل. فقد تخيّل في كتابه 'الأطلنطيس الجديدة' (New Atlantis) مجتمعاً علمياً منظماً يقوم على تبادل المعرفة وتراكمها، وهي رؤية سبقت ظهور الأكاديميات العلمية الكبرى بعشرات السنين. وقد أسهمت كتاباته مباشرة في تأسيس الجمعية الملكية البريطانية عام ١٦٦٠م، الهيئة التي ستصبح قلعة العلم التجريبي في العالم الغربي.

جاليليو جاليلي: التجربة الكمية وثورة الرياضيات

بينما كان فرانسيس بيكون ينظر للمنهج التجريبي في مكتبه، كان إيطالي عبقري اسمه جاليليو جاليلي (١٥٦٤ – ١٦٤٢م) يُطبّقه بأسلوب جديد كلياً، ويُضيف إليه بُعداً لم يتطرق إليه سابقوه بشكل منهجي: البعد الرياضي الكمّي. لهذا السبب يعد جاليليو من أكثر رواد المنهج التجريبي تأثيراً في تحديد ملامح العلم الحديث، إذ إنه أكمل الصورة بإضافة القياس الدقيق واللغة الرياضية إلى مكونات التجربة العلمية.

قبل جاليليو، كانت التجربة مجرد مشاهدة نوعية: هذا الجسم يسقط والآخر يطفو، وهذه الكرة تتدحرج والأخرى تتوقف. أما جاليليو، فقد تحوّل التساؤل عنده من 'ماذا يحدث؟' إلى 'كم؟ وبأي معدل؟ ووفق أي قانون رياضي؟'. في تجاربه الشهيرة على الأجسام المتساقطة من برج بيزا (التي تُشير إليها الروايات وإن كانت تفاصيلها محل جدل تاريخي)، وفي تجاربه المنهجية على المستوى المائل، أثبت جاليليو أن الأجسام تسقط بتسارع منتظم بغض النظر عن أوزانها، محطماً بذلك أحد أعمدة الفيزياء الأرسطية الراسخة منذ ألفي عام.

جاليليو قال في إحدى كتاباته مقولته الخالدة: إن كتاب الطبيعة مكتوب بلغة الرياضيات، وحروفه المثلثات والدوائر والأشكال الهندسية. هذه الرؤية كانت ثورية إذ جعلت الطبيعة قابلة للقياس الدقيق والتعبير الكمّي، لا مجرد حقل للمشاهدة النوعية. بذلك أكمل جاليليو المنظومة المنهجية التي بدأها رواد المنهج التجريبي من قبله، مُضيفاً إليها الركيزة الرياضية الكمية التي ستصبح العمود الفقري للعلوم الطبيعية قاطبة.

لم تكن حياة جاليليو سهلة؛ فقد جرى محاكمته بتهمة الهرطقة إثر دفاعه عن النموذج الكوبرنيكي الشمسي المحور، وأُجبر تحت ضغط محاكم التفتيش على إعلان التراجع. غير أن التراجع الرسمي لم يمحُ الحقيقة العلمية، وما زالت أرض الكنيسة وأبوابها تحمل أثر خطوات جاليليو وهو يتمتم وفق الرواية الشهيرة: 'ومع ذلك تدور!'. كانت حياته شهادة حية على أن رواد المنهج التجريبي لم يُقدّموا للإنسانية علماً فحسب، بل قدّموا أنفسهم وحرياتهم في سبيل الحقيقة.

 كلود برنارد: تجريب الحياة وأسس الطب الحديث

تبقى إسهامات رواد المنهج التجريبي في العلوم الفيزيائية مجيدة، لكن التحدي الحقيقي الأعظم كان في تطبيق هذا المنهج على أكثر الظواهر تعقيداً وغموضاً: ظاهرة الحياة ذاتها. وهنا يبرز الفيزيولوجي الفرنسي العبقري كلود برنارد (١٨١٣ – ١٨٧٨م) بوصفه واحداً من أعظم رواد المنهج التجريبي في ميدان علوم الأحياء والطب، بل يُعدّه كثير من المؤرخين مؤسس الطب التجريبي الحديث.

قبل كلود برنارد، كانت الفيزيولوجيا الطبية تعتمد على الملاحظة الإكلينيكية الوصفية في معظمها، أو على التشريح التشريحي البسيط. جاء كلود برنارد ليحول هذا الميدان تحولاً جوهرياً بإصراره على تطبيق المنهج التجريبي الكامل على دراسة وظائف الأعضاء في الكائنات الحية. اكتشف دور الكبد في تنظيم سكر الدم، وكشف آلية عمل الجهاز العصبي اللاإرادي، وأرسى مفهوم 'الوسط الداخلي' (Milieu Intérieur) الذي يُشير إلى ثبات البيئة الداخلية للكائن الحي، وهو المفهوم الذي طوّره لاحقاً والتر كانون تحت مسمى 'الاتزان الحيوي' (Homeostasis).

غير أن الإسهام الأكبر والأعمق أثراً لكلود برنارد لم يكن اكتشافاً علمياً بعينه، بل كتابه الخالد الذي نشره عام ١٨٦٥م تحت عنوان 'مدخل إلى دراسة الطب التجريبي' (Introduction à l'étude de la médecine expérimentale). في هذا الكتاب الفذّ، وضع كلود برنارد أسساً فلسفية ومنهجية وأخلاقية للبحث العلمي في علوم الحياة، بلغت من الدقة والعمق حداً جعلها مرجعاً لا يستغني عنه علماء الأحياء والطب حتى يومنا هذا.

من بين ما أكّده كلود برنارد في هذا الكتاب: ضرورة الشك المنهجي المستمر وعدم قبول أي نتيجة حتى تثبت تجريبياً، وأهمية وجود المجموعة الضابطة (Control Group) في التجارب، وضرورة التمييز بين الارتباط العرضي والعلاقة السببية. كما وضع مبادئ أخلاقية للتعامل مع الكائنات الحية في التجارب، تعد اليوم نواة لأخلاقيات البحث العلمي الحيوي بأسره. بهذا كله يستحق كلود برنارد أن يُذكر في أي حديث جاد عن رواد المنهج التجريبي.

جدول مقارن بين إسهامات رواد المنهج التجريبي

الرائدالحقبة الزمنيةالإسهام الجوهري في المنهج التجريبيالأداة أو المبدأ المبتكر
ابن الهيثمالقرن الـ 11إرساء قواعد الاستقراء والجمع بين الملاحظة والقياس الرياضي.الشك المنهجي: إخضاع الحواس للتجربة والتحقق من النتائج ميكانيكياً.
فرانسيس بيكونالقرن الـ 17وضع الإطار الفلسفي للمنهج وصياغة طرق الاستبعاد العلمية.المنهج الاستقرائي: جمع البيانات المنظم لاستخلاص القوانين العامة من الحالات الخاصة.
غاليليو غاليليالقرن الـ 17إدخال القياس الكمي والأدوات التقنية في مراقبة الظواهر الطبيعية.التجربة المحكومة: عزل المتغيرات (مثل تجارب الحركة والسقوط الحر).
إسحاق نيوتنالقرن الـ 18دمج الاستنباط الرياضي مع النتائج التجريبية للتنبؤ بالظواهر.قواعد الاستدلال: وضع القوانين التي تفسر النتائج التجريبية بصيغ رياضية كونية.

 الخاتمة

حين نتأمل مسيرة رواد المنهج التجريبي الذين استعرضنا سيرهم في هذا المقال، تتكشّف أمامنا حقيقة بالغة الدلالة: لم يبنِ أحدهم صرحه الفكري في الفراغ، بل كان كل واحد منهم يقف على أكتاف من سبقه، يتعلم منه ويُكمل ما بدأه ويتجاوزه نحو أُفق أبعد. من ابن الهيثم الذي أسس المنهج ووضع أول خطواته المنظمة، إلى روجر بيكون الذي حمل الشعلة عبر العصور الوسطى المُعتمة، إلى فرانسيس بيكون الذي بنى لها معبداً فلسفياً فخماً، إلى جاليليو الذي أضاف إليها لغة الأرقام والقياس، إلى كلود برنارد الذي وسّع مجالها ليشمل أعقد ظاهرة في الوجود وهي الحياة البيولوجية.

هذا التراكم المعرفي المتواصل هو جوهر ما يميز رواد المنهج التجريبي عن سائر العلماء والمفكرين: إنهم لم يكتفوا ببناء نظريات للاستهلاك الشخصي، بل صمّموا منظومات منهجية قابلة للنقل والتطوير والتحسين عبر الأجيال والحضارات. المنهج التجريبي ليس اختراع حضارة واحدة، بل هو إنجاز إنساني مشترك تشاركت في بنائه حضارات الشرق والغرب: من بغداد والبصرة إلى أكسفورد، ومن فلورنسا إلى باريس، تعاقبت العقول وتواصلت وتضافرت في بناء هذا الصرح العظيم.

إن رواد المنهج التجريبي لم يعطونا علوماً فحسب، بل أعطونا شيئاً أثمن وأبقى: أعطونا طريقة للتفكير، وأسلوباً للمواجهة الشريفة مع الحقيقة، وشجاعة الشك فيما يُشك فيه، والإيمان بما يثبت عملياً. في عالم اليوم الذي تتصاعد فيه موجات التضليل والمعلومات الزائفة، يغدو التذكير بإرث رواد المنهج التجريبي ضرورة حضارية قبل أن يكون ترفاً أكاديمياً.

رحلة العقل البشري من التأمل إلى البرهان التطبيقي لم تنتهِ بعد، ولن تنتهي. إنها رحلة دائمة التجدد، تنتظر في كل جيل عقولاً متجرئة مستعدة لأن تسير على خطى رواد المنهج التجريبي العظام، وأن تُضيف لبناتها الجديدة إلى هذا البناء الإنساني الأزلي الذي لا يكتمل لأنه يتجاوز كل اكتمال.

الأسئلة الشائعة حول رواد المنهج التجريبي 

1. من هو المؤسس الحقيقي للمنهج التجريبي؟

تاريخياً، يعتبر العالم العربي ابن الهيثم (الحسن بن الهيثم) المؤسس الأول للمنهج التجريبي بمعناه الحديث. هو أول من وضع قواعد الملاحظة المنظمة والتجربة والقياس، وطبقها في علم الضوء (البصريات)، منتقلاً بالعلم من الفلسفة التأملية إلى البرهان العملي.

2. ما الفرق بين إسهامات "فرانسيس بيكون" و"روجر بيكون"؟

- روجر بيكون (القرن 13): ركز على أهمية التجربة كأداة للمعرفة في العصور الوسطى، لكن منهجه ظل متأثراً بالمنطق القديم.

- فرانسيس بيكون (القرن 17): أحدث ثورة فلسفية شاملة بوضعه كتاب "الأورجانون الجديد"، حيث أسس المنطق الاستقرائي وحارب الأوهام الذهنية التي تعيق التفكير العلمي، وهو ما جعله يلقب بـ "أبو المنهج التجريبي الحديث".

3. كيف ساهم جاليليو جاليلي في تطوير المنهج التجريبي؟

تكمن عبقرية جاليليو في دمج الرياضيات بالتجربة. لم يكتفِ بالملاحظة فقط، بل استخدم القياس الكمي (مثل قياس سرعة الأجسام الساقطة)، مما جعل النتائج التجريبية قابلة للصياغة في قوانين رياضية دقيقة.

4. من هو رائد المنهج التجريبي في العلوم البيولوجية والطب؟

يُعد كلود برنارد الرائد الأول في هذا المجال. بفضله، انتقل الطب من مرحلة التخمين والملاحظة السطحية إلى مرحلة المختبر والتجريب على الكائنات الحية، وهو صاحب المبدأ الشهير الذي يؤكد أن التجربة هي "المحكمة الوحيدة" التي يُعرض عليها أي فرض علمي.

5. هل المنهج التجريبي نتاج حضارة واحدة؟

لا، هو إرث إنساني تراكمي. بدأ كبذور لدى اليونان، ثم نضج كممارسة علمية منظمة لدى العلماء العرب والمسلمين (مثل جابر بن حيان وابن الهيثم)، ثم تبلور كفلسفة ومنهج شامل خلال عصر النهضة والثورة العلمية في أوروبا.

المراجع

- ابن الهيثم، الحسن. (القرن الحادي عشر الميلادي). كتاب المناظر. تحقيق: عبد الحميد صبرة. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

- بيكون، فرانسيس. (١٦٢٠م). الأورجانون الجديد (Novum Organum). ترجمة عربية. بيروت: دار النهضة العربية.

- برنارد، كلود. (١٨٦٥م). مدخل إلى دراسة الطب التجريبي. ترجمة: محمد القاسمي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

- سالم محمد سالم العماري المعمري - خطوات المنهج التجريبي .

- رضا مسعد السعيد عصر - المنهج التجريبي بحوث و دراسات .

 - محمد عويضة  - فرنسيس بيكون .. فيلسوف المنهج التجريبي الحديث .

- Lindberg, D.C. (1976). Theories of Vision from Al-Kindi to Kepler. Chicago: University of Chicago Press.

- Crombie, A.C. (1953). Robert Grosseteste and the Origins of Experimental Science. Oxford: Clarendon Press.


تعليقات