مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد - الأجيال والمفاهيم والإسهامات

مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد - الأجيال والمفاهيم والإسهامات
يمثل الانتقال من مدرسة الحوليات في أطوارها الأولى إلى تيار التاريخ الجديد أعمق تحول إبستمولوجي شهدته الكتابة التاريخية المعاصرة. فقد قطع هذا المسار المعرفي الصلة نهائياً مع التاريخ النخبوي وسيادة الحدث السياسي، ليفتح التاريخ على الهموم اليومية، والبنى النفسية والرمزية، واللاوعي الجمعي للإنسان عبر أزمنة ممتدة.
1
التحول من الحوليات إلى التاريخ الجديد: تجسد التاريخ الجديد كموجة متقدمة تقودها أجيال الحوليات المتأخرة (خاصة مع جاك لوغوف، وإيمانويل لوروا لادوري، وجورج دوبي)، حيث انتقلت المنهجية من دراسة البنى الاقتصادية والجغرافية الشاملة إلى استغوار "التاريخ الثقافي" و"الذهنيات".
2
توسيع مأهول لموضوعات التاريخ: اقتحم التاريخ الجديد ميادين غير مطروقة سابقاً؛ كالتاريخ السفلي للمهمشين والنساء، وتاريخ الموت، الجسد، الطفولة، الخوف، والتصق بحياة الإنسان العادي بدلاً من قصر الرواية على الملوك والقادة والحروب.
3
تجديد الأرقام والأدوات المفهومية: وظف هذا التيار مناهج الأنثروبولوجيا البنيوية، وعلم النفس التاريخي، والتحليل الكمي والإحصائي، واللسانيات، مما سمح بقراءة الصور، العادات، والأساطير بوصفها وثائق تاريخية كاملة الأهلية.
4
إعادة التفكير في الزمن التاريخي: رسخ التاريخ الجديد فكرة أن الظواهر الفكرية والذهنية تتغير ببطء شديد عبر "الزمن الطويل" (Longue Durée)، حيث تظل التمثلات العقائدية والاجتماعية قائمة ومؤثرة عبر القرون حتى وإن تغيرت النظم السياسية.
خلاصة: أعاد التاريخ الجديد صياغة مفهوم الماضي بشرعنة كافة جوانب التجربة البشرية؛ فلم يعد التاريخ معنياً بما فعله الإنسان فحسب، بل بكيفية تفكيره، وشعوره، وتصوره للعالم من حوله.
مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد - الأجيال والمفاهيم والإسهامات

برزت مدرسة الحوليات بوصفها تيارا فرنسيا جدد الكتابة التاريخية، وامتد أثرها في التاريخ الجديد، ويتناول هذا المقال أجيالها ومفاهيمها الكبرى وإسهاماتها في نقل التاريخ من سرد الأحداث إلى دراسة الإنسان والمجتمع.

المقدمة

شهدت الكتابة التاريخية في أواخر القرن التاسع عشر هيمنة المدرسة الوضعية التي جعلت من الوثيقة الرسمية مرجعها الأول ومن الحدث السياسي والعسكري موضوعها المفضل، غير أن هذا النموذج اصطدم بعد الحرب العالمية الأولى بأسئلة جديدة فرضتها الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وتطور العلوم الإنسانية. وفي هذا السياق برز تيار فرنسي غير نظرة المؤرخين إلى الماضي، وهو ما يعرف اليوم بمدرسة الحوليات والتاريخ الجديد، وقد جعل من الإنسان والمجتمع محور البحث بدل الملوك والمعارك.

وتكتسي دراسة مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد أهمية بالغة لكل من يريد فهم تحولات الكتابة التاريخية في القرن العشرين، لأن معظم الأسئلة التي يطرحها المؤرخون اليوم عن الأسرة والغذاء والمناخ والذهنيات والذاكرة تعود في جذورها إلى هذا التيار. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإلمام بمفاهيمه يساعد الطالب والباحث على قراءة المصادر قراءة أعمق، وعلى تجاوز الوصف السردي نحو التفسير والتحليل.

ومن هنا تتحدد إشكالية هذا المقال في سؤال مركزي يتفرع إلى ثلاثة أسئلة، فكيف تعاقبت أجيال مدرسة الحوليات منذ تأسيسها سنة 1929، وما المفاهيم الكبرى التي صاغتها في فهم الزمن والإنسان والمصدر، وما الإسهامات التي قدمتها لتجديد علم التاريخ وما حدود هذه الإسهامات.

وللإجابة عن هذه الإشكالية نعتمد منهجا تاريخيا يتتبع نشأة التيار وتطوره، ومنهجا تحليليا يفكك مفاهيمه ومقولاته، ومنهجا مقارنا يضع الأجيال المتعاقبة جنبا إلى جنب لإبراز مواطن الاستمرار والقطيعة. وفي ضوء ذلك، نعرض خطة المقال في أربعة مباحث، يتناول الأول الإطار المفاهيمي، ويخصص الثاني لأجيال المدرسة، ويتوقف الثالث عند المفاهيم الكبرى، ويقوّم الرابع الإسهامات والانتقادات وأثر التيار في الدراسات العربية والمغاربية.

ومما يجدر التنبيه إليه منذ البداية أن التاريخ الجديد ليس مدرسة منفصلة عن الحوليات، وإنما هو امتداد لها وتتويج لمسارها في مرحلة الجيل الثالث، ولذلك سنتعامل معهما بوصفهما مسارا واحدا متصلا.

المبحث الأول - الإطار المفاهيمي والعلاقة بين مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد

المطلب الأول - مفهوم مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد

1 - التعريف بمدرسة الحوليات وأصل التسمية

تنسب المدرسة إلى مجلة Annales التي أصدرها المؤرخان الفرنسيان مارك بلوك ولوسيان فيفر في جامعة ستراسبورغ سنة 1929 تحت عنوان حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي. وقد جاءت التسمية من اسم المجلة نفسها، ثم صارت تطلق على كل من تبنى توجهها المنهجي، حتى أصبحت مدرسة الحوليات علما على تيار فكري واسع يتجاوز حدود المجلة.

2 - التعريف بالتاريخ الجديد وسياق ظهوره في السبعينيات

وفي المقابل، ظهر مصطلح التاريخ الجديد (Nouvelle histoire) في سبعينيات القرن العشرين، وارتبط بعملين جماعيين أشرف عليهما جاك لوغوف وبيير نورا وروجي شارتييه وآخرون، هما كتاب Faire de l histoire سنة 1974 وكتاب La Nouvelle Histoire سنة 1978. وقد جاء هذا المصطلح ليعبر عن توسع الحقل نحو الذهنيات والثقافة والرمز بعد مرحلة هيمنت فيها البنى الاقتصادية.

3 - العلاقة بين المدرسة والتاريخ الجديد بين الاستمرار والتجديد

وبناء على ذلك، يمكن القول إن العلاقة بين الطرفين تقوم على الاستمرار والتجديد معا. فالتاريخ الجديد يحتفظ بجوهر مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد، أي الانفتاح على العلوم الاجتماعية ورفض تاريخ الأحداث، لكنه ينقل مركز الثقل من الاقتصاد والبنى إلى الثقافة والتمثلات، ولذلك يرى كثير من الدارسين فيه الجيل الثالث من الحوليات لا مدرسة بديلة عنها.

4 - الفرق بين المدرسة والمجلة والمؤسسة الأكاديمية

ومن الجدير بالذكر أن الخلط يقع كثيرا بين ثلاثة مستويات متمايزة. فالمجلة منبر للنشر، والمدرسة تيار منهجي وفكري، أما المؤسسة الأكاديمية فتتمثل في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية التي نشأت من القسم السادس للمدرسة التطبيقية للدراسات العليا. وقد تداخلت هذه المستويات الثلاثة تداخلا وثيقا، غير أن التمييز بينها ضروري لفهم سلطة التيار داخل الحقل الجامعي الفرنسي.

5 - موقعها بين المدارس التاريخية الكبرى

وفي هذا الإطار، تحتل مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد موقعا خاصا بين المدارس الكبرى، فهي تختلف عن المدرسة الوضعية التي ركزت على الوقائع السياسية، وعن المدرسة الماركسية التي جعلت الاقتصاد وصراع الطبقات مفتاح التفسير، وإن تأثرت بهما معا. كما أنها تقترب من المدرسة الاجتماعية الألمانية في التاريخ الاقتصادي، لكنها تتميز بحرصها على التاريخ الكلي وبالتعاون المنتظم مع العلوم المجاورة.

المطلب الثاني - الخلفية النقدية للتيار

1 - نقد التاريخ الوضعي وتاريخ الأحداث السياسية والعسكرية

انطلق التيار من نقد صريح للمدرسة الوضعية التي رأى فيها مؤرخو الحوليات كتابة سردية تلهث وراء الأحداث وتنسب التغيير التاريخي إلى قرارات الأفراد. وقد سبق إلى هذا النقد الاجتماعي فرانسوا سيميان، الذي هاجم أصنام القبيلة الثلاثة في الكتابة التاريخية، وهي السياسة والفرد والتسلسل الزمني، فكان ذلك مدخلا فكريا لتأسيس مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد.

2 - نقد تقديس الوثيقة الرسمية

ومن جهة أخرى، رفض مؤسسو التيار حصر المصدر في الأرشيف الرسمي والوثيقة المكتوبة، لأن ذلك يجعل المؤرخ أسير رواية الدولة. فقد دعا لوسيان فيفر إلى استنطاق كل ما يتركه الإنسان من آثار، من الأدوات والعملات والمناظر الطبيعية إلى الطقوس واللغة، وهو توجه حول الوثيقة من غاية في ذاتها إلى مجرد أداة للإجابة عن أسئلة يطرحها الباحث.

3 - أثر علم الاجتماع الدوركايمي والجغرافيا البشرية

وعلاوة على ما سبق، تأثر الجيل المؤسس بعلم الاجتماع الذي وضع أسسه إميل دوركايم، والذي يرى أن الظواهر الاجتماعية وقائع جمعية تفسر بغيرها من الوقائع لا بإرادة الأفراد. كما استفاد من الجغرافيا البشرية عند بول فيدال دي لابلاش، التي ربطت المجتمعات ببيئاتها الطبيعية، وهو ما سيجد صداه الأكبر في عمل فرناند بروديل حول المتوسط.

4 - أثر الاقتصاد والفكر الماركسي وعلم النفس والأنثروبولوجيا

وبالإضافة إلى ذلك، تفاعل التيار مع الاقتصاد ودراسة الأسعار والأجور والدورات الاقتصادية، كما استفاد من الفكر الماركسي في إدراك البعد الاجتماعي للتاريخ دون أن يتبنى حتميته. أما علم النفس والأنثروبولوجيا فقد قدما أدوات لفهم العقليات والمعتقدات، ومنها أفكار لوسيان ليفي برول حول الذهنية، وهي أفكار أفاد منها فيفر وبلوك في مقاربة الماضي.

5 - أثر الأزمات الاجتماعية بعد الحرب العالمية الأولى

وفي ضوء ذلك كله، لا يمكن فصل ميلاد التيار عن سياقه التاريخي. فقد خلفت الحرب العالمية الأولى والأزمة الاقتصادية الكبرى في ثلاثينيات القرن العشرين شعورا بعجز التاريخ التقليدي عن تفسير ما يجري، فاتجه المؤرخون إلى دراسة البنى العميقة للاقتصاد والمجتمع بحثا عن أجوبة لا تقدمها الأحداث السياسية وحدها.

المطلب الثالث - معايير تقسيم التيار إلى أجيال

1 - المعيار الزمني والمؤسسي

يعتمد التقسيم الشائع أولا على معيار زمني ومؤسسي، يربط كل جيل بقيادة المجلة والمؤسسة. فالجيل الأول يرتبط ببلوك وفيفر منذ 1929، والثاني بفرناند بروديل بعد الحرب العالمية الثانية، والثالث بمرحلة الإدارة الجماعية التي ضمت لوروا لادوري وفيرو وغيرهما بعد 1968، وهو معيار واضح لكنه لا يكفي وحده لفهم تطور المدرسة.

2 - المعيار الموضوعي من الاقتصاد إلى الذهنيات

ومن جهة أخرى، يستند الدارسون إلى معيار الموضوعات المهيمنة. ففي البداية غلب الاقتصاد والمجتمع، ثم هيمن الاقتصاد الكمي والجغرافيا والديموغرافيا، ثم انتقل الاهتمام إلى الذهنيات والثقافة والرموز. وهذا المعيار هو الذي يفسر انتقال مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد من تاريخ البنى المادية إلى تاريخ التمثلات والمشاعر.

3 - المعيار المنهجي من البنى إلى الثقافة

وفي المقابل، يمكن النظر إلى الأجيال من زاوية المنهج، فقد انتقل التيار من منهج الأسئلة المفتوحة عند الجيل المؤسس، إلى منهج السلاسل الإحصائية الطويلة عند الجيل الثاني، ثم إلى المنهج الأنثروبولوجي والتأويلي عند الجيل الثالث، وأخيرا إلى منهج نقدي تجريبي يشكك في اليقينيات ويراجع العلاقة بين التاريخ وبقية العلوم الاجتماعية.

4 - المعيار الجغرافي والعلاقة بالمدارس الأخرى

كذلك فإن للمعيار الجغرافي وزنه، فالحوليات نشأت في فرنسا، لكنها دخلت في حوار دائم مع مدارس أخرى، كالتاريخ الاجتماعي البريطاني والتاريخ الجزئي الإيطالي (Microstoria) والمدرسة الأمريكية في التاريخ الاقتصادي، وقد أثّر هذا التفاعل في اتجاهات الجيل الرابع ودفعه نحو مراجعة بعض ثوابت المدرسة.

5 - حدود التقسيم الجيلي وتداخل الأجيال

ومع ذلك، ينبغي التحفظ على التقسيم الجيلي، لأن الأجيال تتداخل زمنيا وفكريا، فبعض أعلام الجيل الثاني واصلوا الإنتاج في مرحلة الجيل الثالث، وبعض مفاهيم بلوك وفيفر عادت بقوة في الثمانينيات. ولذلك يظل هذا التقسيم أداة تعليمية لتنظيم المعرفة أكثر منه حدودا قاطعة بين مراحل متمايزة.

المبحث الثاني - أجيال مدرسة الحوليات

المطلب الأول - الجيل الأول مع بلوك وفيفر

1 - تأسيس المجلة في ستراسبورغ وبيانها المنهجي

تأسست المجلة سنة 1929 في ستراسبورغ، وهي مدينة جمعت أساتذة من تخصصات متعددة في جامعة أعيد بناؤها بعد عودة الألزاس إلى فرنسا. وقد حمل العدد الأول بيانا منهجيا يدعو إلى كسر الحواجز بين التاريخ والعلوم الاجتماعية، ويفتح صفحات المجلة للجغرافيين وعلماء الاجتماع والاقتصاديين، فكان ذلك نقطة انطلاق مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد.

2 - مارك بلوك والتاريخ المقارن والمجتمع الإقطاعي

ومن أبرز أعمال مارك بلوك كتابه Les Rois thaumaturges حول الاعتقاد في قدرة الملوك على الشفاء، وكتابه La société féodale الذي قدم صورة شاملة للمجتمع الإقطاعي بعلاقاته وذهنياته. كما دعا إلى التاريخ المقارن بين المجتمعات الأوروبية، وإلى القراءة الرجعية للماضي انطلاقا من الحاضر، وأعدمه الألمان سنة 1944 بسبب مشاركته في المقاومة، بعد أن ترك مؤلفه الشهير حول حرفة المؤرخ غير مكتمل.

3 - لوسيان فيفر والتاريخ المشكل وتاريخ الذهنيات

أما لوسيان فيفر فقد عرف بدفاعه عن التاريخ المشكل (Histoire problème) الذي يبدأ بسؤال يطرحه المؤرخ لا بوثيقة يسردها. ويعد كتابه حول الإيمان والكفر في القرن السادس عشر من خلال رابليه نموذجا لتاريخ الذهنيات، إذ بين أن الإنسان في ذلك العصر لم تكن لديه الأدوات الفكرية التي تسمح له بالإلحاد بمعناه الحديث، وهو ما جعله رائدا لهذا الحقل.

4 - الدعوة إلى الانفتاح على العلوم الاجتماعية

وعلاوة على ذلك، كان الانفتاح على العلوم المجاورة شعار الجيل الأول، فقد دعا فيفر إلى تحالف دائم بين التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع وعلم النفس واللسانيات، لأن الحقيقة الإنسانية لا تقبل التجزئة. وقد حارب المؤسسان في هذا الإطار التخصصات المنغلقة، ورأيا أن المؤرخ الذي يجهل مناهج العلوم الأخرى يحكم على نفسه بالقصور.

5 - التاريخ الاقتصادي والاجتماعي بديلا عن التاريخ السياسي

وبناء على هذه الدعوة، أعطى الجيل الأول الأولوية للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، فاهتم بالأسعار والريف والتجارة والفئات الاجتماعية، وجعل ذلك بديلا عن التاريخ السياسي التقليدي. ولم يكن الأمر إلغاء كاملا للسياسة، وإنما تحويل لها إلى جزء من منظومة أوسع تتحكم فيها قوى اقتصادية واجتماعية عميقة.

المطلب الثاني - الجيل الثاني مع بروديل وما بعده

1 - قيادة فرناند بروديل بعد الحرب العالمية الثانية

تولى فرناند بروديل قيادة المجلة بعد وفاة فيفر سنة 1956، وكان قد برز قبل ذلك بوصفه الوريث الفكري للمؤسسين. وقد أصبحت المجلة بعد الحرب العالمية الثانية تحمل اسما جديدا هو Annales Économies, Sociétés, Civilisations، أي الاقتصادات والمجتمعات والحضارات، وهي تسمية تعبر عن توسع الأفق نحو الحضارات المقارنة في مرحلة مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد.

2 - القسم السادس ومدرسة الدراسات العليا

ومن جهة أخرى، شكل القسم السادس للمدرسة التطبيقية للدراسات العليا، الذي أنشئ سنة 1947، القاعدة المؤسسية للتيار. وقد دعم هذا القسم البحث الجماعي والتخصصات المتقاطعة، ثم أسهم بروديل في إنشاء دار علوم الإنسان سنة 1963، وتحول القسم لاحقا إلى مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية، فاكتسبت الحوليات موقعا مؤسسيا قويا.

3 - كتاب المتوسط وتعدد الأزمنة التاريخية

ويمثل كتاب La Méditerranée et le monde méditerranéen à l époque de Philippe II، الذي نشر سنة 1949 وأصله أطروحة دكتوراه، قمة هذا الجيل. وقد جعل بروديل بطل الكتاب البحر لا الملك، وقسم الزمن إلى ثلاثة مستويات متداخلة، وهو ما سنعرضه في مبحث المفاهيم، وقد استفاد من إقامته في الجزائر مدرسا بين سنتي 1923 و1932 في تكوين رؤيته للمتوسط.

4 - التاريخ الكمي والسلاسل الطويلة عند لابروس وشونو

وفي السياق نفسه، طور إرنست لابروس التاريخ الاقتصادي الكمي بدراسة حركة الأسعار والدخول في فرنسا القرن الثامن عشر، وأقام بيير شونو في كتابه عن إشبيلية والأطلسي تاريخا سلسليا (Histoire sérielle) يعتمد البيانات المتكررة والإحصاء الطويل المدى. وبذلك أصبح الرقم والمنحنى أداتين رئيسيتين في المنهج، وهو ما منح هذا الجيل صفة العلمية في أعين معاصريه.

5 - هيمنة الحوليات على الحقل التاريخي في فرنسا

وبفضل هذه الإنجازات، هيمنت الحوليات على الحقل التاريخي الفرنسي في الخمسينيات والستينيات، فصارت مناهجها المرجع في الجامعات ولجان التوظيف والنشر. وقد أثارت هذه الهيمنة لمدرسة الحوليات والتاريخ الجديد إعجابا في الخارج ونقدا في الداخل، لأن بعض الباحثين رأوا فيها احتكارا لتعريف التاريخ العلمي المقبول.

جدول يقارن بين أجيال مدرسة الحوليات من حيث الأعلام والاهتمام والمفهوم المميز
الجيلأبرز الأعلامالفترة التقريبيةالاهتمام الغالبالمفهوم المميز
الأولمارك بلوك ولوسيان فيفرمن 1929 إلى 1945 تقريباالاقتصاد والمجتمع والذهنياتالتاريخ المشكل والتاريخ المقارن
الثانيبروديل ولابروس وشونومن 1946 إلى 1968 تقريباالاقتصاد والبنى والجغرافياالمدى الطويل والتاريخ الكمي
الثالثلوغوف ونورا ودوبي ولوروا لادوريمن 1969 إلى 1989 تقريباالذهنيات والثقافة والذاكرةالتاريخ الجديد والتمثلات
الرابعشارتييه وريفل ولوبيتيمنذ 1989 تقريباالنقد والفرد والسياسيالمنعطف النقدي والتجريب

المطلب الثالث - الجيلان الثالث والرابع والتاريخ الجديد

1 - ظهور التاريخ الجديد مع لوغوف ونورا وكتاب كتابة التاريخ الجديد

في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، انتقلت القيادة إلى فريق من المؤرخين الشباب، وظهر مصطلح التاريخ الجديد مع مؤلفات جماعية أشرف عليها لوغوف ونورا. ويضم هذا التوجه كتاب Faire de l histoire وكتاب La Nouvelle Histoire، اللذين عرضا موضوعات ومقاربات جديدة، وهي الأعمال التي كرست مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد بوصفها مشروعا متجددا.

2 - جورج دوبي وتاريخ الذهنيات والتمثلات

ويعد جورج دوبي من أبرز مؤرخي هذه المرحلة، فقد انتقل من دراسة الريف والاقتصاد في العصور الوسطى إلى دراسة التمثلات والخيال الاجتماعي. ويكفي أن نذكر كتابه Le Dimanche de Bouvines الذي تناول الحدث من زاوية ذاكرته وصداه، وكتابه Les trois ordres الذي درس تصور المجتمع الإقطاعي لنفسه بوصفه مقسما إلى من يصلون ومن يحاربون ومن يعملون.

3 - التحول من الاقتصاد إلى الثقافة والرمز والذاكرة

ومن هنا ندرك أن هذه المرحلة مثلت تحولا واضحا من الاقتصاد إلى الثقافة والرمز والذاكرة. فقد اهتم المؤرخون بالمعتقدات والطقوس والخرافات والموت والجسد، واستعانوا بالأنثروبولوجيا بدل الاقتصاد، وعدّلوا بذلك مسار مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد، دون أن يتخلوا عن مبدأ التاريخ الكلي، وإن تغيرت أدواته وموضوعاته.

4 - الجيل الرابع وتجديد النقد والعودة إلى السياسي والفرد

وفي المقابل، سعى الجيل الرابع منذ الثمانينيات إلى مراجعة المسلمات السابقة، فعاد إلى الفرد والفاعل والسياسي والحدث بعد أن همشتها المرحلة البروديلية. ومن الأسماء المرتبطة بهذا الاتجاه روجي شارتييه وجاك ريفل وبرنار لوبيتي، وقد اتجهوا إلى المقاييس المتعددة للتحليل وإلى الاهتمام بالممارسات والتمثلات في آن واحد.

5 - المنعطف النقدي وتحول اسم المجلة إلى حوليات التاريخ والعلوم الاجتماعية

وفي هذا الإطار، أعلنت هيئة تحرير المجلة سنة 1988 وبداية 1989 عما سمي المنعطف النقدي (Tournant critique)، إذ دعت إلى إعادة التفكير في العلاقة بين التاريخ والعلوم الاجتماعية. وتغير اسم المجلة سنة 1994 إلى Annales. Histoire, Sciences sociales، أي حوليات التاريخ والعلوم الاجتماعية، تعبيرا عن إعادة تعريف هويتها المنهجية.

المبحث الثالث - المفاهيم الكبرى في مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد

المطلب الأول - مفاهيم الزمن والبنية

1 - المدى الطويل والتاريخ شبه الثابت

يعتبر مفهوم المدى الطويل (Longue durée) أشهر مفاهيم بروديل، وقد صاغه في مقال شهير سنة 1958. ويقصد به دراسة الظواهر التي تمتد قرونا، كالعلاقة بين الإنسان والبيئة والمسالك التجارية والبنى الذهنية. وقد وصف بروديل هذا المستوى بأنه تاريخ شبه ثابت، لأن تحولاته بطيئة إلى درجة لا يلحظها المعاصرون، وهو ما جعله ركيزة أساسية في مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد.

2 - الأزمنة التاريخية الثلاثة الجغرافي والاجتماعي والحدثي

وفي كتاب المتوسط، قسم بروديل الزمن إلى ثلاثة مستويات متراكبة. فهناك الزمن الجغرافي البطيء الذي يخص علاقة الإنسان بمحيطه، ثم الزمن الاجتماعي المتوسط الذي يخص الاقتصادات والدول والمجتمعات، وأخيرا الزمن الحدثي السريع الذي يخص الحروب والقرارات السياسية، وقد شبهه بزبد الأمواج فوق تيارات عميقة لا تراها العين.

3 - مفهوم البنية والظرف

وبالإضافة إلى ذلك، ميز المؤرخون بين البنية (Structure) وهي العناصر الثابتة نسبيا في المجتمع، والظرف (Conjoncture) وهو التقلبات القصيرة أو المتوسطة التي تطرأ فوقها. وقد استعير هذا التمييز أصلا من علم الاقتصاد، ثم صار أداة تفسيرية في التاريخ تساعد على فهم التغيرات الكبرى بوصفها نتيجة تفاعل بين ما يدوم وما يتبدل.

4 - التاريخ الكلي أو الشامل

ومما يعزز هذا التوجه مفهوم التاريخ الكلي (Histoire totale)، وهو الطموح إلى دراسة المجتمع بجميع أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذهنية في وحدة متكاملة. ولم يكن المقصود جمع كل المعلومات، وإنما فهم الروابط بين المستويات المختلفة، وهو ما جعل هذا المفهوم عنوانا لمشروع المؤسسين ثم لمشروع بروديل.

5 - التاريخ الرجعي والمقارن عند بلوك

ومن جهة أخرى، اقترح مارك بلوك المنهج الرجعي (Méthode régressive) الذي ينطلق من الحاضر القريب ليفهم الماضي البعيد، لأن آثار الماضي أوضح في ما بقي منه. كما رأى في المقارنة بين مجتمعات متباعدة وسيلة لاكتشاف ما هو عام وما هو خاص، وبذلك قدم أدوات منهجية ما زالت حاضرة في كتابات المؤرخين اليوم.

المطلب الثاني - مفاهيم الإنسان والذهنيات

1 - التاريخ المشكل وطرح الأسئلة

يعد التاريخ المشكل من أهم مبادئ لوسيان فيفر، وهو يعني أن المؤرخ لا يجمع الوثائق بحثا عن الحقيقة الجاهزة، بل يطرح أسئلة محددة على الماضي ثم يبحث عن مصادرها. وبذلك يتحول البحث من التسجيل السلبي إلى بناء علمي للموضوع، وهو مبدأ يميز مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد عن كل كتابة تعتمد السرد وحده.

2 - الأدوات الذهنية عند فيفر

وعلاوة على ذلك، صاغ فيفر مفهوم الأدوات الذهنية (Outillage mental)، ويقصد به مجموع اللغة والمفاهيم والرموز التي يمتلكها أبناء عصر ما، وتحدد ما يمكنهم التفكير فيه وما يستحيل عليهم. وبهذا يصبح فهم أي عصر مشروطا بإدراك حدود تفكيره، لا بإسقاط تصوراتنا الحديثة عليه، وهي ضابطة منهجية عظيمة الأهمية.

3 - تاريخ الذهنيات والمخيال والتمثلات

وفي ضوء ذلك، تطور تاريخ الذهنيات (Histoire des mentalités) في الجيل الثالث ليشمل المخيال والتمثلات الجمعية، أي الصور التي يكونها الناس عن أنفسهم وعن العالم. وقد استعمل المؤرخون محاضر محاكم التفتيش ومواعظ الكنيسة والنصوص الأدبية لإعادة بناء تصورات الجماعات، وفتح ذلك أبوابا جديدة أمام فهم الدين الشعبي والخوف والأمل.

4 - الحضارة المادية والحياة اليومية

ومن جهة أخرى، اهتم بروديل في كتابه حول الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية بين القرنين الخامس عشر والثامن عشر بالحياة اليومية، فدرس الغذاء واللباس والسكن والنقد والتبادل. وقد كشف أن الأحداث الكبرى قائمة على قاعدة من العادات اليومية، وأن تاريخ الإنسان العادي لا يقل أهمية عن تاريخ الأمراء، وهو ما أضاف بعدا جديدا لمدرسة الحوليات والتاريخ الجديد.

5 - تاريخ الجسد والمشاعر والموت

وفي هذا السياق، فتحت المدرسة ميادين لم تكن تعد تاريخا، مثل تاريخ الجسد والمشاعر والموت. ومن ذلك أبحاث فيليب آرييس حول الطفولة والموت، وأبحاث ألان كوربان وجورج فيغاريللو حول الجسد والحواس. وقد أظهرت هذه الدراسات أن المشاعر نفسها لها تاريخ يتغير بتغير المجتمعات، وليست معطى طبيعيا ثابتا.

المطلب الثالث - مفاهيم المصدر والمنهج والذاكرة

1 - توسيع مفهوم الوثيقة والمصدر

يرتبط توسيع مفهوم المصدر بقول فيفر إن التاريخ يصنع بكل ما يمكن أن يصنع به، أي بالنصوص والرموز والحقول والمعادن والأدوات. وبناء على ذلك، دخلت إلى مكتبة المؤرخ مصادر جديدة كسجلات الأبرشيات وعقود الزواج والوصايا وأسماء الأعلام واللقى الأثرية، وأصبح المصدر مادة يعاد تأويلها لا شاهدا يصدق.

2 - التاريخ الكمي والإحصائي والديموغرافي

وبالإضافة إلى ذلك، دخل التاريخ الكمي والإحصائي والديموغرافي بقوة في المنهج. فقد درس المؤرخون الولادات والوفيات والأسعار والأجور في سلاسل طويلة، واستخدموا الحاسوب في وقت مبكر لمعالجة المعطيات الضخمة. وقد أتاح ذلك رصد حركات المجتمعات البطيئة التي يعجز عنها الوصف السردي، وإن كان ثمنه أحيانا إهمال الإنسان الفرد.

3 - التعاون مع الجغرافيا والأنثروبولوجيا والاقتصاد واللسانيات

ومن الجدير بالذكر أن التعاون مع العلوم الأخرى كان ممارسة يومية في هذا التيار. فالجغرافيا قدمت مفهوم المجال، والأنثروبولوجيا قدمت مفهوم الطقس والرمز، والاقتصاد قدم الدورات والأسعار، واللسانيات قدمت تحليل الخطاب والمصطلحات، وبذلك تحول المؤرخ من ناقل للوقائع إلى باحث يستعير أدوات متعددة لمعالجة سؤال واحد.

4 - أماكن الذاكرة عند نورا

وفي مرحلة التاريخ الجديد، أطلق بيير نورا مشروعه الضخم حول أماكن الذاكرة (Lieux de mémoire) الذي صدر في سبعة مجلدات بين سنتي 1984 و1992. ويقصد بها المواقع والرموز والنصوص التي تتجمع فيها ذاكرة الأمة، كالمتاحف والأعياد والنشيد الوطني، وقد حول المشروع الذاكرة إلى موضوع تاريخي مستقل يدرس كيف تبنى الهويات.

5 - التاريخ الثقافي وتاريخ الكتاب والقراءة عند شارتييه

وأخيرا، قدم روجي شارتييه، أحد أعلام مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد، مقاربة جديدة للتاريخ الثقافي تقوم على دراسة الكتاب والقراءة والممارسات، مبينا أن النص الواحد يفهم بطرق مختلفة باختلاف القراء والسياقات. وهكذا لم تعد الثقافة مجرد أفكار كبيرة تنتقل من أعلى إلى أسفل، وإنما أصبحت ممارسات اجتماعية متنوعة، وفي ذلك امتداد للتيار نحو التاريخ الثقافي.

جدول يلخص أهم مفاهيم مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد وأصحابها
المفهومصاحبهمعناه المختصرأثره في الكتابة التاريخية
التاريخ المشكللوسيان فيفربناء البحث انطلاقا من سؤالتجاوز السرد الوصفي
المدى الطويلفرناند بروديلدراسة التحولات البطيئة عبر القرونربط التاريخ بالجغرافيا والبنى
الأزمنة الثلاثةفرناند بروديلزمن جغرافي واجتماعي وحدثيتعدد مستويات التفسير
الأدوات الذهنيةلوسيان فيفرحدود التفكير الممكن في عصر ماتجنب إسقاط الحاضر على الماضي
التاريخ الجديدلوغوف ونوراتوسيع الموضوعات نحو الذهنيات والثقافةتنوع المجالات البحثية
أماكن الذاكرةبيير نورارموز تتجسد فيها ذاكرة الجماعةتاريخ الهوية والتراث

المبحث الرابع - إسهامات المدرسة وتقويمها

المطلب الأول - الإسهامات المنهجية والموضوعية

1 - تجديد مناهج البحث وتوسيع حقل التاريخ

يتمثل أهم إسهام لمدرسة الحوليات والتاريخ الجديد في تجديد المناهج وتوسيع حقل التاريخ ليشمل الإنسان في كليته. فقد انتقل التاريخ من سرد الوقائع إلى تحليل البنى والعلاقات، ومن الاعتماد على نوع واحد من الوثائق إلى توظيف مصادر متنوعة، ومن العمل الفردي المنعزل إلى البحث الجماعي المنسق بين اختصاصات مختلفة.

2 - فتح موضوعات جديدة كالأسرة والغذاء والمناخ والمرأة والطفولة

ومن جهة أخرى، فتحت المدرسة موضوعات لم يكن المؤرخون يلتفتون إليها، فظهرت دراسات عن الأسرة والغذاء والمناخ والمرأة والطفولة والأوبئة. ومن أمثلتها كتاب إيمانويل لوروا لادوري Montaillou الذي درس قرية فرنسية في القرن الرابع عشر اعتمادا على محاضر التحقيق، وأبحاثه حول تاريخ المناخ، وهي موضوعات أصبحت اليوم عادية في الجامعات.

3 - التأسيس لتاريخ الذهنيات والتاريخ الثقافي

وفي المقابل، أسهم التيار في التأسيس لتاريخ الذهنيات ثم للتاريخ الثقافي بمفهومه الحديث، فقد أظهر أن الأفكار والمعتقدات والرموز موضوعات تاريخية قابلة للبحث العلمي. ولم يعد التاريخ الفكري محصورا في كبار المفكرين، بل اتسع ليشمل ثقافة العامة وطرق تفكير الناس العاديين، وهو ما يعد من أخصب إسهامات مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد.

4 - إسهام في الجغرافيا التاريخية والتاريخ العالمي

وكذلك فإن للمدرسة إسهاما بارزا في الجغرافيا التاريخية والتاريخ العالمي. فقد جعل بروديل من المجال والبحر والطرق التجارية موضوعات تاريخية، وبنى فكرة الاقتصاد العالمي (Économie-monde) في دراسته حول الرأسمالية. وهي مفاهيم ألهمت لاحقا حقل التاريخ العالمي وتاريخ التبادلات بين الحضارات.

5 - إغناء الدراسات حول المتوسط والعصور الوسطى والحديثة

وعلاوة على ما سبق، أغنت المدرسة الدراسات حول المتوسط والعصور الوسطى والفترة الحديثة، فقدمت أعمال بلوك ودوبي ولوغوف رؤية جديدة للعصر الوسيط الأوروبي، وقدمت أعمال بروديل وشونو فهما جديدا للمتوسط والأطلسي. وقد استفاد الباحثون في تاريخ الإسلام والمغرب من هذه الأعمال لإعادة التفكير في علاقة ضفتي المتوسط.

المطلب الثاني - النقد الموجه للمدرسة

1 - إهمال التاريخ السياسي والحدث والفرد في مرحلة بروديل

من أبرز الانتقادات الموجهة للتيار أنه أهمل التاريخ السياسي والحدث والفرد، خاصة في مرحلة بروديل التي وصفت الحدث بغبار التاريخ. وقد رأى المنتقدون أن هذا الإهمال أضعف القدرة على تفسير الثورات والحروب والقرارات الكبرى، وهو ما دفع الجيل الرابع إلى إعادة الاعتبار للسياسي والفاعل الفردي.

2 - تشظي التاريخ الجديد وتفتت موضوعاته

ومن جهة أخرى، اتهم التاريخ الجديد بالتشظي، أي تفتت الموضوعات إلى دراسات جزئية متباعدة عن الكل. وقد قال مؤرخون مثل فرنسوا دوس في كتابه عن التاريخ المحطم إن التركيز على موضوعات متفرقة فقد التيار طموحه إلى التاريخ الكلي، وصار يقدم لوحات متجاورة أكثر مما يقدم تركيبا شاملا.

3 - الاعتماد المفرط على الكم والبنى

وفي المقابل، انتقد الباحثون الاعتماد المفرط على الكم والبنى، لأنه قد يحجب تجربة الأفراد ويحول الناس إلى أرقام في جداول. كما أن السلاسل الإحصائية لا تتوفر لكل العصور والمجتمعات، فيصعب تعميم المنهج، وقد دفع ذلك الجيل الثالث إلى تعويض الكم بالتأويل الثقافي والأنثروبولوجي في عدد من الدراسات.

4 - المركزية الفرنسية والأوروبية في الاهتمامات

وبالإضافة إلى ذلك، يلاحظ الدارسون أن اهتمامات المدرسة ظلت في معظمها فرنسية وأوروبية، إذ تتركز أغلب أبحاثها على فرنسا والمتوسط الغربي والعصر الوسيط والحديث الأوروبي. ولم يحظ التاريخ العربي والإفريقي والآسيوي بالاهتمام نفسه، وهو ما يجعل نقل مفاهيمها إلى مجتمعات أخرى مشروطا بتكييف نقدي لا بنقل آلي.

5 - الجدل حول علمية تاريخ الذهنيات

وأخيرا، أثار تاريخ الذهنيات جدلا حول علميته، فقد رأى ناقدوه أن مفهوم الذهنية غامض ويصعب ضبطه، وأنه يخفي التفاوت بين الفئات والطبقات داخل المجتمع الواحد. وقد دفع هذا الجدل نحو استعمال مفاهيم أدق كالتمثلات والممارسات، وهو مثال على قدرة المدرسة على نقد نفسها وتصحيح مسارها.

جدول يوضح أبرز الانتقادات الموجهة للتيار وتطور موقفه منها
موضوع النقدمرحلتهمضمون النقدالاستجابة اللاحقة
إهمال الحدث والسياسةمرحلة الجيل الثانيتفسير التاريخ بالبنى فقطعودة السياسي والفرد عند الجيل الرابع
تشظي الموضوعاتمرحلة الجيل الثالثفقدان وحدة التركيبمراجعات المنعطف النقدي
الاعتماد على الكممرحلة الجيل الثانيتغييب التجربة الفرديةالتأويل الثقافي والأنثروبولوجي
المركزية الأوروبيةمراحل متعددةمحدودية المجالات المدروسةالانفتاح على التاريخ العالمي

المطلب الثالث - أثر المدرسة في الدراسات العربية والمغاربية

1 - حضور الحوليات في الدراسات التاريخية العربية

وصل أثر مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد إلى الجامعات العربية عبر الترجمة والتكوين في الجامعات الفرنسية، فتأثرت به أقسام التاريخ في المغرب وتونس والجزائر ومصر ولبنان. وقد تجلى ذلك في الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي، وفي الانفتاح على علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وإن ظل حضوره متفاوتا من بلد إلى آخر.

2 - أعمال عبد الله العروي وهشام جعيط ومحمد القبلي وتجارب مغاربية أخرى

ومن الأسماء التي يرتبط عملها بأفق مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد المنهجي عبد الله العروي في تأملاته حول المنهج والتاريخ وفي دراساته عن المغرب، وهشام جعيط في أبحاثه حول نشأة المدينة العربية الإسلامية والفتنة، ومحمد القبلي في دراساته حول المجتمع والسلطة في المغرب الوسيط. وتنبغي الإشارة إلى ضرورة التحقق من عناوين أعمالهم وتواريخها في المراجع المحكمة، إلى جانب تجارب مغاربية أخرى.

3 - توظيفها في الدراسات التاريخية الجزائرية

وفي السياق الجزائري، وُظّفت مفاهيم المدرسة في دراسات التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للريف والمدن والقبائل والأوقاف والأسعار في العهد العثماني والفترة الاستعمارية. وللجزائر صلة خاصة بهذا التيار، فقد درّس بروديل في الجزائر سنوات طويلة، ولا تزال الأرشيفات المحلية والأجنبية مجالا واسعا يمكن لمدرسة الحوليات والتاريخ الجديد أن تغنيه بأسئلتها.

4 - صعوبات التوظيف ونقص المصادر والأرشيف

غير أن توظيف المنهج الحولي يواجه صعوبات عملية، أبرزها ضعف المصادر الكمية المنتظمة كسجلات الحالة المدنية والأسعار في بعض العصور، وتشتت الأرشيف بين دول متعددة، وصعوبة الوصول إليه أحيانا. ومن جهة أخرى، يعاني التكوين الجامعي من ضعف الإعداد المنهجي في العلوم الاجتماعية المجاورة، وهو ما يحد من القدرة على الاستفادة من أدوات الحوليات.

5 - اقتراحات لتوطين المنهج الحولي في الجامعات العربية

وبناء على ما تقدم، يمكن اقتراح خطوات عملية لتوطين المنهج في الجامعات العربية، ومنها ما يلي.

  • إدراج مادة مستقلة عن مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد ومناهجها في برامج الإجازة والماستر.
  • ترجمة النصوص المؤسسة لبلوك وفيفر وبروديل ولوغوف إلى العربية ترجمة دقيقة.
  • رقمنة الأرشيفات المحلية وإتاحتها للباحثين لبناء قواعد بيانات تاريخية.
  • تشجيع الأعمال الجماعية التي تجمع المؤرخين بعلماء الاجتماع والجغرافيين والأنثروبولوجيين.
  • الحرص على التكييف النقدي للمفاهيم بما يلائم خصوصيات المجتمعات العربية والمغاربية.

الخاتمة

لقد حاولنا في هذا المقال أن نبين كيف نشأت مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد من نقد التاريخ الوضعي، وكيف تعاقبت أجيالها من بلوك وفيفر إلى بروديل ثم إلى لوغوف ونورا ودوبي ثم إلى الجيل النقدي الأخير. وقد رأينا أن هذه الأجيال حملت جميعا مشروعا مشتركا هو تحويل التاريخ من سرد الأحداث إلى دراسة الإنسان والمجتمع في كل أبعادهما، مع تغير الأدوات والموضوعات من جيل إلى آخر.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن التاريخ الجديد امتداد للحوليات وليس مدرسة منفصلة عنها، وأن أهم نتائج هذا المسار تتمثل في تعاقب أجيال انتقل فيها الاهتمام من الاقتصاد والبنى إلى الذهنيات والثقافة والذاكرة، وفي ظهور مفاهيم كبرى كالمدى الطويل والتاريخ المشكل وأماكن الذاكرة، وفي فتح موضوعات جديدة لم تكن مطروقة، مع بقاء ما وجه إليها من انتقادات مشروعة حول إهمال السياسي وتشظي الموضوعات والمركزية الأوروبية.

وبناء على هذه النتائج، نوصي بتعميق دراسة المنهج الحولي في الجامعات العربية والمغاربية وتوظيفه في الكتابة التاريخية المحلية بروح نقدية تراعي خصوصية المصادر والمجتمعات. أما آفاق البحث المستقبلية فتتمثل في العلاقة بين مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد والتاريخ الرقمي الذي يتيح معالجة ضخمة للأرشيفات، وفي التاريخ العالمي الذي يتجاوز المركزية الأوروبية، وهما مجالان يحتفظان لهذا التيار بقدرته على التجدد، ويجعلان منه مرجعا لا غنى عنه لكل باحث في التاريخ.


المراجع

[قائمة المراجع]
- Reference: by Peter Burke (Author) , The French Historical Revolution: The Annales School, 1929-2014, Second Edition
- Reference: by E. J. Hobsbawm (Author) , On History
- Reference: by Jacques Le Goff (Editor), Pierre Nora (Editor) , Constructing the Past: Essays in Historical Methodology
- Reference: by Georg G. Iggers (Author) , Historiography in the Twentieth Century: From Scientific Objectivity to the Postmodern Challenge
- Reference: by Marc Bloch (Author), Peter Putnam (Translator) , The Historian's Craft: Reflections on the Nature and Uses of History and the Techniques and Methods of Those Who Write It.
- Reference: by Andre Burguiere (Author), Jane Marie Todd (Translator) , The Annales School: An Intellectual History
[/قائمة المراجع]
أسئلة شائعة: مدرسة الحوليات والتاريخ الجديد - التحول المفهومي والمناهج والاتجاهات
س1: كيف تطور تيار التاريخ الجديد (Nouvelle Histoire) كنعطف حاسم داخل مدرسة الحوليات؟ ▼
برز تيار التاريخ الجديد بوضوح مع الجيل الثالث لمدرسة الحوليات خلال أواخر ستينيات وثمانينيات القرن العشرين، بقيادة مؤرخين أمثال جاك لوغوف وجاك ريفيل وجورج دوبي وإيمانويل لوروا لادوري. وقد جاء هذا الاتجاه ليعمق الثورة المنهجية التي بدأها الأجيال الأولى، متنقلاً بالبحث التاريخي من التركيز على البنى الاقتصادية والاجتماعية الكبرى إلى استكشاف الهوامش، والتمثلات، والثقافات الشعبية، والذهنيات.
س2: ما هي المرتكزات والمواضيع الحديثة التي جعلها التاريخ الجديد في صدارة التدوين التاريخي؟ ▼
وسع التاريخ الجديد نطاق التفكير التاريخي ليشمل ظواهر وموضوعات لم تكن تُعد قديماً جديرة بالدراسة، ومن أبرزها:
  • تاريخ الذهنيات والتمثلات: دراسة المعتقدات، المخاوف، التصورات الموتية، والمشاعر الجمعية عبر العصور.
  • التاريخ الميكروي (Micro-history): مجهرية التحليل ودراسة مجتمعات أو حوادث صغيرة لاستقراء الأنساق العامة.
  • تاريخ الحياة اليومية والجسد: التغطي المعرفي لتاريخ العادات الغذائية، الجسد، الطقوس، والأنثروبولوجيا التاريخية.
س3: كيف أثر الانفتاح الأنثروبولوجي والكمي على الأدوات المنهجية للتاريخ الجديد؟ ▼
اعتمد التاريخ الجديد على التكامل الأنثروبولوجي واستخدام الأساليب الكمية والحاسوبية؛ حيث استخدم المقاربات التأويلية لفك رموز الثقافة المادية والرموز الشفهية، إلى جانب معالجة البيانات الإحصائية الكبيرة كالسجلات الكنسية، وعقود الزواج، وقوائم الأسعار، لتحويل المعطيات التراكمية إلى مؤشرات دقيقة للتحول الاجتماعي والثقافي.
س4: ما الفارق المنهجي بين الرؤية البروديلية للزمان والرؤية التاريخية المعاصرة في التاريخ الجديد؟ ▼
في حين ركز الجيل الثاني بريادة فرناند بروديل على بنى المد الطويل والجغرافيا التاريخية الكلية، انتقل التاريخ الجديد نحو تفتيت الزمان وتفكيك المركزيات؛ حيث أعاد الاعتبار للزمن القصير، والتجارب الفردية، والمسارات غير الخطية، مؤكداً أن الحوادث الميكروية والتغيرات الفكرية اللحظية تحمل دلالات لا تقل أهمية عن التحولات البنيوية الكبرى.
س5: ما هي الإسهامات الإبستمولوجية التي قدمها التاريخ الجديد للمعرفة التاريخية الحديثة؟ ▼
نجح التاريخ الجديد في إضفاء الديمقراطية المعرفية على التاريخ؛ إذ لم يعد التاريخ مجرد سجل للنخب الحاكمة أو الأرقام الاقتصادية الصماء، بل أصلح وعياً إنسانياً شاملاً يستنطق صمت الفئات المهمشة، ويكشف عن القواعد الثقافية والنفسية العميقة التي صاغت سلوك الإنسان في مختلف الأزمنة والمجتمعات.
تعليقات