لم يعرف العالم القديم علم الآثار بمعناه المنهجي الحديث، لكن شعوبه اهتمت بآثار أسلافها حفظا وترميما وتفسيرا، ويقرأ هذا المقال بدايات هذا الاهتمام وتصوراته ودوافعه وأهميته في تمهيد العلم الحديث.
المقدمة
1 - تمهيد حول اهتمام الإنسان القديم بماضيه وآثار أسلافه وحرصه على حفظها وتفسيرها
منذ أن شيد الإنسان أولى مدنه أدرك أن ما يتركه الأسلاف من جدران ومقابر ونقوش ليس حجارة مهملة، بل ذاكرة مادية تحفظ أصل الجماعة وسبب وجودها. ولذلك رمم القدماء المعابد، وتتبعوا أسماء الملوك السابقين، وجمعوا الألواح والنقوش وفسروها بما توفر لهم من أساطير وعقائد. ومن هنا يصح الحديث عن علم الآثار عند شعوب العالم القديم بوصفه ممارسة مبكرة للعناية بالماضي المادي، وإن لم يكن علما بالمعنى المنهجي الحديث.
2 - أسباب اختيار الموضوع
وفي هذا السياق، تتعدد الأسباب التي دفعتنا إلى هذا الموضوع، ويمكن إجمالها في سببين -
- السبب الموضوعي - الحاجة العلمية إلى فهم جذور علم الآثار عند شعوب العالم القديم قبل ظهور العلم الحديث، مع قلة الدراسات التي تفرق بوضوح بين الاهتمام القديم بالآثار والعلم المنهجي، فيقع الخلط بينهما كثيرا.
- السبب الذاتي - الميل الشخصي إلى دراسة علم الآثار وتاريخ الحضارات القديمة، والرغبة في تتبع كيف نشأ الوعي بالماضي ولماذا حرص الإنسان على حفظه.
3 - التنبيه إلى المقصود بالبدايات والتصورات القديمة
ومن الجدير بالذكر أن المقصود في هذا المقال هو البدايات والتصورات القديمة للآثار، لا علم الآثار بمعناه المنهجي الحديث الذي نشأ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، بعد أعمال مثل كتاب فينكلمان عن فن العصور القديمة وتحقيقات التنقيب الطبقي. وعلى هذا الأساس، نستعمل عبارة علم الآثار عند شعوب العالم القديم على سبيل التوسع، للدلالة على ممارسات عناية وتفسير وحفظ سبقت العلم.
4 - إشكالية المقال
وتتمحور إشكالية المقال حول سؤال رئيسي - كيف نظرت شعوب العالم القديم إلى الآثار، وما دوافع اهتمامها بها، وما أهمية ممارساتها في تمهيد علم الآثار؟ ويتفرع عن هذا السؤال أسئلة جزئية، منها ما الذي حفظوه ولماذا، وكيف فسروه، وما الحدود التي فصلت بين عنايتهم وبين العلم الحديث، وإلى أي مدى امتدت آثار هذه العناية إلى العصور اللاحقة.
5 - أهداف المقال ومنهجه
ويسعى المقال إلى تحقيق جملة من الأهداف، ثم يعتمد منهجا متكاملا في العرض.
- تحديد مفهوم الأثر والفرق بين الاهتمام القديم بالآثار والعلم المنهجي.
- بيان دوافع اهتمام الشعوب القديمة بالآثار ومظاهره عند أبرز الحضارات.
- تقويم هذه الممارسات وبيان حدودها وأهميتها وامتدادها إلى العلم الحديث.
- اعتماد المنهج التاريخي في تتبع الوقائع، والمنهج التحليلي في تفسير الدوافع، والمنهج المقارن في الموازنة بين الحضارات.
6 - عرض خطة المقال
ولهذه الغاية قسم المقال إلى أربعة مباحث. يتناول الأول الإطار المفاهيمي لعلم الآثار والوعي بالماضي، ويعرض الثاني الاهتمام بالآثار في الحضارات الشرقية القديمة، ويدرس الثالث الاهتمام بالآثار عند اليونان والرومان، ويبين الرابع أهمية هذه البدايات وأثرها في علم الآثار. ثم تأتي خاتمة تجمع أبرز النتائج والتوصيات وآفاق البحث.
المبحث الأول - الإطار المفاهيمي لعلم الآثار والوعي بالماضي
المطلب الأول - مفهوم الأثر وعلم الآثار
1 - التعريف اللغوي والاصطلاحي للأثر وعلم الآثار
تدل كلمة أثر في العربية على بقية الشيء وعلامته الباقية بعد زواله، ومنها الأثر الذي يتركه السائر في الأرض. وفي الاصطلاح، يطلق الأثر على كل ما خلفه الإنسان من منشآت ومصنوعات ومدونات تكشف أحوال زمنه. أما علم الآثار (Archaeology) فهو دراسة منظمة لهذه المخلفات باستعمال التنقيب والتحليل، وأصل التسمية يوناني من الكلمة archaios بمعنى القديم والكلمة logos بمعنى الدراسة والحديث.
2 - الفرق بين الاهتمام بالآثار وعلم الآثار المنهجي
وفي هذا الإطار، يجب التمييز بين الاهتمام بالآثار وعلم الآثار المنهجي. فالاهتمام القديم ممارسة عفوية تنشأ من حاجة دينية أو سياسية، أما العلم الحديث فيقوم على أسئلة محددة وأدوات تسجيل وقواعد للتحقق. ومن ثم فإن الحديث عن علم الآثار عند شعوب العالم القديم لا يعني وجود علماء بالمعنى الحديث، بل وجود بذور سلوك يعتني بالماضي ويحاول فهمه.
3 - مفهوم الوعي التاريخي والذاكرة المادية
ويقصد بالوعي التاريخي (Historical Consciousness) إدراك الجماعة أن لها ماضيا مختلفا عن حاضرها وأنه يستحق أن يحفظ ويفسر. أما الذاكرة المادية (Material Memory) فهي ما تختزنه المباني والأدوات والنقوش من معان عن الأسلاف. وبالإضافة إلى ذلك، يحتاج الوعي التاريخي إلى أثر يسنده، ولهذا ارتبط الاهتمام بالمخلفات القديمة بنشأة التفكير في التاريخ ذاته. وبهذا المعنى يستند علم الآثار عند شعوب العالم القديم إلى وعي بأن للمكان تاريخا يستحق الصون.
4 - أنواع الآثار عند القدماء من معابد ومقابر وكتابات وتماثيل
تنوعت الآثار التي عرفها القدماء، فشملت المعابد التي عدت بيوتا للآلهة، والمقابر التي حفظت أجساد الموتى وأسماءهم، والكتابات على الحجر والطين والبردي والبرونز، والتماثيل التي جسدت الآلهة والملوك. ومما يعزز أهميتها أنها لم تكن مجرد مخلفات عند أصحابها، بل كانت عناصر حية في الطقوس والحكم والنسب. وهذه الأنواع هي مادة علم الآثار عند شعوب العالم القديم وموضوع عنايته الأول.
5 - مصادر دراسة هذه البدايات
وفي ضوء ذلك، تستند دراسة هذه البدايات إلى مصادر متنوعة، أولها النقوش الملكية التي تصف الترميم والتنقيب، وثانيها الأرشيفات والألواح والبرديات، وثالثها كتب المؤرخين والرحالة اليونان والرومان، ورابعها الآثار المرممة نفسها التي تحمل علامات تجديد قديمة. ويضاف إلى ذلك ما كشفته أعمال التنقيب الحديثة من قاعات وخبيئات وأرشيفات ضمت هذه الشواهد.
المطلب الثاني - دوافع اهتمام الشعوب القديمة بالآثار
1 - الدوافع الدينية والطقسية وتقديس الأسلاف
كانت الدوافع الدينية أقوى الدوافع، فالمعبد بيت الإله والمقبرة مسكن الميت، وأي إهمال لهما يعد إساءة إلى القوى المقدسة. وفي مصر قدمت القرابين للأسلاف في مقابرهم، وفي الصين مارست الأسر طقوس الأجداد في معابد خاصة. ولذلك تأسست رعاية الآثار القديمة على مفهوم الواجب الديني تجاه من سبقوا. وهكذا كان علم الآثار عند شعوب العالم القديم يبدأ من المعبد والمقبرة قبل أن يصل إلى أي هدف معرفي.
2 - الدوافع السياسية وشرعنة الحكم بالماضي
ومن جهة أخرى، وظف الحكام الآثار لإثبات شرعيتهم، فمن يرمم معبد من سبقه يظهر وريثا لهم وحاميا لإرثهم. وهكذا أعلن ملوك مصر وبلاد الرافدين ترميمهم المنشآت القديمة في نقوشهم الرسمية، وربط أباطرة روما أسماءهم بإحياء المعابد. وهنا يتجلى أن علم الآثار عند شعوب العالم القديم لم يكن بريئا من السياسة، بل كان أداة من أدواتها.
3 - الدوافع الثقافية والفضول المعرفي
وبجانب ذلك، وجد الفضول المعرفي طريقه إلى الملوك والمؤرخين، فقد بحث نبونيد عن أساسات المعابد القديمة، وسجل هيرودوت ما رآه في مصر وبابل. وكتب زوار مصريون عبارات إعجاب على جدران هرم زوسر في عهد رمسيس الثاني، بعد قرون من بنائه، وهو ما يدل على أن الأثر كان موضع تأمل وزيارة منذ زمن بعيد. وفي هذا يظهر وجه معرفي في علم الآثار عند شعوب العالم القديم لا يقل أهمية عن وجهيه الديني والسياسي.
4 - الدوافع الاقتصادية وحماية المقابر والكنوز
وفي المقابل، كان للدافع الاقتصادي دور واضح، فالمقابر الملكية احتوت ذهبا وأدوات ثمينة جذبت اللصوص، ولذلك أنشأت الدولة حراسة وتحقيقات لحماية المدافن. ومن ذلك بردية أبوت (Abbott Papyrus) التي تسجل فحص مقابر طيبة والتحقيق في سرقتها نحو عام 1110 قبل الميلاد. وكذلك تحولت المعابد الكبرى إلى مراكز حج وتجارة.
5 - الدوافع الهوياتية والارتباط بالأرض والجذور
وأخيرا، ارتبطت الآثار بالهوية والجذور، إذ جعلت الجماعة ترى نفسها امتدادا لأرض وأسلاف. فقد ربط الرومان أصلهم بطروادة عبر الأساطير، وجمع الإغريق مدنهم حول مواقع مقدسة مشتركة كأولمبيا ودلفي، وتمسك المصريون بصورة أرض النيل المقدسة وتاريخ ملوكها. وبذلك أصبح الأثر علامة انتماء.
المطلب الثالث - حدود المقارنة مع العلم الحديث
1 - غياب المنهج الطبقي والتسجيل الدقيق
وعند المقارنة بالعلم الحديث، يبرز غياب المنهج الطبقي (Stratigraphy) الذي يقوم على قراءة طبقات الأرض بترتيبها الزمني. فلم يكن القدماء يسجلون موضع كل لقية ولا علاقتها بما حولها، وإنما يحفرون لهدف محدد كالبحث عن وديعة تأسيس. وهكذا بقي تأريخهم للآثار تقريبيا، وقد يقع في أخطاء كبيرة. ولذلك تبقى حدود علم الآثار عند شعوب العالم القديم واضحة عند مقارنتها بالتنقيب العلمي الحديث.
2 - هيمنة التفسير الأسطوري والديني
كذلك فإن التفسير الأسطوري والديني سيطر على قراءة الأثر، فقد نسب كثيرون الأبنية الضخمة إلى آلهة أو أبطال، وعدت عظام الحيوانات المنقرضة أحيانا بقايا عمالقة. وروى المؤرخ الروماني سويتونيوس أن الإمبراطور أغسطس جمع في فيلته بجزيرة كابري عظاما ضخمة عدت بقايا عمالقة. ومن هنا ضعفت الفاصلة بين الحقيقة والأسطورة.
3 - الغاية الرمزية والسياسية لا العلمية
وعلاوة على ما سبق، كانت الغاية رمزية وسياسية أكثر منها علمية، فالمرمم يريد إرضاء الإله أو تعظيم اسمه، لا الإجابة عن سؤال علمي مجرد. ولذلك قد يمحو اسم سلف أو ينسب منشأة لنفسه، كما فعل بعض ملوك مصر حين أضافوا أسماءهم إلى آثار سابقة. وهذا يختلف جذريا عن مبدأ حفظ الأثر كما هو في العلم الحديث.
4 - وجود بوادر ملاحظة وتصنيف وترميم
ومع ذلك، لا يصح إنكار وجود بوادر حقيقية، فقد ظهرت الملاحظة الدقيقة والتصنيف والترميم المنظم. فخعمواست نقش على الأهرامات أسماء أصحابها، وثوقيديدس ميز مقابر قوم من مقابر آخرين بمحتواها، وكاليماخوس صنف الكتب في فهارس بالإسكندرية. وتدل هذه الأمثلة على أن الطريق إلى العلم بدأ مبكرا.
5 - معايير الحكم على هذه الممارسات
ولكي نحكم على هذه الممارسات حكما منصفا، يمكن اعتماد معايير واضحة، هي المنهج المتبع، وطريقة التسجيل، والغاية من العمل، ومدى الفصل بين الدليل والأسطورة، وأثره في حفظ الأثر. ويلخص الجدول الآتي المقارنة بين الاهتمام القديم بالآثار والعلم الحديث.
| المعيار | الاهتمام القديم بالآثار | علم الآثار الحديث |
|---|---|---|
| المنهج | ممارسة عملية تقوم على العرف والحاجة | منهج منظم يقوم على الأسئلة والفرضيات |
| التسجيل | نقوش ملكية وروايات دون توثيق دقيق للمواضع | تسجيل مفصل للموقع والطبقة واللقية |
| الغاية | دينية وسياسية ورمزية | معرفية علمية |
| التفسير | يغلب عليه الأسطورة والعقيدة | يعتمد الدليل والتحليل والمقارنة |
| التعامل مع الأثر | ترميم وصيانة وأحيانا تحوير أو نسبة لصاحب جديد | صون وتوثيق وتقليل التدخل |
المبحث الثاني - الاهتمام بالآثار في الحضارات الشرقية القديمة
المطلب الأول - مصر القديمة
1 - ترميم المعابد والمقابر وإحياء النقوش القديمة
عرفت مصر القديمة عناية مستمرة بترميم المعابد والمقابر، فكان الفرعون يعلن في نقوشه أنه جدد ما تهدم وأعاد ما سرق. ومن أمثلة ذلك تحتمس الرابع الذي أزال الرمال عن أبي الهول ونقش لوحة بين مخالبه في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وبذلك ارتبط علم الآثار عند شعوب العالم القديم في مصر بواجب الملك تجاه الآلهة والأسلاف.
2 - خعمواست بن رمسيس الثاني وترميمه آثار الأهرامات ومقابر الأسلاف
ويبرز في هذا المجال الأمير خعمواست (Khaemwaset) ابن رمسيس الثاني، وكان كاهنا لبتاح في منف في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. فقد رمم هرم أوناس وأهرامات أخرى في منطقة منف، ونقش عليها بيانات تحدد أصحابها وتذكر ترميمه لها. ويعده كثير من الباحثين أول من حاول التعرف على آثار الأسلاف وتوثيقها، مع الحذر من وصفه بعالم آثار بالمعنى الحديث.
3 - استنساخ النصوص والنقوش القديمة في العصر الصاوي
وفي القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، شهدت الأسرة السادسة والعشرون (العصر الصاوي) نهضة قامت على استنساخ نماذج الدولة القديمة، فنقلت مناظر ونصوص من مقابر قديمة إلى مقابر جديدة. وتظهر هذه الظاهرة وعيا بقيمة الماضي الفني والديني، كما تبين أن النسخ كان وسيلة لتجديد الشرعية.
4 - الوعي بالأسر السابقة وقوائم الملوك
ومما يعزز هذا الوعي بالماضي عناية المصريين بقوائم الملوك، ومنها قائمة أبيدوس في معبد سيتي الأول وبردية تورين المكتوبة في العصر الرعمسي. وقد رتبت هذه القوائم الحكام ترتيبا زمنيا، غير أنها تغفل أسماء ملوك غير مرغوب فيهم، وهذا يبين أن الذاكرة كانت انتقائية.
5 - السرقة والنهب وإجراءات حماية المقابر
وفي المقابل، واجهت مصر مشكلة سرقة المقابر، فأقامت حراسات وأجرت تحقيقات رسمية دونتها البرديات. وفي أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، نقل الكهنة مومياوات ملوك إلى خبيئات خفية بعد أن تعرضت مقابرهم للنهب، ومنها خبيئة الدير البحري. وهكذا اجتمع الحرص الديني على الميت والخوف الاقتصادي من اللصوص.
المطلب الثاني - بلاد الرافدين
1 - حفظ الألواح والمكتبات كمكتبة آشور بانيبال
اشتهرت بلاد الرافدين بحفظ الألواح الطينية، ومن أعظم المكتبات مكتبة آشور بانيبال في نينوى في القرن السابع قبل الميلاد، التي ضمت عشرات الآلاف من الألواح والشظايا في الأدب والفلك والطب والطقوس. وقد جمع الملك هذه النصوص من مدن عدة، ومنها ملحمة جلجامش. وبذلك أصبحت المكتبة مؤسسة لحفظ الماضي المكتوب. ويعد هذا الجهد من أبرز صور علم الآثار عند شعوب العالم القديم في الشرق.
2 - نبونيد وتنقيبه عن أساسات المعابد القديمة
ويذكر نبونيد (Nabonidus) الذي حكم بابل بين عامي 556 و539 قبل الميلاد أنه نقب في معبد شمش بسيبار بحثا عن أساسات قديمة، وسجل ما عثر عليه. وفي أور، يرجح الباحثون أن ابنته إنيجالدي نانا أشرفت على مجموعة من اللقى القديمة. ومع أن تقديراته الزمنية بالغ فيها، فإن بحثه يدل على فضول تاريخي ظاهر.
3 - ترميم الزقورات وتوثيق الأساسات
كذلك اعتنى ملوك الرافدين بترميم الزقورات (Ziggurats) وإعادة بناء المعابد على أسسها، وكانوا يضعون عند الأساسات لوحات وأسطوانات تحمل أسماءهم وأعمالهم تسمى ودائع التأسيس (Foundation Deposits). وإذا عثر الملك اللاحق على وديعة سابقة أعادها إلى موضعها، فصارت هذه الودائع سجلا مدفونا يتوارثه الحكام.
4 - قوائم الملوك والتأريخ الملكي
وفي هذا السياق، دونت قائمة الملوك السومرية (Sumerian King List) تعاقب الحكام ومدد حكمهم في صورة تجمع بين التاريخ والأسطورة، إذ تبدأ بملوك حكموا آلاف السنين قبل الطوفان. وكذلك حفظت قائمة الملوك الآشورية تسلسل حكام آشور. وتعكس هذه القوائم رغبة في إثبات أصالة الحكم بالجذور القديمة.
5 - مقارنة اهتمام الملوك الرافديين بالمصريين
وبالمقارنة، ركز المصريون على الترميم الطقسي والحماية الجنائزية، بينما اهتم ملوك الرافدين أكثر بالأساسات والودائع والألواح المنسوخة. غير أن الطرفين اشتركا في ربط الأثر بالشرعية الملكية، وفي إعلان الترميم في نصوص رسمية، وفي اللعن على من يمحو الاسم أو يعبث بالمنشأة. وعلى هذا يتضح أن علم الآثار عند شعوب العالم القديم اتخذ في كل حضارة طابعا خاصا بها.
المطلب الثالث - الصين والهند وحضارات الشرق الأخرى
1 - حفظ البرونزيات والأواني الطقسية في الصين القديمة
اعتنى الصينيون في عصري الشانغ والتشو بالأواني البرونزية الطقسية، فهي تستعمل في تقديم القرابين للأجداد وتعد رمزا للسلطة. وتذكر الروايات التقليدية الأحواض التسعة التي ترمز إلى الحكم، وإن كان أصلها أسطوريا. وفي عام 116 قبل الميلاد عثر في عهد الإمبراطور وو من الهان على قدر قديم عد علامة خير.
2 - الاهتمام بالنقوش والكتابات على العظام والبرونز
ومن جهة أخرى، حفظ الصينيون الكتابة على عظام الكهانة والصدف في عهد الشانغ بين القرنين الثالث عشر والحادي عشر قبل الميلاد، ثم كتابات البرونز في العهود التالية. وقد اكتشفت عظام الكهانة في العصر الحديث قرب أنيانغ، وهي تبين أن العناية بالنص المنقوش كانت عميقة منذ بداية الحضارة.
3 - أثر التراث في الفكر الكونفوشيوسي
وفي ضوء ذلك، قام الفكر الكونفوشيوسي (Confucianism) على احترام التراث، فقد وصف كونفوشيوس نفسه بأنه ناقل لا مبتكر، وعد الرجوع إلى طقوس الأقدمين وكتبهم مصدرا للأخلاق. وفي القرن الأول قبل الميلاد زار المؤرخ سيما تشيان مواقع مرتبطة بالأقدمين ليكتب تاريخه. وهكذا اتجه الاهتمام إلى الماضي بوصفه معلما.
4 - تقديس الآثار الدينية والمقدسة في الهند
وفي الهند القديمة، قدس الناس الآثار الدينية والمواقع المقدسة، فأقام الإمبراطور أشوكا في القرن الثالث قبل الميلاد عمودا في لومبيني يحدد موضع مولد بوذا ونقش عليه مرسوما، وبنيت الأبراج المسماة ستوبا (Stupa) لحفظ الذخائر. ثم جاء الحجاج الصينيون فاشيان وشوانزانغ ووصفوا هذه المعالم.
5 - نقاط التشابه والاختلاف مع الشرق الأدنى
وبالمقارنة مع الشرق الأدنى، تشابهت هذه الحضارات في ربط الأثر بالدين والسلطة وفي نقش مآثر الحكام، لكنها اختلفت في مركز الاهتمام، إذ ركزت الصين على الأواني والنصوص والطقس العائلي، وركزت الهند على المواقع المقدسة والذخائر الدينية، بينما ركز المصريون والرافديون على المباني الضخمة والأرشيفات. ويلخص الجدول التالي ذلك. وهكذا يتبين أن علم الآثار عند شعوب العالم القديم لم يتخذ صورة واحدة في الشرق.
| الحضارة | محور الاهتمام | أبرز الأمثلة | الغاية الغالبة |
|---|---|---|---|
| مصر القديمة | ترميم المعابد والمقابر وقوائم الملوك | خعمواست، والعصر الصاوي، وقائمة أبيدوس | شرعية دينية وسياسية |
| بلاد الرافدين | ودائع التأسيس والمكتبات والتنقيب عن الأسس | نبونيد، ومكتبة آشور بانيبال | شرعية ملكية ومعرفة |
| الصين | الأواني البرونزية والنقوش وتقديس الأجداد | عظام الكهانة، وعهد الإمبراطور وو | طقس عائلي وسلطة |
| الهند | المواقع المقدسة والستوبا والمراسيم | أشوكا ولومبيني | عقيدة وسلطة |
المبحث الثالث - الاهتمام بالآثار عند اليونان والرومان
المطلب الأول - اليونان القديمة
1 - هيرودوت ووصف آثار مصر وبابل
وصف هيرودوت (Herodotus) في القرن الخامس قبل الميلاد في كتابه التاريخ آثار مصر وبابل، فتحدث عن الأهرامات والمعابد وعن سور بابل وبرج معبد بيل، وسجل ما قاله الكهنة له. ومع أن بعض روايته تحتاج إلى حذر، فإن عمله يعد من أقدم محاولات وصف الآثار الأجنبية وربطها بتاريخ أصحابها. ولذلك قدم لعلم الآثار عند شعوب العالم القديم مادة وصفية أولى.
2 - ثوقيديدس وحديثه عن مقابر ديلوس وتمييزها بالأدلة المادية
أما ثوقيديدس (Thucydides) فيروي أن الأثينيين طهروا جزيرة ديلوس عام 426 قبل الميلاد فنقلوا قبورا منها، ويذكر أن أكثر من نصفها ظهر أنه لقوم من قاريا بدليل السلاح الذي دفن معهم وطريقة الدفن. وهذا استدلال مبكر بالأدلة المادية، وينبغي التحقق من تفاصيله من الطبعات المحكمة.
3 - بوسانياس ووصف اليونان ومعالمها
ويقدم بوسانياس (Pausanias) في القرن الثاني الميلادي وصفا في عشرة كتب لأقاليم اليونان، يذكر فيها المعابد والتماثيل والقبور والمقدسات والحكايات المحلية. وقد اعتمد عليه المنقبون المحدثون في تحديد مواقع كثيرة، فصار كتابه دليلا يربط بين النص والمكان. وبذلك يمثل كتابه ذروة وصفية في علم الآثار عند شعوب العالم القديم.
4 - المعابد بوصفها خزائن للتحف والقرابين
وكذلك تحولت المعابد الإغريقية إلى خزائن للتحف والقرابين، ففي دلفي وأولمبيا أقامت المدن مبان صغيرة لحفظ هداياها، ضمت أسلحة وأوان وتماثيل. وبمرور القرون تراكمت هذه الهدايا حتى صارت أشبه بمعارض مفتوحة تروي تاريخ المدن وانتصاراتها.
5 - الجدل بين الأسطورة والتاريخ
غير أن الإغريق عاشوا جدلا بين الأسطورة والتاريخ، فبينما اعتمد ثوقيديدس على الدليل والعقل، ظلت الحكايات الأسطورية تفسر كثيرا من الآثار. فقد عبد الناس أبطالا عند قبور من عصور سابقة، وربط بوسانياس بعض المعالم بقصص الأبطال والآلهة. ويظهر ذلك أن العلم والأسطورة امتزجا في رؤيتهم للماضي.
المطلب الثاني - الرومان
1 - جمع الأعمال الفنية اليونانية والتماثيل
أقبل الرومان بعد فتح سيراكوزة عام 212 قبل الميلاد وكورنثة عام 146 قبل الميلاد على جمع الأعمال اليونانية، فنقلت التماثيل واللوحات إلى روما وعرضت في المعابد والساحات والبيوت الخاصة. وقد ولد ذلك سوقا للتحف وصناعة نسخ للتماثيل، حفظت بعض الأصول المفقودة على هيئة نسخ رومانية.
2 - وصف الآثار عند بليني الأكبر وسترابون
وفي ضوء ذلك، وصف بليني الأكبر (Pliny the Elder) في كتابه التاريخ الطبيعي (Natural History) أعمال البرونز والرخام والرسم وأسماء فنانيها، بينما وصف سترابون (Strabo) اليوناني الأصل في كتابه الجغرافيا مدنا ومعالم زارها في أواخر القرن الأول قبل الميلاد وأوائل القرن الأول الميلادي. ويعد كلاهما مصدرا مهما للمعالم والأعمال القديمة.
3 - الحفاظ على المباني والآثار العامة
وفي الوقت ذاته، اهتم الرومان بالحفاظ على المباني العامة، فدون أغسطس في وثيقة إنجازاته ترميمه لاثنين وثمانين معبدا في روما عام 28 قبل الميلاد، وأعاد هدريان بناء البانثيون (Pantheon) مع الاحتفاظ بنقش أغريبا الأصلي. وفي عام 458 ميلاديا منع الإمبراطور ماجوريان هدم المباني القديمة للاستفادة من حجارتها. وتعد هذه الإجراءات من أبرز مظاهر علم الآثار عند شعوب العالم القديم في الإطار القانوني.
4 - الاستثمار السياسي للآثار والمنتصرات
ومن جهة أخرى، استثمر الرومان الآثار سياسيا، فعرضت الغنائم في مواكب النصر، ونقش قوس تيطس نحو عام 81 ميلاديا مشهد حمل كنوز معبد القدس، وأقام تراجان عموده عام 113 ميلاديا لتخليد حروبه. وصارت الآثار وسيلة لعرض القوة وإقناع الجمهور بشرعية الحاكم.
5 - أثر الرومان في نقل التراث إلى أوروبا
وبفضل الرومان انتقل جزء كبير من التراث اليوناني إلى أوروبا، فقد نسخوا التماثيل ونقلوا الكتب وأقاموا عمارة عرفت لاحقا في عصر النهضة، كما حفظ كتاب فيتروفيوس (Vitruvius) في العمارة أصول البناء الكلاسيكي. وهكذا عادت أوروبا الحديثة إلى هذا الميراث حين بدأت تبحث عن جذورها.
المطلب الثالث - تقويم الجهود اليونانية والرومانية
1 - ظهور الوصف والتصنيف والمقارنة
تمثلت أبرز إنجازات اليونان والرومان في ظهور الوصف والتصنيف والمقارنة. فقد وضع كاليماخوس (Callimachus) في الإسكندرية فهرسا للكتب في القرن الثالث قبل الميلاد، وقارن ثوقيديدس بين آثار أثينا وإسبرطة ليبين أن المباني قد لا تعكس قوة المدينة، وكتب فارو (Varro) عن العتائق الرومانية. وكلها خطوات نحو التفكير المنظم بالماضي. وهذه هي أوضح علامات تطور علم الآثار عند شعوب العالم القديم في المجال المتوسطي.
2 - محدودية التنقيب والتأريخ الدقيق
ومع ذلك، ظل التنقيب محدودا والتأريخ غير دقيق، فلم تعتمد الحفريات على التسجيل المنظم، وكانت التواريخ ترتبط بأنساب الملوك والأساطير. ولذلك تبقى مقارنة علم الآثار عند شعوب العالم القديم بالعلم الحديث مقارنة بين نشاطين مختلفين في الأدوات والأهداف.
3 - تأثير التفسير الأسطوري والأدبي
كذلك أثر الأسلوب الأدبي في كتابات الآثار، فكان المؤلفون يقدمون الحكايات بأسلوب جذاب، ويخلطون الرواية الشفهية بالمشاهدة. ومن ثم يحتاج الباحث إلى التمييز بين ما رآه الكاتب بنفسه وما نقله عن غيره، وبين ما أيده الدليل وما أضافته الأسطورة.
4 - مقارنة بين اليونان والرومان
وفي المقابل، يمكن ملاحظة فروق بين الطرفين، فاليونانيون ركزوا على الوصف والتاريخ والمواقع المقدسة، بينما ركز الرومان على الجمع والعرض والتشريع والتوظيف السياسي. ويوضح الجدول الآتي هذه الفروق.
| المحور | اليونان | الرومان |
|---|---|---|
| الغاية الغالبة | وصف وتأريخ وتقديس المواقع | جمع وعرض وتوظيف سياسي |
| أبرز الأعلام | هيرودوت، وثوقيديدس، وبوسانياس، وكاليماخوس | بليني الأكبر، وفارو، وفيتروفيوس |
| الحماية | حصانة المعابد والعرف الديني | تشريعات وأوامر إمبراطورية |
| الأثر اللاحق | مادة أولى للمنقبين والمؤرخين | نقل الفن والعمارة والنصوص إلى أوروبا |
5 - تمهيدها لمرحلة العتيقيين في أوروبا
وفي ضوء هذه الخلاصة، مهدت جهود اليونان والرومان لمرحلة العتيقيين (Antiquarians) في أوروبا، وهم هواة جمعوا الآثار والنقوش ووصفوها منذ عصر النهضة، ومنهم فلافيو بيوندو في القرن الخامس عشر. وقد استند هؤلاء إلى نصوص الأقدمين ومقارناتهم.
المبحث الرابع - أهمية هذه البدايات وأثرها في علم الآثار
المطلب الأول - الأهمية المعرفية والتاريخية
1 - حفظ المعلومات عن الحضارات السابقة
حفظت ممارسات الشعوب القديمة معلومات عن حضارات سبقتها لولاها لضاع كثير منها. فنسخ الكتبة نصوصا سومرية عبر قرون، ونقل المصريون نصوصا قديمة إلى الحجر، وسجل الإغريق والرومان مشاهداتهم. وبهذا أسهم علم الآثار عند شعوب العالم القديم في حفظ ذاكرة الإنسانية بعيدا عن الضياع.
2 - تقديم نصوص تعد مصادر اليوم
وبالإضافة إلى ذلك، أصبحت كثير من النصوص التي كتبت للإحياء أو الحفظ مصادر أساسية للباحث، ومنها قوائم الملوك وبردية تورين ومكتبة نينوى ومؤلفات هيرودوت وبوسانياس. وقد اعتمد شليمان على بوسانياس في تنقيبه بميكيناي عام 1876، وساعد نقش بيستون في فك الكتابة المسمارية على يد هنري رولنسون في القرن التاسع عشر.
3 - بناء الوعي بالتسلسل الزمني والتعاقب
ومما يعزز قيمة هذه البدايات أنها بنت وعيا بالتسلسل الزمني والتعاقب، فقد دونت القوائم الملكية، وذكر الملوك من سبقهم في بناء المعبد، وربطت الأحداث بسنوات الحكم. وهذا الوعي هو ما يحتاجه العلم الحديث لترتيب الطبقات والمراحل، وإن اختلفت أدواته. وبذلك يرتبط علم الآثار عند شعوب العالم القديم بنشأة التفكير التاريخي المنظم.
4 - أثر هذه الممارسات في تطور الكتابة التاريخية
وكذلك أثرت هذه الممارسات في تطور الكتابة التاريخية، إذ انتقل الكتاب من تدوين أعمال الملوك إلى البحث في الأسباب والأدلة. وتظهر هذه النقلة عند هيرودوت وثوقيديدس اللذين استعملا ما شاهداه من آثار وما سمعاه من روايات، ثم جاء بوليبيوس والمؤرخون الرومان فواصلوا هذا الطريق.
5 - دورها في تكوين الذاكرة الحضارية
وأخيرا، أسهمت الآثار في تكوين الذاكرة الحضارية (Cultural Memory) التي تنتقل من جيل إلى جيل عبر المباني والطقوس والنصوص. وبفضلها شعرت الجماعات بأن حضارتها متصلة الحلقات، وأن لها واجبا في حماية ما ورثته، وهو معنى ما زال حاضرا في سياسات صون التراث اليوم. ولهذا لا تنفصل الذاكرة الحضارية عن علم الآثار عند شعوب العالم القديم.
المطلب الثاني - الأهمية الثقافية والدينية والسياسية
1 - حفظ الهوية ونقل التراث
ساعدت الآثار الجماعات القديمة على حفظ هويتها ونقل تراثها، فقد جمعت مواقع مثل دلفي وأولمبيا الإغريق على اختلاف مدنهم، وجمعت مقابر الأجداد العائلات الرومانية في طقوس مشتركة، وصانت المعابد المصرية صورة نظام إلهي ثابت. وبهذا شكلت الآثار هوية حية تتجدد. وهذه الوظيفة الهوياتية جزء أصيل من علم الآثار عند شعوب العالم القديم.
2 - شرعنة السلطة وتعزيز النفوذ
كذلك استعملت الدول الآثار لشرعنة السلطة وتعزيز النفوذ، فالفرعون يرمم ويبني ليظهر راعيا للنظام الإلهي، والملك الآشوري يعرض مكتبته ونقوشه دلالة على القدرة، والإمبراطور الروماني يرمم المعابد ويعرض الغنائم. ومن هنا ارتبطت العمارة الضخمة بالسياسة ارتباطا وثيقا.
3 - ترسيخ المعتقدات وتقديس المكان
وفي الوقت نفسه، رسخت الآثار المعتقدات الدينية، فصار المكان القديم دليلا على تدخل الآلهة في التاريخ. وقد أقيمت المعابد في مواقع عدت مقدسة منذ زمن بعيد، وتتابعت طبقات البناء في الموقع نفسه، كما في إريدو بجنوب بلاد الرافدين، فاكتسب المكان قدسية تراكمية.
4 - التبادل الثقافي بين الحضارات
ومن جهة أخرى، سهل الاهتمام بالآثار التبادل الثقافي بين الحضارات، فقد زار هيرودوت مصر وتعلم من كهنتها، وأقام البطالمة معابد على الطراز المصري مع حضور إغريقي في الإسكندرية، ونقل الرومان الفن اليوناني إلى إيطاليا. وبذلك صارت الآثار جسرا للتواصل بين الشعوب.
5 - تأثير الاهتمام بالآثار في الفن والعمارة
وأخيرا، انعكس الاهتمام بالآثار في الفن والعمارة، فقد أعاد العصر الصاوي إحياء أساليب الدولة القديمة، واستعار الرومان الأنماط اليونانية، وأعاد هدريان بناء البانثيون بقبة ضخمة تحافظ على ذاكرة المبنى. ويظهر ذلك أن الماضي لم يكن عبئا بل مصدر إلهام.
المطلب الثالث - امتداد البدايات إلى العلم الحديث
1 - انتقال المعارف إلى العصور الوسطى والحضارة الإسلامية
ثم انتقل جزء من هذه المعارف إلى العصور الوسطى، فحفظ الرهبان الأوروبيون نصوصا لاتينية، ونقل العلماء المسلمون كثيرا من العلوم اليونانية في حركة الترجمة ببغداد. كما وصف المسعودي (توفي عام 956م) وعبد اللطيف البغدادي (1162-1231م) أهرام مصر وآثارها، ونسبت الروايات إلى الخليفة المأمون فتح مدخل في الهرم الأكبر. غير أن كتب المؤرخين الإغريق لم تنل في الغالب الترجمة نفسها. وعليه فإن امتداد علم الآثار عند شعوب العالم القديم إلى العصور اللاحقة تم عبر وسائط متعددة.
2 - مرحلة العتيقيين وعصر النهضة
وفي عصر النهضة، عاد العتيقيون إلى المباني والنقوش الرومانية، فرسم المعماريون أطلال روما، وجمع الأثرياء التماثيل. وفي القرن السابع عشر كتب جون أوبري عن آثار بريطانيا، وفي القرن الثامن عشر اهتم وليام ستوكلي بستونهنج. ثم بدأت حفريات هيركولانيوم عام 1738 وبومبي عام 1748، ونشر فينكلمان كتابه تاريخ فن العصور القديمة عام 1764.
3 - دور الاكتشافات الحديثة في ربط الماضي بالحاضر
ومع القرن التاسع عشر، ربطت الاكتشافات الحديثة الماضي بالحاضر، فكشف حجر رشيد عام 1799 وفك شامبليون الهيروغليفية عام 1822، وعثر على مكتبة نينوى، وحفر شليمان في طروادة بدءا من 1870، وعثر هوارد كارتر على مقبرة توت عنخ آمون عام 1922. وقد جعلت هذه الكشوف ما حفظه القدماء قابلا للقراءة.
4 - ما استمر وما انقطع بين القديم والحديث
ويمكن القول إن ما استمر هو عناية الحكام بالرمز الأثري والاهتمام بالمواقع المقدسة وحفظ النصوص، بينما انقطع فهم الكتابات القديمة بعد زوال أصحابها، فبقيت الهيروغليفية والمسمارية غير مقروءتين قرونا طويلة. ولم يتبلور المنهج الطبقي والتسجيل الدقيق إلا في العصر الحديث، ومنه عمل فلندرز بيتري (Flinders Petrie) في مصر في أواخر القرن التاسع عشر.
5 - دروس للباحث المعاصر في حماية التراث
وبناء على ما تقدم، يخرج الباحث المعاصر بدروس عدة، أهمها أن حماية الأثر مسؤولية جماعية تحتاج إلى تشريع وتدريب، وأن التوثيق المبكر يحفظ المعلومة من الضياع، وأن الفصل بين الدليل والأسطورة ضروري، وأن فهم الماضي لا ينفصل عن سياقاته السياسية والدينية. ويمكن للقارئ متابعة قائمة التراث العالمي عبر مركز التراث العالمي التابع لليونسكو.
الخاتمة
يتضح مما سبق أن علم الآثار عند شعوب العالم القديم لم يكن علما منهجيا بالمعنى الحديث، بل كان مجموعة ممارسات اهتمت فيها الشعوب القديمة بالآثار اهتماما دينيا وسياسيا وثقافيا، فرممت المعابد، وحفظت الألواح، ونقشت القوائم، وجمعت التحف، وفسرت ما رأته بما عرفته من عقائد وأساطير. ولم تؤسس هذه الشعوب منهجا طبقيا ولا نظاما دقيقا للتسجيل، لكنها وضعت بذور الوعي بالماضي.
وفي ضوء ذلك، يمكن تلخيص أبرز النتائج في أن دوافع الاهتمام تنوعت بين الدين والسلطة والهوية والفضول والمصلحة الاقتصادية، وأن مظاهره تجلت في الترميم والتنقيب عن الأسس والمكتبات والقوائم الملكية ووصف المؤرخين وجمع التحف، وأن حدوده ظهرت في غياب التسجيل الدقيق وهيمنة التفسير الأسطوري، وأن امتداده إلى العلم الحديث تحقق عبر العتيقيين وعصر النهضة ثم الاكتشافات الكبرى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وبناء على ما تقدم، نوصي بدراسة تاريخ الوعي بالماضي وربطه بتاريخ علم الآثار، وبالتمييز الدقيق في الدراسات بين الاهتمام القديم والمنهج الحديث تجنبا للأحكام المتعجلة، وبالتحقق من الأسماء والتواريخ في المراجع المحكمة. ومن آفاق البحث المستقبلية مقارنة تصورات الحضارات للماضي والتراث، ودراسة الحضارات الأقل حظا من العناية كأمريكا القديمة وإفريقيا، وتتبع انتقال هذه التصورات بين الثقافات عبر العصور.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه