مقدمة
لم يكن علم الآثار في بداياته سوى شغف نخبوي بجمع التحف النادرة وعرضها في قاعات القصور، ثم تحول مع مرور الزمن إلى علم قائم بذاته له مناهجه وأدواته وأسئلته الكبرى. وفي هذا المسار الطويل لم يتفق الباحثون على طريقة واحدة لقراءة المادة الأثرية، بل تنازعت تفسيرها اتجاهات فكرية متعددة عرفت باسم مدارس علم الآثار.
1 - تمهيد حول تحول علم الآثار من جمع التحف إلى علم تتنازع تفسيره مدارس متعددة
بدأ الاهتمام بالآثار عند هواة يقتنون القطع الجميلة دون سؤال عن سياقها، ثم فرضت الاكتشافات الكبرى أسئلة جديدة حول الزمن والمكان والإنسان. وبناءً على ذلك تشكلت مدارس علم الآثار تدريجيا، وكل واحدة منها حاولت الإجابة عن حدود المنهج السابق.
2 - أهمية الكلمة المفتاحية مدارس علم الآثار في فهم سبب اختلاف الباحثين أمام الموقع الواحد
قد يقف باحثان أمام الموقع نفسه فيخرج أحدهما بتصنيف دقيق للفخار، ويخرج الآخر بتفسير اجتماعي أو رمزي للمكان كله. وفي هذا السياق، يكشف التعرف على مدارس علم الآثار أن الاختلاف ليس خطأ بالضرورة، وإنما هو نتيجة اختلاف الأسس الفلسفية وطرق طرح السؤال.
3 - إشكالية المقال - ما الأسس والمناهج والأعلام التي ميزت كل مدرسة من مدارس علم الآثار وما حدودها
تدور الإشكالية حول سؤال محوري يتفرع إلى أسئلة صغرى. كيف نشأت كل مدرسة، وما الذي ميز منهجها، ومن أبرز روادها، وأين بلغ نقدها حدوده. ومن جهة أخرى، هل يمكن التوفيق بين هذه الاتجاهات داخل مشروع بحثي واحد.
4 - أهداف المقال ومنهجه التاريخي والتحليلي والمقارن
يهدف المقال إلى تقديم مرجع واضح يعرض كل مدرسة عرضا متسلسلا من النشأة إلى التقويم. وقد اعتمدنا المنهج التاريخي لتتبع التطور، والمنهج التحليلي لتفكيك الأسس، والمنهج المقارن لإبراز نقاط الالتقاء والافتراق بين الاتجاهات.
5 - عرض خطة المقال
نبدأ بمبحث أول عن ماهية علم الآثار ونشأة مدارسه، ثم نعرض المدرسة التقليدية، فمدرسة التاريخ الثقافي، فالمدرسة التطورية، فالمدرسة الإجرائية، فما بعد الإجرائية. وأخيرا نخصص مبحثا للمقارنة وللحضور العربي والجزائري، قبل أن نختم بأهم النتائج والتوصيات.
المبحث الأول - ماهية علم الآثار ونشأة مدارسه
المطلب الأول - تعريف علم الآثار وموضوعه
1 - التعريف اللغوي والاصطلاحي
الآثار في اللغة جمع أثر، وهو بقية الشيء وما يتركه السابقون خلفهم. أما اصطلاحا فعلم الآثار (Archaeology) هو دراسة الماضي الإنساني من خلال البقايا المادية، كالأدوات والمباني والمدافن والنفايات، باستعمال مناهج منظمة في الحفر والتسجيل والتحليل.
2 - موضوع علم الآثار وأهدافه
يتناول هذا العلم الإنسان في ماضيه عبر ما صنعه واستعمله وتخلى عنه. وتتمثل أهدافه في ترتيب الأحداث زمنيا، وإعادة بناء أنماط العيش، ثم تفسير أسباب التغير. ولذلك تتفاوت مدارس علم الآثار في ترتيب هذه الأهداف وفي وزن كل هدف منها.
3 - علاقته بالتاريخ والأنثروبولوجيا والعلوم الطبيعية
يلتقي علم الآثار مع التاريخ في الاهتمام بالماضي، لكنه يعتمد على المادة لا على النص وحده. وعلاوة على ذلك، يستفيد من الأنثروبولوجيا (Anthropology) في فهم المجتمعات، ومن الجيولوجيا والكيمياء والأحياء في التحليل والتأريخ.
4 - فروعه الكبرى
تتعدد فروعه بحسب المرحلة أو الموضوع، فمنها آثار ما قبل التاريخ، والآثار الكلاسيكية، والآثار الإسلامية، والآثار المصرية والشرقية القديمة. كذلك ظهرت فروع متخصصة مثل الآثار البحرية، والآثار الحيوانية والنباتية، والآثار الحضرية.
5 - الفرق بين الأثر والتحفة والوثيقة المكتوبة
الأثر شيء صنعه الإنسان أو تأثر بفعله ويدرس في موضعه الأصلي، بينما التحفة قطعة منتقاة لقيمتها الجمالية أو الندرة. أما الوثيقة المكتوبة فتحمل خطابا مقصودا، في حين يكشف الأثر في الغالب عن ممارسات لم يقصد أصحابها تسجيلها.
المطلب الثاني - نشأة علم الآثار وتطوره
1 - مرحلة جمع التحف والهواة
عرفت أوروبا منذ عصر النهضة هواة يعرفون بالعتيقيين (Antiquarians)، وكانوا يجمعون القطع القديمة ويصفونها. وفي المقابل، افتقر عملهم إلى التسجيل الطبقي والتسلسل الزمني الدقيق، مما جعل معرفتهم وصفية أكثر منها علمية.
2 - الاكتشافات الكبرى وأثرها في التأسيس
أسهمت اكتشافات مثل بومبي وهيركولانيوم، ثم فك رموز الكتابة الهيروغليفية، في ترسيخ الاهتمام بالماضي. وفي هذا الإطار، أظهرت أعمال بوشيه دو بيرت في وادي السوم أن الإنسان أقدم بكثير مما تقول به التصورات الدينية والتاريخية السائدة.
3 - نظرية العصور الثلاثة والتسلسل الطبقي
اقترح الدنماركي كريستيان يورغنسن تومسن في مطلع القرن التاسع عشر ترتيب المقتنيات إلى عصور الحجر والبرونز والحديد. وبالتزامن مع ذلك، أرسى علم الجيولوجيا مبدأ تعاقب الطبقات، فصار الحفر المنظم وسيلة لقراءة الزمن.
4 - دور الجامعات والمتاحف والجمعيات العلمية
ساهمت المتاحف الوطنية في حفظ المقتنيات وتصنيفها، وأنشأت الجامعات كراسي متخصصة، وظهرت جمعيات علمية تنشر النتائج وتناقشها. وبذلك انتقل علم الآثار من ممارسة فردية إلى مهنة لها معاييرها ومؤسساتها.
5 - التحولات التقنية من التأريخ بالكربون المشع إلى التحليل الرقمي
غير اكتشاف التأريخ بالكربون المشع (Radiocarbon Dating) على يد ويلارد ليبي أواخر الأربعينيات صورة الزمن الأثري. ومن ثم تتابعت تقنيات أخرى، كالتأريخ بالحلقات الشجرية والتحليل النظائري، ثم نظم المعلومات الجغرافية والنمذجة ثلاثية الأبعاد.
المطلب الثالث - مفهوم المدارس الأثرية وأسباب ظهورها
1 - تعريف المدرسة الأثرية والفرق بينها وبين المنهج والنظرية
المدرسة الأثرية جماعة من الباحثين تشترك في تصور فلسفي للمعرفة وفي أسئلة وأولويات ومفاهيم مركزية. أما المنهج فهو أسلوب العمل الإجرائي، والنظرية إطار تفسيري محدد، ولذلك قد تستعمل المدرسة الواحدة مناهج متعددة.
2 - العوامل الفلسفية والفكرية المؤثرة في ظهور المدارس
تأثرت مدارس علم الآثار بتيارات فكرية كبرى، كالوضعية والتطورية والتأويلية والفكر النقدي. وكلما تحول المناخ الفلسفي في العلوم الإنسانية، تغيرت معه نظرة الباحثين إلى معنى الأثر وحدود معرفتنا به.
3 - أثر العلوم المجاورة والتطورات التقنية
استعار علم الآثار من البيولوجيا مفهوم الانتخاب، ومن الأنثروبولوجيا مفهوم الثقافة، ومن الإحصاء أدوات العينات والاختبار. وإضافة إلى ذلك، منحت التقنيات الجديدة الباحثين بيانات لم تكن متاحة سابقا، فدفعتهم إلى طرح أسئلة مختلفة.
4 - أثر السياق السياسي والقومي والاستعماري
لم يكن علم الآثار بمنأى عن السياسة، فقد وظفت بعض الدول نتائجه لتأكيد أصول قومية، ورافق في مراحل كثيرة التوسع الاستعماري. ومن هذا المنطلق، ينبغي قراءة كل مدرسة داخل ظروفها التاريخية والسياسية.
5 - معايير ترتيب المدارس وحدود التصنيف
رتبنا المدارس بحسب ظهورها الزمني وأثرها المنهجي، غير أن هذا الترتيب تقريبي. فالمدارس تتداخل وتتعايش، ولا تنتهي واحدة منها بظهور الأخرى، كما أن بعض الباحثين يجمعون بين أكثر من اتجاه في عمل واحد.
المبحث الثاني - المدرسة التقليدية
المطلب الأول - النشأة والأسس
1 - جذورها في مرحلة العتيقيين وجامعي التحف
تعود جذور هذه المدرسة إلى عمل العتيقيين الذين وصفوا الآثار وصنفوها منذ القرون الوسطى المتأخرة. ويعد هذا الاتجاه أول صور مدارس علم الآثار من حيث الظهور، وقد انتقل بعد ذلك إلى الجامعات والمتاحف.
2 - اعتبارها النهج الأقدم والأوسع انتشارا
بقيت المدرسة التقليدية (Traditional Archaeology) الأوسع حضورا عبر العالم لعقود، لأنها بسيطة في أدواتها وتناسب فرق العمل الصغيرة. ومما عزز انتشارها أن كثيرا من الإدارات الأثرية الوطنية بنت ممارساتها على أساسها.
3 - تصورها للأثر بوصفه شاهدا ماديا يوصف كما هو
ترى هذه المدرسة أن الأثر يحمل معناه في ذاته، وأن مهمة الباحث تنحصر في كشفه ووصفه وتصنيفه بدقة. وبناءً على ذلك، يعد الوصف الأمين للمكتشفات غاية في حد ذاتها لا مرحلة تمهيدية للتفسير.
4 - أهدافها في تحديد هوية المجتمعات وتاريخها القديم
سعت المدرسة إلى التعرف على الشعوب القديمة وإلى ربط المواقع بأسماء الحضارات والمدن المذكورة في المصادر. وهكذا صار الأثر وسيلة لإثبات ما ورد في النصوص أو لملء فراغاتها، وليس مادة لطرح أسئلة جديدة.
5 - أبرز أعلامها وإسهاماتهم
يذكر من أعلامها هنريش شليمان الذي بحث عن طروادة اعتمادا على ملحمة هوميروس، وأوغسطس بيت ريفرز الذي اشتهر بدقة تسجيله، وفلندرز بيتري الذي طور التسلسل النمطي للمقتنيات في مصر. وقد مهد هؤلاء بدرجات متفاوتة لأساليب أكثر انضباطا.
المطلب الثاني - المنهج والتطبيقات
1 - المنهج الاستدلالي في وصف المكتشفات
يقوم المنهج على الانتقال من الملاحظة المباشرة إلى استنتاجات مبنية على خبرة الباحث ومعرفته بالحضارات. وفي هذا الإطار يلعب حدس العالم المتمرس دورا كبيرا، وهو ما جعل نتائج هذه المدرسة صعبة الاختبار.
2 - التصنيف والتسلسل النمطي والزمني
اشتغلت المدرسة بتصنيف الأدوات والفخار بحسب الشكل والمادة والزخرفة (Typology)، ثم رتبتها في تسلسل زمني نسبي. وقد قدم هذا العمل إطارا ضروريا لا تزال مدارس علم الآثار اللاحقة تستعين به.
3 - الاعتماد على النصوص الكلاسيكية في تحديد المواقع
اتخذ الباحثون كتابات الإغريق والرومان خرائط ذهنية للتنقيب، فتتبعوا ما ذكره المؤرخون والجغرافيون من مدن ومعارك. ومن الجدير بالذكر أن هذا الأسلوب نجح أحيانا، لكنه أدى كذلك إلى إهمال المواقع التي لا تذكرها النصوص.
4 - نماذج تطبيقية من الحفريات المبكرة
من الأمثلة حفريات بومبي ونينوى وطروادة في القرن التاسع عشر، وكانت تركز على الوصول إلى المباني الكبرى والقطع الثمينة. وفي المقابل، لم تحظ الأحياء السكنية البسيطة ولا الحياة اليومية بالاهتمام نفسه.
5 - أدوات التوثيق في هذه المدرسة
اعتمد التوثيق على الرسم اليدوي والوصف الكتابي والصور الفوتوغرافية عند توفرها، مع سجلات يومية للحفر. ورغم محدوديتها، كانت هذه الأدوات الأساس الذي بنيت عليه معايير التسجيل الحديثة لاحقا.
المطلب الثالث - تقويم المدرسة التقليدية
1 - إسهاماتها في جمع المادة الأثرية وترتيبها
يعود الفضل إلى هذه المدرسة في إنقاذ كم هائل من المعطيات وحفظها في المتاحف وترتيبها في سجلات. وبفضل هذه المادة، تمكنت الأجيال اللاحقة من مراجعة الاستنتاجات وطرح أسئلة أعمق.
2 - غياب التفسير وتعليل التغير
اكتفت المدرسة بالإجابة عن سؤال ماذا وجدنا ومتى، ولم تعن بسؤال لماذا تغيرت المجتمعات. ولذلك يوصف عملها بأنه توصيفي أكثر منه تفسيري، وهذا ما دفع الاتجاهات التالية إلى التمرد عليها.
3 - إهمال السياق الطبقي في بعض الأعمال
في كثير من الحفريات المبكرة، كان الحفر يتم بسرعة بحثا عن القطع، فضاعت العلاقات بين اللقى وطبقاتها. وبالتالي فقدت هذه المواقع جزءا من قيمتها العلمية، إذ لا يمكن إعادة الحفر في موضع حفر مرة واحدة.
4 - أثر الرؤية الاستعمارية والنصية في توجيه البحث
وجهت الدوافع الاستعمارية بعض البعثات نحو المواقع التي تخدم سردية معينة عن ماضي الأمم، كما قدمت الرؤية النصية الغرب الكلاسيكي بوصفه المرجع. ومن ثم تأثرت النتائج بخلفيات سياسية وثقافية لم تكن معلنة دائما.
5 - ما بقي منها حيا في الممارسة المعاصرة
لا تزال الأعمال الوصفية والتصنيفية وقوائم اللقى جزءا من كل مشروع حفر، فالتوثيق الدقيق لا يستغني عنه أي اتجاه. وهكذا تبقى مدارس علم الآثار الحديثة مدينة لهذه المدرسة في أساسها الوصفي.
المبحث الثالث - مدرسة التاريخ الثقافي
المطلب الأول - النشأة والرواد
1 - ظهورها في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين
برزت مدرسة التاريخ الثقافي (Culture-History) حين اتسعت المعطيات الأثرية بحيث لم يعد التصنيف المجرد كافيا. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى تنظيم المواقع في وحدات ثقافية متمايزة في الزمان والمكان، تحل محل الأوصاف المتفرقة.
2 - السياق الفكري والقومي لنشأتها
تشكلت المدرسة في أوروبا وقت تصاعد الحركات القومية، حيث بحثت الشعوب عن جذورها التاريخية. وفي ضوء ذلك، ارتبط مفهوم الثقافة الأثرية بفكرة الجماعة البشرية ذات الخصائص المشتركة.
3 - غوستاف كوسينا وربط الثقافة بالجماعة البشرية
اشتهر الألماني غوستاف كوسينا بمنهج الاستيطان الأثري الذي يربط تجمعا من المقتنيات بشعب معين. وقد أسهمت فكرته في بلورة مفهوم الثقافة الأثرية، لكنها استغلت سياسيا لاحقا بصورة مؤسفة.
4 - غوردن تشايلد وتطوير المفهوم
طور الأسترالي فير غوردن تشايلد المفهوم، فعرف الثقافة الأثرية بأنها مجموعة متكررة من أنماط اللقى في منطقة ما. كذلك أضاف إلى المدرسة بعدا اجتماعيا واقتصاديا حين درس نشأة الزراعة والمدن في الشرق الأدنى وأوروبا.
5 - أثر الأنثروبولوجيا في صياغة المدرسة
استعارت المدرسة من الأنثروبولوجيا فكرة أن لكل جماعة نمطا ثقافيا مميزا ينتقل عبر الأجيال. وفي هذا السياق، شاعت مفاهيم مثل المنطقة الثقافية والمركز الثقافي، لتصف الامتداد الجغرافي للأنماط.
المطلب الثاني - الأسس والمنهج
1 - مفهوم الثقافة الأثرية وحدودها
الثقافة الأثرية هي تجمع نمطي من الأدوات والمساكن والمدافن يتكرر في موقع أو مواقع متقاربة. غير أن حدودها مرنة، إذ قد تكون مجرد أداة تصنيف يفرضها الباحث لا انعكاسا لهوية حقيقية عاشها أصحابها.
2 - فهم التطور الحضاري من خلال العلاقة بين الإنسان وبيئته
رأى رواد هذه المدرسة أن الإنسان يستجيب لبيئته بوسائل ثقافية، وأن التغيرات الكبرى في الاقتصاد تنعكس على المجتمع كله. ومن جهة أخرى، لم يطوروا أدوات دقيقة لتحليل هذه العلاقة كما فعل من جاء بعدهم.
3 - المنهج الوصفي والمقارن والخرائط التوزيعية
اعتمدت المدرسة على وصف الثقافات ومقارنة بعضها ببعض ورسم خرائط توضح امتداد كل نمط. وبذلك أتاحت قراءة بصرية لتوزع الثقافات، وهي طريقة ما زالت تستعمل في العروض الأثرية الإقليمية.
4 - تفسير التغير بالهجرة والانتشار
فسرت المدرسة ظهور نمط جديد في موقع ما بأنه نتيجة هجرة جماعة أو انتشار فكرة (Diffusion). وفي المقابل، قللت من احتمال أن يكون التغير نابعا من تحولات داخلية في المجتمع نفسه.
5 - مفهوما الثورة النيوليتية والثورة الحضرية
صاغ تشايلد مصطلحي الثورة النيوليتية (Neolithic Revolution) والثورة الحضرية (Urban Revolution) لوصف التحول إلى الزراعة ثم إلى المدن. ولا يزال المصطلحان متداولين، وإن خضعا لمراجعات كثيرة بسبب تدرج هذه التحولات.
المطلب الثالث - التطبيقات والتقويم
1 - نماذج من أوروبا والشرق الأدنى
طبقت المدرسة في أوروبا من خلال ثقافات مثل ثقافة الكؤوس الجرسية وثقافة الأواني الخطية. كما طبقت في الشرق الأدنى عبر تسلسل ثقافات بلاد الرافدين والشام، ورتبت المواقع في أطر زمنية إقليمية واضحة.
2 - إسهامها في بناء التسلسل الثقافي الإقليمي
قدمت المدرسة جداول زمنية ثقافية لا غنى عنها لتنظيم المعطيات، بحيث صار من الممكن مقارنة المواقع وربطها. وعلى هذا الأساس، تقوم كثير من الأطر الزمنية المعتمدة اليوم على جهد هذه المدرسة.
3 - المخاطر السياسية لربط الثقافة بالعرق
أدى ربط الثقافة الأثرية بالجنس البشري إلى توظيف سياسي خطير في ألمانيا النازية لتبرير ادعاءات توسعية. ولهذا يحذر الباحثون اليوم من التماهي بين الأنماط المادية والهويات العرقية.
4 - نقدها بأنها تصف أكثر مما تفسر
انتقد الجيل اللاحق المدرسة لأنها تحدد الثقافات وتوزعها دون أن تفسر أسباب نشوئها أو زوالها. كذلك لم تقدم تصورا لآليات التغير الداخلي، مكتفية بالهجرة والانتشار.
5 - أثرها في ظهور المدرسة الإجرائية
شكل هذا النقد نقطة الانطلاق للمدرسة الإجرائية في ستينيات القرن العشرين. وهكذا بدا أن مدارس علم الآثار تتعاقب بدافع تجاوز نقائص ما قبلها، لا بدافع إلغائه كليا.
المبحث الرابع - المدرسة التطورية في علم الآثار
المطلب الأول - الأسس والنشأة
1 - التطورية الثقافية وأثر داروين وتايلور ومورغان
تأثرت التطورية الثقافية بنظرية داروين في الانتخاب الطبيعي، وبأفكار إدوارد تايلور ولويس هنري مورغان في تطور المجتمعات. وقد سادت في القرن التاسع عشر، وأثرت في أول محاولات تفسير التغير الثقافي الكبير.
2 - تدرج المجتمعات في مراحل متعاقبة
قسم مورغان المجتمعات إلى مراحل هي التوحش والبربرية والحضارة، ورأى أن الجميع يمر بها بالترتيب ذاته. وفي هذا السياق، ساد افتراض أن الأمم تتفاوت في موقعها على سلم واحد للتقدم.
3 - التطورية الداروينية في علم الآثار المعاصر
عاد الاهتمام بالتطورية منذ ثمانينيات القرن العشرين مع ما يعرف بعلم الآثار الداروينية (Darwinian Archaeology). وقد ارتبط بأسماء مثل روبرت دونيل ومايكل أوبراين وليمان، الذين طبقوا مفاهيم الانتخاب والانتقال على الثقافة المادية.
4 - دراسة التغير الثقافي والاجتماعي عبر الزمن
تهتم هذه المدرسة بتتبع كيف تتغير السمات الثقافية عبر الزمن وكيف تنتقل بين الجماعات. وبناءً على ذلك، تعامل الأدوات والفخار كأنها أنواع متحولة يمكن دراسة نسبها وتفرعاتها.
5 - الفرق بين التطورية الكلاسيكية والتطورية المعاصرة
تفترض التطورية الكلاسيكية مسارا واحدا وغايات محددة مسبقا، بينما ترفض المعاصرة الحتمية والتفاضل بين الأمم. فهي تركز على آليات التغير والتباين وليس على سلم حضاري، ومن ثم تعد أقرب إلى البيولوجيا التطورية الحديثة.
المطلب الثاني - المنهج والتطبيقات
1 - تتبع تغير الأنماط عبر الزمن بمفاهيم الانتخاب والانتقال
يفسر الباحث ظهور سمة ما بأنها انتخبت لميزة وظيفية، أو انتقلت بالتقليد بين الأفراد، أو بقيت بمحض الصدفة. وفي هذا الإطار، يشبه مفهوم الانجراف الثقافي مفهوم الانجراف الوراثي في علم الأحياء.
2 - التسلسل المقارن في تحليل اللقى
يعتمد التحليل على ترتيب اللقى في تسلسل يبين تدرج التغير، ومنه ما يعرف بمنحنيات الشعبية الزمنية لأنماط الفخار. ويسمح ذلك بقراءة صعود الأنماط وانحسارها وفق سلوك كمي يمكن قياسه.
3 - التحليل الكمي للاختلافات النمطية
تستعمل المدرسة مقاييس إحصائية للمقارنة بين مجموعات اللقى وتحديد درجة تقاربها أو تباعدها. ومما يميزها اهتمامها بالاختلاف داخل المجموعة الواحدة، وليس بالنمط المتوسط وحده.
4 - نماذج من دراسة تطور الأدوات والفخار
من التطبيقات دراسة تطور رؤوس السهام في أمريكا الشمالية، وتتبع تحولات أشكال الأواني عبر قرون. وتظهر هذه الدراسات كيف تتبدل الأنماط تدريجيا أو تتبدل فجأة حين تتغير الظروف.
5 - العلاقة بين التطور الثقافي والتكيف البيئي
تربط المدرسة بين تغير الأدوات وتغير الظروف البيئية والاقتصادية، فتقرأ التطور بوصفه استجابة تكيفية في كثير من الحالات. وفي المقابل، تنبه إلى أن الانتخاب ليس الآلية الوحيدة وراء كل تغير.
المطلب الثالث - التقويم والنقد
1 - إسهامها في تفسير التغير الطويل المدى
قدمت هذه المدرسة لغة منهجية دقيقة لوصف التغير على مدى قرون وآلاف السنين. وبذلك سدت فجوة تركتها مدرسة التاريخ الثقافي التي اكتفت برصد الانتقال والانتشار دون آلية واضحة.
2 - نقد الصورة الخطية الحتمية للتطور
رفض الباحثون الفكرة القائلة إن كل المجتمعات تسير في خط واحد صاعد، لأن الشواهد الأثرية تكشف مسارات متنوعة. ومن ثم تحولت التطورية الكلاسيكية إلى نموذج تاريخي تجاوزه البحث.
3 - الاعتراض على القيم الحضارية المسبقة
اتهمت التطورية الكلاسيكية بتبني أحكام قيمية تضع المجتمعات الأوروبية في القمة وغيرها في مراتب دنيا. ولذلك أصبح الباحثون أكثر حذرا من ألفاظ مثل بدائي ومتقدم عند وصف المجتمعات القديمة.
4 - صعوبة تطبيق مفاهيم الأحياء على الثقافة
يعترض بعض الباحثين على نقل مفاهيم علم الوراثة إلى الثقافة، لأن الأفكار والممارسات تنتقل بأساليب مختلفة عن الجينات. كذلك يصعب تحديد وحدة الانتقال الثقافي بدقة، وهو ما يضعف بعض النماذج.
5 - موقعها اليوم بين المدارس الأثرية
تحتل المدرسة التطورية موقعا متخصصا بين مدارس علم الآثار، وتحظى بحضور خاص في دراسات الأدوات والتقنيات. وفي المقابل، تبقى أقل انتشارا من الإجرائية وما بعدها في الجامعات العربية.
المبحث الخامس - المدرسة الإجرائية أو علم الآثار الجديد
المطلب الأول - النشأة والرواد
1 - ظهورها في ستينيات القرن العشرين نقدا للمدرسة التقليدية
ظهرت المدرسة الإجرائية (Processual Archaeology) في الولايات المتحدة وبريطانيا ردا على اقتصار البحث على الوصف والتصنيف. ويطلق عليها كذلك اسم علم الآثار الجديد (New Archaeology) لما حملته من طموح علمي وتجديد في الأسئلة.
2 - لويس بينفورد ومقال علم الآثار بوصفه أنثروبولوجيا
نشر الأمريكي لويس بينفورد عام 1962 مقاله علم الآثار بوصفه أنثروبولوجيا، ودعا فيه إلى جعل الآثار وسيلة لفهم النظم الثقافية. وبذلك صار الأثر مصدرا لتفسير السلوك الإنساني، لا مجرد دليل على هوية أصحابه.
3 - ديفيد كلارك وعلم الآثار التحليلي
أصدر البريطاني ديفيد كلارك عام 1968 كتابه علم الآثار التحليلي، ودعا إلى نظرية أثرية صريحة تعتمد النمذجة والتحليل المنهجي. وأسهم عمله في نقل روح المدرسة الجديدة إلى بريطانيا وأوروبا.
4 - الأسس الفلسفية الوضعية للمدرسة
اعتمدت المدرسة على الفلسفة الوضعية التي تقوم على صياغة الفرضيات واختبارها بالدليل، متأثرة بأعمال كارل همبل في التفسير القانوني. ومن هنا ظهرت الدعوة إلى جعل علم الآثار علما يقترب من العلوم الطبيعية.
5 - الانتقال من الوصف إلى التفسير
رأى الإجرائيون أن الاكتفاء بوصف الماضي لا يكفي، وأن الغاية الحقيقية هي فهم العمليات التي حركت المجتمعات. وعلى هذا الأساس تحولت الأسئلة من سؤال ماذا وجدنا إلى سؤال كيف ولماذا تغير المجتمع.
المطلب الثاني - الأسس والمنهج
1 - الثقافة بوصفها نظاما تكيفيا
تنظر المدرسة إلى الثقافة على أنها وسيلة غير بيولوجية يتكيف بها الإنسان مع بيئته. وبناءً على ذلك، تدرس المجتمع نظاما متكاملا يضم الاقتصاد والتقنية والتنظيم الاجتماعي والمعتقد.
2 - المنهج الاستقرائي وتحليل النظم الاجتماعية والاقتصادية
يقوم المنهج الاستقرائي على جمع معطيات كثيرة ثم استخلاص أنماط عامة منها، مع تحليل العلاقة بين عناصر النظام الثقافي. ويشمل ذلك دراسة أنماط الإنتاج والتبادل والاستيطان وتنظيم السلطة.
3 - المنهج الفرضي الاستنباطي واختبار الفرضيات ميدانيا
يبدأ الباحث بصياغة فرضية، ثم يستنبط ما ينبغي أن يوجد في الميدان إذا كانت صحيحة، ثم يصمم الحفر لاختبارها (Hypothetico-deductive). ولذلك صارت الحفريات الإجرائية موجهة بأسئلة محددة منذ البداية.
4 - نظريات المدى المتوسط
اقترح بينفورد مفهوم نظريات المدى المتوسط (Middle-Range Theory) لربط الشواهد المادية بالسلوك الذي أنتجها. وتستعين هذه النظريات بالدراسات الإثنوغرافية والتجريبية لفهم كيف تتحول الممارسات الحية إلى بقايا أثرية.
5 - الإحصاء والعينات والتعاون مع العلوم الطبيعية
أدخلت المدرسة أساليب العينات الإحصائية في المسح والحفر، وفتحت الباب أمام علماء النبات والحيوان والجيولوجيا ليكونوا جزءا من الفريق. ومن ثم أصبح البحث الأثري عملا جماعيا متعدد التخصصات.
المطلب الثالث - التطبيقات والتقويم
1 - دراسات الاستيطان والنظم البيئية
اهتمت المدرسة بدراسة أنماط الاستيطان على مستوى الأقاليم والعلاقة بين المواقع والموارد. فقد درست مثلا حوض وادي أواكساكا في المكسيك لتتبع نشأة الزراعة والتنظيم السياسي، وفق منظور بيئي واسع.
2 - علم الآثار الإثنوغرافي والتجريبي
ظهر ما يعرف بعلم الآثار الإثنوغرافي الذي يراقب مجتمعات حية لفهم ما تتركه من بقايا. وفي الاتجاه نفسه، يعيد علم الآثار التجريبي صناعة الأدوات واستعمالها لاختبار تصورات الباحثين حول وظائفها.
3 - إسهاماتها في دقة الميدان والتحليل
رفعت هذه المدرسة معايير الدقة في التسجيل والمسح والتحليل الكمي، وربطت الحفر بأسئلة مصاغة مسبقا. ولا تزال كثير من مشاريع الحفر الحديثة تدين لمعاييرها في التخطيط والعينات.
4 - نقدها لإهمال المعنى والرمز والفرد
انتقدت الاتجاهات اللاحقة المدرسة لأنها اختزلت الإنسان في دور وظيفي داخل نظام، وأهملت الرموز والمعتقدات والاختيارات الفردية. فالمجتمع عندهم أكثر من مجرد آلية للتكيف مع البيئة.
5 - الشك في ادعاء الحياد العلمي
تساءل النقاد عما إذا كان الباحث قادرا على أن يكون موضوعيا تماما، وأشاروا إلى أن اختيار الأسئلة والفرضيات نفسه ليس محايدا. ومن هنا بدأ التمهيد لظهور مدرسة تعيد الاعتبار إلى ذاتية التفسير.
المبحث السادس - المدرسة ما بعد الإجرائية
المطلب الأول - النشأة والرواد
1 - ظهورها في مطلع الثمانينيات رد فعل على الإجرائية
برزت المدرسة ما بعد الإجرائية (Post-Processual Archaeology) في بريطانيا في مطلع الثمانينيات، متحدية الطابع الوضعي للإجرائية. وقد جمعت في بدايتها أصواتا تنتقد الاختزال الوظيفي وتدعو إلى فهم المعنى الاجتماعي للثقافة المادية.
2 - إيان هودر وكتاباه الرموز في الفعل وقراءة الماضي
يعد إيان هودر من أبرز وجوه الاتجاه، وقد أصدر كتاب الرموز في الفعل عام 1982 وكتاب قراءة الماضي عام 1986. وفيهما قدم تصورا يعتبر الأشياء حاملة لرموز ومعان ينتجها الناس داخل سياقاتهم الخاصة.
3 - شانكس وتيلي والنقد الاجتماعي
أصدر مايكل شانكس وكريستوفر تيلي عام 1987 كتابين نقديين أكدا فيهما أن البحث الأثري عمل اجتماعي وسياسي. ومن ثم دعيا إلى الوعي بدور الحاضر في صياغة صورة الماضي، وإلى رفض الحياد المزعوم.
4 - التأثر بالفكر ما بعد الحداثي والتأويلي
استفادت المدرسة من الفلسفة التأويلية والنظرية النقدية ومن أعمال مفكرين مثل جيدنز وبورديو وفوكو. وفي ضوء ذلك، صارت قراءة الأثر أقرب إلى تأويل النص منها إلى قياس ظاهرة طبيعية.
5 - السياق الفكري والسياسي للنشأة
جاءت المدرسة في زمن تراجع فيه الاعتقاد بالمعرفة الموضوعية المطلقة في العلوم الإنسانية، وتصاعد الاهتمام بالهوية والتعدد. وبناءً عليه شكل ذلك مناخا مناسبا لمقاربات تنتقد السلطة المعرفية للباحث.
المطلب الثاني - الأسس والمنهج
1 - الثقافة المادية بوصفها نصا ذا معنى ورمز
ترى المدرسة أن الأشياء لا تؤدي وظيفة تقنية فقط، بل تحمل معنى اجتماعيا ورمزيا يختلف بين الجماعات. ولذلك لا يكفي الباحث أن يعرف فيم استعمل الشيء، بل عليه أن يتساءل عما كان يعنيه لأصحابه.
2 - تعدد التفسيرات وأثر ذاتية الباحث
تقر المدرسة بأن للمعطى الواحد قراءات متعددة، وأن خلفية الباحث تؤثر فيما يراه. ومن جهة أخرى، لا يعني ذلك أن كل قراءة مقبولة، فالتفسير يظل مطالبا بتماسك الأدلة والحجة.
3 - تأثير العوامل الفكرية والسياسية في قراءة الآثار
يرتبط التفسير الأثري بميول الباحث وبالسياق الذي يعمل فيه، بما في ذلك تمويل المشاريع وأهداف الدول. وهذا ما يجعل التحليل النقدي لشروط إنتاج المعرفة جزءا من العمل الأثري ذاته.
4 - المنهج الانعكاسي وتعدد الأصوات في الموقع
يقوم المنهج الانعكاسي (Reflexive Method) على مراجعة الباحث لقراراته ودوره أثناء العمل، وعلى تسجيل تفاصيل التفكير والتفسير أثناء الحفر. وفي السياق نفسه، يدعو مبدأ تعدد الأصوات (Multivocality) إلى إشراك فاعلين مختلفين في قراءة الموقع.
5 - تجربة تشاتالهويوك نموذجا
يقود هودر منذ تسعينيات القرن الماضي مشروعا في تشاتالهويوك بتركيا، وهو موقع نيوليتي شهير. وقد جمع المشروع بين الحفر التفصيلي والتحليل المتعدد التخصصات وإشراك المجتمع المحلي والخبراء، ليكون تطبيقا عمليا لمبادئ الاتجاه.
المطلب الثالث - الاتجاهات المنبثقة والتقويم
1 - آثار النوع الاجتماعي والهوية
أبرز علم آثار النوع الاجتماعي (Gender Archaeology) أدوار النساء والأطفال التي أغفلتها الدراسات التقليدية. وتوسع هذا الاتجاه ليشمل الهوية والعرق والطبقة، ويدرس كيف تبنى الفوارق الاجتماعية وتتجسد في الثقافة المادية.
2 - الآثار المعرفي والظاهراتي والسلوكي
ظهرت اتجاهات تدرس الإدراك والتجربة الحسية للمكان والمنظر الطبيعي، كما عند كريستوفر تيلي في دراسة المناظر الظاهراتية. وإضافة إلى ذلك، حاول علم الآثار السلوكي ربط الأشياء بسلوك البشر وتفاعلهم معها عبر دورة حياتها.
3 - علم الآثار العمومي ودور المجتمعات المحلية
اتجه الاهتمام نحو علم الآثار العمومي (Public Archaeology) الذي يشرك الجمهور والمجتمعات المحلية في حماية التراث وتفسيره. وبذلك يصبح الماضي شأنا مشتركا لا حكرا على المتخصصين وحدهم.
4 - نقدها بصعوبة الاختبار الموضوعي
يرى المنتقدون أن بعض تفسيراتها يصعب اختبارها بالدليل، وأنها قد تنزلق إلى نسبية مفرطة. وفي المقابل، يرد أنصارها بأن الصرامة المنهجية لا تتعارض مع الاعتراف بتعدد القراءات.
5 - الحاجة إلى التكامل بين الإجرائية وما بعد الإجرائية
يدعو كثير من الباحثين اليوم إلى الجمع بين دقة الإجرائية وحساسية ما بعد الإجرائية للمعنى والسياق. وفي ضوء ذلك، يمكن لكل مدرسة أن تسد ثغرة الأخرى، فتتكامل الأسئلة الوظيفية مع الأسئلة الرمزية.
المبحث السابع - مقارنة بين المدارس وحضورها في العالم العربي
المطلب الأول - المقارنة بين المدارس الخمس
1 - من حيث الأسس الفلسفية والمعرفية
تقوم المدرسة التقليدية على الوصف التجريبي المباشر، وتقوم الثقافية التاريخية على فكرة الجماعة الثقافية، وتعتمد التطورية على مفاهيم الأحياء. أما الإجرائية فتتبنى الوضعية، بينما تستند ما بعد الإجرائية إلى التأويل والنقد.
2 - من حيث السؤال المركزي والهدف
يدور سؤال المدرسة التقليدية حول ماذا وجدنا، وسؤال التاريخ الثقافي حول من كانوا وأين عاشوا. أما التطورية فتسأل كيف تتغير الأنماط، والإجرائية لماذا تتغير المجتمعات، وما بعد الإجرائية ماذا كان يعني ذلك لأصحابه.
3 - من حيث المنهج وأدوات التحليل
تختلف الأدوات من الوصف والرسم والتصنيف في المدرسة التقليدية، إلى الخرائط التوزيعية في التاريخ الثقافي. وتعتمد التطورية على التحليل الكمي، والإجرائية على الفرضيات والعينات، في حين تستعمل ما بعد الإجرائية القراءة التأويلية والمنهج الانعكاسي.
4 - من حيث الأعلام والحدود الزمنية
ازدهرت التقليدية قبل أوائل القرن العشرين، والتاريخ الثقافي بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف العشرين. ثم برزت الإجرائية في الستينيات، وما بعد الإجرائية في الثمانينيات، أما التطورية فمتجددة عبر مراحل، مع حضور معاصر ملحوظ.
5 - جدول مقارن يلخص نقاط القوة والضعف
يلخص الجدول الآتي أهم الفروق بين مدارس علم الآثار الخمس، مع بيان ما تتميز به كل مدرسة وما يؤخذ عليها.
| المدرسة | الأساس الفلسفي | السؤال المركزي | أبرز الأعلام | نقاط القوة | نقاط الضعف |
|---|---|---|---|---|---|
| التقليدية | الوصف والاستدلال | ماذا وجدنا | شليمان - بيتري - بيت ريفرز | جمع المادة وتصنيفها وتوثيقها | غياب التفسير وإهمال السياق الطبقي |
| التاريخ الثقافي | الثقافة بوصفها جماعة مميزة | من كانوا وأين عاشوا | كوسينا - تشايلد | بناء التسلسل الثقافي الإقليمي | ربط الثقافة بالعرق وتفسير التغير بالهجرة فقط |
| التطورية | الانتخاب والانتقال الثقافي | كيف تتغير الأنماط عبر الزمن | داروين - مورغان - دونيل - أوبراين | تفسير التغير الطويل المدى كميا | الحتمية في صورتها الكلاسيكية وصعوبة نقل مفاهيم الأحياء |
| الإجرائية | الوضعية والمنهج الفرضي الاستنباطي | لماذا تتغير المجتمعات | بينفورد - كلارك | الدقة العلمية واختبار الفرضيات | إهمال المعنى والرمز والفرد |
| ما بعد الإجرائية | التأويل والنقد الاجتماعي | ماذا كان الأثر يعني لأصحابه | هودر - شانكس - تيلي | الحساسية للمعنى والتعدد وإشراك المجتمع | صعوبة الاختبار الموضوعي وخطر النسبية |
المطلب الثاني - حضور المدارس الأثرية في العالم العربي
1 - أثر المدرسة الفرنسية في آثار الجزائر والمغرب العربي
اتخذ البحث الأثري في الجزائر بعد الاحتلال الفرنسي طابعا كلاسيكيا، فركز على الآثار الرومانية في مواقع مثل تيمقاد وجميلة وتيبازة. وقد ارتبطت أعمال ستيفان غزيل وغيره بالتصور التقليدي والنصي، وساد الاهتمام بالحقبة الرومانية على حساب الحقب الأخرى.
2 - أثر البعثات البريطانية والألمانية والأمريكية في المشرق
عملت بعثات أجنبية في مصر والعراق وسوريا وفلسطين حاملة معها مناهج بلدانها، من حفريات فلندرز بيتري إلى مشاريع الجامعات الأمريكية. وتبعا لذلك دخلت إلى المنطقة معايير التسلسل الطبقي ثم المقاربات الإجرائية في مراحل لاحقة.
3 - المدارس الأثرية العربية بعد الاستقلال
بعد الاستقلال، أنشأت الدول العربية معاهد وأقساما جامعية للآثار، وأعادت توجيه البحث نحو تاريخها الوطني. ومن جهة أخرى، بقي كثير من التكوين متأثرا بالمدارس التي تلقى فيها الأساتذة تعليمهم في الخارج، خاصة التقليدية والتاريخية الثقافية.
4 - نماذج من البحث الأثري الجزائري
يضم الجزائر تراثا أثريا يمتد من ما قبل التاريخ، ومنه فنون الطاسيلي ناجر، إلى المواقع الرومانية والإسلامية. وقد كشفت أعمال الباحث محمد صحنوني عن أدوات حجرية في عين بوشريط بسطيف تعود إلى نحو مليونين وأربعمئة ألف سنة، مما يعيد طرح أسئلة أصول الصناعة الحجرية في شمال إفريقيا.
5 - تحديات التأسيس لمقاربة عربية مستقلة
تواجه المقاربة العربية تحديات منها ضعف الترجمة، وقلة النقاش النظري في الجامعات، ومحدودية التمويل، والاعتماد الكبير على المناهج الوافدة. وفي ضوء ذلك، يحتاج الباحثون إلى بناء أسئلة مستمدة من تاريخهم وبيئتهم وليس إلى تطبيق النماذج الجاهزة فحسب.
المطلب الثالث - نحو التكامل بين المدارس وآفاق التجديد
1 - من الصراع بين المدارس إلى التعدد المنهجي
لم تعد النظرة إلى مدارس علم الآثار نظرة صراع، بل صار يعترف بأن كل مدرسة تقدم إضاءة خاصة. ولذلك يميل الباحثون اليوم إلى التعدد المنهجي، فيستعملون من كل اتجاه ما يخدم إشكاليتهم دون تعصب.
2 - اختيار المدرسة المناسبة لإشكالية البحث
يتحدد اختيار المقاربة بحسب السؤال المطروح وطبيعة المعطيات المتوفرة، فالتسلسل الزمني يحتاج إلى التصنيف، والتغير الاقتصادي يحتاج إلى النظم، والرمز يحتاج إلى التأويل. وبناءً عليه، فإن وضوح السؤال هو الذي يرشد إلى المدرسة الأنسب.
3 - التقنيات الرقمية والمسح بالليزر والنمذجة ثلاثية الأبعاد
يتيح المسح بالليزر (LiDAR) رصد معالم مخفية تحت الغطاء النباتي، وتتيح النمذجة ثلاثية الأبعاد توثيق المواقع وإعادة بنائها افتراضيا. وبذلك تتسع إمكانات الدقة والتوثيق، دون أن تغني التقنية عن الإطار النظري للتفسير.
4 - علم الآثار العمومي وإشراك المجتمع
تشكل مشاركة السكان المحليين في حماية المواقع وتفسيرها ركيزة لاستدامة التراث. وفي هذا السياق، يسهم التعليم والمتاحف المفتوحة والمبادرات المجتمعية في ربط الناس بماضيهم، وفي الحد من الاعتداء على المواقع.
5 - دعم الترجمة والتكوين النظري في الجامعات العربية
تحتاج الجامعات العربية إلى ترجمة الأعمال النظرية الكبرى وإدراج مادة مستقلة عن تاريخ المدارس والنظرية في برامج الآثار. وعلى هذا الأساس، يتخرج الباحث وهو قادر على تبرير اختياراته المنهجية لا على تطبيقها آليا.
الخاتمة
استعرضنا في محطات هذا المقال المسار التراكمي لمدارس علم الآثار وتطور مساراتها الفكرية؛ بدءاً من المدرسة التقليدية التي ركزت على الوصف المورفولوجي والتصنيف المادي، مروراً بتيار التاريخ الثقافي الذي سعى لتأطير المعطيات ضمن سياقات جغرافية وثقافية محددة، وصولاً إلى التطورية التي حاولت تفسير التغير الثقافي عبر آليات الانتخاب والتكيف الاجتماعي. كما وقفنا عند الإجرائية (الحديثة) التي أحدثت قطيعة منهجية بلمسها أسباب الظواهر عبر النمذجة والتفسير العلمي الدقيق، وانتهاءً بـما بعد الإجرائية التي أعادت الاعتبار للبعد الإنساني، والتأويل الذاتي، والمعاني الرمزية التي اختزنها الفاعل الاجتماعي.
ويتبين من هذا المسار المفهومي أن كل مدرسة أثرية لم تنشأ من فراغ، بل ولدت من رحم النقد الموجه لسابقتها، دون أن يعني ذلك إلغاءً تاماً للمكتسبات المنهجية السابقة؛ بل إن المدارس اللاحقة ورثت أدوات سابقتها الميدانية والتصنيفية وأعادت صياغتها ضمن أسئلة إبستمولوجية جديدة. ومن ثم، فإن المراهنة على التكامل المنهجي بين هذه المقاربات تظل الطريق الأنجع لبناء قراءة غنية، متوازنة، ومتعددة الأبعاد للماضي الإنساني المركب.
وتتمثل أبرز النتائج التي ينتهي إليها هذا البحث في أن علم الآثار شهد تحولاً بنيوياً انتقل فيه من مجرد "وصف الأشياء والصنائع" إلى "تفسير العمليات والآليات" التي أنتجتها، ثم إلى "تأويل المعاني والتمثلات" التي منحها الإنسان الأولي لعالمه. كما أثبتت الدراسة أن المعرفة الأثرية ليست معطى محايداً، بل هي نتاج يتأثر بالسياقات التاريخية والفكرية لمنتجيها، مما يجعل الوعي النقدي بـ "تاريخية المعرفة" شرطاً أساسياً للصرامة العلمية.
وبناءً على هذه المعطيات، نوصي بضرورة تعميق التكوين النظري والإبستمولوجي في المناهج الجامعية العربية، ودعم حركة ترجمة النصوص التأسيسية للمدارس الحديثة، إلى جانب تشجيع البحوث الميدانية التي تنطلق من إشكاليات محلية وتعالج أسئلة بيئتها الإقليمية. كما نؤكد على أهمية الانفتاح الشجاع على المناهج العابرة للتخصصات، مع الالتزام التام بصرامة التوثيق الأثري وحماية التراث المادي من الاندثار.
وفي الختام، تبدو آفاق المستقبل واعدة ومحمّلة بفرص غير مسبوقة؛ إذ يُسهم التطور المتسارع في تقنيات المسح الجوي، والنمذجة ثلاثية الأبعاد، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الكبيرة والتحليل المجهري للقايا، في إعادة تشكيل المشهد الأثري. يرافق ذلك اتساع مفهوم "علم الآثار العمومي" الذي يشرك المجتمعات المحلية في فهم تراثها وصونه. وهكذا، ستبقى مدارس علم الآثار في حالة تجدد واجتهاد دائمين، تستجيب لتحديات العصر وأسئلته المتغيرة، وتفتح أبواباً جديدة لمساءلة أعمق للوجود الإنساني عبر امتداداته الزمنية.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه