يعكس تصنيف العلوم تطور الفكر البشري وسعيه لتنظيم المعرفة وتكاملها. يستعرض هذا البحث مسار تصنيف العلوم عبر العصور، مسلطاً الضوء على التحولات الفلسفية والمنهجية التي شكلت الرؤية المعرفية الحديثة.
المقدمة
1 - تمهيد عام
تتنوع المعارف الإنسانية تنوعا هائلا، من علوم تبحث في الأعداد والنجوم إلى علوم تدرس اللغة والمجتمع والدين والطبيعة. ولما كثرت هذه المعارف، أحس العلماء في كل عصر بحاجة ملحة إلى ترتيبها في أقسام واضحة، حتى يعرف الطالب من أين يبدأ، ويدرك الباحث موضع كل علم من غيره. ومن هنا ظهر الاهتمام بما يسمى تصنيفات العلم، وهي المحاولات المنظمة لتقسيم المعارف وبيان العلاقات بينها.
وفي هذا السياق، لم يكن التصنيف عملا نظريا بحتا، بل كان يؤثر مباشرة في طريقة بناء المناهج الدراسية وتنظيم المكتبات وتوزيع الكراسي العلمية في الجامعات. وبالإضافة إلى ذلك، عكس كل تصنيف رؤية صاحبه للعالم، فمن رأى المعرفة طريقا إلى الحكمة رتبها ترتيبا مختلفا عمن رآها وسيلة لخدمة الشريعة أو لتحقيق المنفعة العملية.
2 - إشكالية المقال
وعلى هذا الأساس، يدور المقال حول التساؤل الرئيسي التالي - كيف تطور تصنيف العلوم منذ اليونان حتى العصر المعاصر، وما المعايير التي حكمت كل تصنيف، وما العوامل التي دفعت إلى تغييره؟ ويتفرع عن ذلك الأسئلة الآتية.
- ما المقصود بتصنيف العلوم وما معاييره وأهميته؟
- كيف صنف اليونان والمسيحيون في العصور الوسطى والمسلمون المعارف؟
- ما الذي تغير في التصنيف مع العصر الحديث وظهور التخصصات الدقيقة؟
- ما الفروق الجوهرية بين التصنيفات الكبرى، وما حدودها اليوم؟
3 - أسباب اختيار الموضوع
- السبب الذاتي - الميل الشخصي إلى تاريخ العلوم وفلسفتها، والرغبة في فهم كيف تشكلت الحدود بين التخصصات ولماذا نفصل بين علم وآخر.
- السبب الموضوعي - تزايد التخصصات المتداخلة والدراسات البينية، وحاجة الطلبة إلى فهم الأسس التي قام عليها تقسيم المعارف قبل الخوض في تخصصاتهم.
4 - أهداف المقال
- بيان مفهوم تصنيف العلوم ومعاييره وأهميته.
- تتبع أبرز التصنيفات عبر العصور وتحليل أسسها.
- مقارنتها وتقويمها وبيان صلتها بواقع العلوم اليوم.
5 - المنهج المستخدم
ومن جهة المنهج، اعتمد المقال المنهج التاريخي لتتبع تطور التصنيفات، والمنهج الوصفي لعرض أقسامها وأسسها، والمنهج المقارن التحليلي للموازنة بينها من حيث المعيار والفلسفة المؤسسة وموقع الدين والفلسفة والأثر في التعليم.
6 - عرض خطة المقال
وبناء على ما تقدم، جاء المقال في خمسة مباحث تسبقها مقدمة وتعقبها خاتمة، على النحو الآتي.
- المبحث الأول - الإطار المفاهيمي لتصنيف العلوم.
- المبحث الثاني - تصنيف العلوم عند اليونان والعصور الوسطى المسيحية.
- المبحث الثالث - تصنيف العلوم في الحضارة الإسلامية.
- المبحث الرابع - تصنيف العلوم في العصر الحديث والمعاصر.
- المبحث الخامس - مقارنة بين التصنيفات وتقويم مسارها.
المبحث الأول - الإطار المفاهيمي لتصنيف العلوم
قبل الدخول في تاريخ تصنيفات العلم لا بد من ضبط المصطلحات الأساسية، لأن الخلط بين التصنيف والتقسيم والترتيب يربك القارئ. ولذلك يخصص هذا المبحث لتحديد مفهوم العلم والتصنيف، ثم عرض المعايير التي اعتمدها العلماء، وأخيرا بيان دواعي التصنيف والإشكالات التي يثيرها.
المطلب الأول - مفهوم العلم والتصنيف
1 - التعريف اللغوي والاصطلاحي للعلم
العلم في اللغة نقيض الجهل، ويدل على إدراك الشيء على حقيقته. وفي الاصطلاح، يطلق على مجموعة من المعارف المنظمة التي تقوم على موضوع محدد ومنهج واضح وتسعى إلى الوصول إلى قوانين أو قواعد عامة. وقد اتسع مفهوم العلم عند القدماء ليشمل الفلسفة واللغة والشريعة، ثم ضاق في العصر الحديث ليرتبط غالبا بالمعرفة التجريبية القابلة للاختبار.
2 - تعريف التصنيف والفرق بينه والتقسيم والترتيب
ومن جهة أخرى، التصنيف (Classification) هو توزيع الأشياء في طوائف وفق معيار تتشابه فيه، أما التقسيم فيعني تجزئة الكل إلى أجزائه، والترتيب هو وضع العناصر في تسلسل معين. ويجمع تصنيف العلوم بين الثلاثة، لأنه يقسم المعرفة الكلية إلى فروع، ثم يجمع المتشابه في أقسام، ثم يرتبها بحسب الأولوية أو الشرف أو التسلسل المنطقي.
3 - الفرق بين تصنيف العلوم وتصنيف المعارف والكتب
وفي ضوء ذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات متقاربة. فتصنيف العلوم يتعلق بأصناف المعرفة نفسها وعلاقاتها المنطقية، وتصنيف المعارف أوسع لأنه يشمل الفنون والخبرات العملية، أما تصنيف الكتب فهو عمل مكتبي ينظم الأوعية المادية للمعرفة على الرفوف. وقد تأثر التصنيف المكتبي بتصنيف العلوم، غير أن الغاية العملية جعلته يتخذ صورا خاصة.
4 - موضوع علم تصنيف العلوم وصلته بفلسفة العلم
وبالإضافة إلى ذلك، يبحث هذا المجال في طبيعة العلوم وحدودها ووحدتها وتنوعها، وهي أسئلة تقع في صميم فلسفة العلم (Philosophy of Science) ونظرية المعرفة (Epistemology). فمن يصنف العلوم يجيب ضمنا عن سؤال هل المعرفة وحدة متكاملة أم أقسام منفصلة، وهل تنتهي العلوم إلى أصل واحد أم تتجاور بلا ترتيب هرمي.
5 - أهمية التصنيف في التعليم والبحث والمكتبات
وعلاوة على ما سبق، تظهر أهمية التصنيف في ثلاثة ميادين.
- التعليم - إذ يحدد ما يدرس أولا وما يؤخر، وكيف تبنى المناهج تدريجيا.
- البحث - إذ يساعد على تحديد التخصص وكشف الفجوات بين الحقول.
- المكتبات - إذ يتيح الوصول السريع إلى المصادر عبر نظم الترميز والفهرسة.
المطلب الثاني - معايير تصنيف العلوم
1 - معيار الموضوع المدروس
يعد الموضوع أقدم المعايير في تصنيفات العلم، فالعلم الذي يدرس الأعداد يختلف عن الذي يدرس الأجسام أو النفوس أو الأفعال. وقد اعتمده أرسطو والفارابي وكونت بدرجات متفاوتة. وميزته الوضوح، أما عيبه فهو أن بعض المواضيع تتقاطع، فالإنسان مثلا موضوع للطب وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة في آن واحد.
2 - معيار المنهج المتبع
ومن جهة أخرى، يفرق بعض المصنفين بين العلوم بحسب طريقة البحث، فهناك علوم استنباطية كالرياضيات، وعلوم تجريبية كالفيزياء، وعلوم تأويلية كالتاريخ والأدب. وقد برز هذا المعيار بقوة في القرن التاسع عشر مع ديلتاي وريكرت، وهو ينسجم مع تطور المنهجيات الحديثة، لكنه يصعب تطبيقه على علوم تجمع عدة مناهج.
3 - معيار الغاية النظرية أو العملية
وفي المقابل، يقسم كثير من الفلاسفة العلوم بحسب الغاية، فالعلم النظري يطلب المعرفة لذاتها، والعلم العملي يطلب توجيه السلوك، والعلم الإنتاجي يطلب صنع شيء. وهذا التقسيم الذي يعود إلى أرسطو ظل حاضرا عند الفارابي وابن سينا وفلاسفة القرون الوسطى، وما زالت آثاره ظاهرة في التفريق الحديث بين العلوم الأساسية والتطبيقية.
4 - معيار الشرف والمنفعة والمصدر
وفي هذا الإطار، اعتمد علماء المسلمين معايير إضافية، فرتبوا العلوم بحسب شرف الموضوع، أي أيها أسمى مقاما، وبحسب المنفعة التي تعود على الفرد والمجتمع، وبحسب المصدر هل هو الوحي أم العقل. ومن هنا جاء التمييز بين العلوم النقلية والعقلية، وبين الشرعية وغيرها، وهو ما يبين أن الاعتبارات القيمية قد تدخل في التصنيف.
5 - معيار الاعتماد المتبادل والتسلسل المعرفي
وأخيرا، يقوم بعض المصنفين على فكرة أن العلوم تتدرج بحسب اعتماد بعضها على بعض، فالعلم الأبسط والأعم يسبق الأعقد والأخص. وهذا ما فعله أوغست كونت حين جعل الرياضيات أساسا للفلك ثم الفيزياء ثم الكيمياء ثم الأحياء ثم الاجتماع. ويوضح الجدول الآتي المعايير الخمسة مع مثال لكل منها.
| المعيار | فكرته | مثال من المصنفين |
|---|---|---|
| الموضوع | تصنيف العلوم بحسب ما تدرسه | الفارابي في إحصاء العلوم |
| المنهج | تصنيفها بحسب طريقة البحث | ديلتاي وريكرت |
| الغاية | نظرية أو عملية أو إنتاجية | أرسطو وابن سينا |
| الشرف والمنفعة والمصدر | ترتيب قيمي بحسب الفضل والفائدة | الغزالي |
| التسلسل المعرفي | من الأبسط إلى الأعقد | أوغست كونت |
المطلب الثالث - دواعي التصنيف وإشكالاته
1 - تنظيم التعليم والمناهج الدراسية
كان أول دواعي تصنيفات العلم تنظيم التعليم، فالمعلم يحتاج إلى خطة تبين ما يقدمه للمتعلم في كل مرحلة. ولذلك ارتبطت الفنون السبعة الحرة بالمدارس الأوروبية، وارتبطت تصانيف الغزالي وابن خلدون بحلقات التدريس في العالم الإسلامي. وهكذا صار التصنيف خريطة تربوية قبل أن يكون مسألة فلسفية.
2 - تنظيم المكتبات والفهارس
وبالإضافة إلى ذلك، دفعت كثرة الكتب إلى ابتكار طرق لتنظيمها، فقد أعد الشاعر كاليماخوس في القرن الثالث قبل الميلاد فهرسا لمكتبة الإسكندرية سمي بيناكس (Pinakes). وفي القرن العاشر الميلادي وضع ابن النديم كتاب الفهرست، وفي العصر الحديث ظهرت نظم ترميز مكتبية معروفة تعتمد على أقسام العلوم الكبرى.
3 - تحديد العلاقة بين العلوم
ومن جهة أخرى، يجيب التصنيف عن أسئلة جوهرية مثل هل الرياضيات سابقة على الطبيعيات، وهل الأخلاق جزء من الفلسفة أم الدين، وهل علم الاجتماع طبيعي أم إنساني. وهذه العلاقات ليست شكلية، فهي تحدد من يخدم من، وأي علم يمد غيره بالمبادئ، وأيها يعد مستقلا بذاته.
4 - إشكالية تداخل العلوم وتغير حدودها
وفي المقابل، يواجه التصنيف إشكالا أساسيا، وهو أن العلوم ليست كيانات ثابتة. فالفيزياء الحديثة تفرعت عنها علوم جديدة، والكيمياء الحيوية جمعت بين علمين، والعلوم الإدراكية جمعت أكثر من ثلاثة. ولذلك فإن أي تصنيف يظل مؤقتا، لأنه يصف حالة المعرفة في زمنه، ولا يمكنه الإحاطة بما سيظهر لاحقا.
5 - تأثر التصنيف بالفلسفة والدين والسياق الحضاري
وأخيرا، لا ينفصل التصنيف عن بيئته، فالمصنف المسيحي في العصور الوسطى جعل اللاهوت في القمة، والفيلسوف المسلم رأى في الشريعة والحكمة مجالين متكاملين، ودعاة الوضعية في القرن التاسع عشر جعلوا العلم التجريبي معيار الحقيقة. وعليه فإن دراسة تصنيفات العلم تكشف عن البنية الفكرية للحضارات بقدر ما تكشف عن بنية المعارف.
المبحث الثاني - تصنيف العلوم عند اليونان والعصور الوسطى المسيحية
تبدأ القصة المنظمة لتصنيفات العلم في الغرب مع الفلاسفة اليونان الذين وضعوا الأسس الأولى لتمييز الفروع المعرفية. ثم انتقلت هذه الأسس إلى الرومان والمسيحيين، فتشكلت صورة التعليم الأوروبي التي استمرت قرونا. وسنتناول في هذا المبحث التصنيف عند أفلاطون وأرسطو، ثم في العصر الهلنستي والروماني، وبعدها في العصور الوسطى.
المطلب الأول - التصنيف عند أفلاطون وأرسطو
1 - تصور أفلاطون وسلم المعرفة والجدل
لم يضع أفلاطون (Plato) تصنيفا مفصلا للعلوم، لكنه رسم سلما للمعرفة في كتابه الجمهورية يصعد من المحسوسات إلى المعقولات، حيث تأتي الرياضيات في مرحلة وسطى ثم يعلوها الجدل (Dialectic) الذي يقود إلى معرفة المثل. وهكذا جعل أفلاطون الفلسفة قمة المعرفة، وهو تصور سيؤثر في تصنيفات العلم لدى المفكرين اللاحقين.
2 - تقسيم أرسطو إلى نظرية وعملية وإنتاجية
وبناء على ذلك، جاء تلميذه أرسطو (Aristotle) بتصنيف أكثر وضوحا، قسم فيه العلوم بحسب الغاية إلى ثلاثة أصناف، هي العلوم النظرية التي تطلب المعرفة لذاتها، والعلوم العملية التي ترشد الفعل كالأخلاق والسياسة، والعلوم الإنتاجية التي تتعلق بالصنع والإبداع كالشعر والخطابة والفنون. ويعد هذا التقسيم من أكثر التصنيفات تأثيرا في تاريخ الفكر.
3 - العلوم النظرية من فلسفة أولى وطبيعيات ورياضيات
وفي هذا الإطار، قسم أرسطو العلوم النظرية إلى ثلاثة فروع، هي الفلسفة الأولى أو ما بعد الطبيعة (Metaphysics) التي تبحث في الوجود بما هو موجود، والعلوم الطبيعية (Physics) التي تدرس الأجسام المتحركة، والرياضيات (Mathematics) التي تدرس الكميات المجردة. وقد جعل الفلسفة الأولى أشرف العلوم لأن موضوعها أعم الموجودات وأثبتها.
4 - أثر المنطق بوصفه أداة للعلوم
ومن الجدير بالذكر أن أرسطو لم يعد المنطق (Logic) علما قائما في صنف محدد، بل أداة تمهيدية يستعين بها كل علم، ولهذا سمى شراحه مجموع كتبه المنطقية الأورغانون (Organon) أي الأداة. وقد ظلت هذه الفكرة حاضرة عند الفلاسفة المسلمين وفي التعليم القروسطي، فصار المنطق مدخلا لكل تحصيل علمي منظم.
5 - تقويم تصنيف أرسطو وأثره اللاحق
وفي ضوء ذلك، يمكن تقويم تصنيف أرسطو بأنه وضع أول إطار منهجي للتمييز بين العلوم بحسب موضوعها وغايتها، وفتح الباب أمام التخصص. غير أنه ربط العلم بالفلسفة ارتباطا وثيقا، فلم يترك مجالا واسعا للعلوم التجريبية المستقلة. ومع ذلك، ظل تأثيره قائما في تصنيفات العلم لدى الفارابي وابن سينا وتوما الأكويني، وحتى في اللغة الحديثة التي تقسم العلوم إلى نظرية وتطبيقية.
المطلب الثاني - التصنيف في العصر الهلنستي والروماني
1 - الرواقيون والمنطق والطبيعيات والأخلاق
شهد العصر الهلنستي ظهور مدارس جديدة في تصنيفات العلم، ومنها الرواقية (Stoicism) التي يعود تأسيسها إلى زينون الكيتيومي. وقد قسم الرواقيون الفلسفة إلى ثلاثة أجزاء، هي المنطق والطبيعيات والأخلاق، وشبهوها ببستان سوره المنطق وشجره الطبيعيات وثمره الأخلاق. ويدل هذا التشبيه على أنهم رأوا العلوم كلا متكاملا لا أجزاء منفصلة.
2 - الفنون الحرة السبعة الأولى
ومن جهة أخرى، ظهرت في العالم اليوناني الروماني فكرة الثقافة العامة التي يحتاجها الإنسان الحر، وسميت بالفنون الحرة (Liberal Arts) تمييزا لها عن الحرف اليدوية. وكانت تشمل اللغة والخطابة والجدل والحساب والهندسة والفلك والموسيقى. وقد صارت هذه الفنون أساسا للتعليم الأوروبي عدة قرون، ولا تزال عبارة الفنون الحرة تستعمل في بعض الجامعات حتى اليوم.
3 - إسهامات فارو ومارتيانوس كابيلا
وفي هذا السياق، ألف الكاتب الروماني فارو (Varro) في القرن الأول قبل الميلاد موسوعة عن العلوم تتناول تسعة فنون، منها الطب والعمارة إلى جانب الفنون الحرة. ثم جاء مارتيانوس كابيلا (Martianus Capella) في القرن الخامس الميلادي بكتابه زواج فيلولوجيا وعطارد الذي استقرت فيه الفنون الحرة على سبعة، فصار نموذجا شاع في الغرب اللاتيني.
4 - الموسوعات الرومانية كبليني الأكبر
وعلاوة على ما سبق، برزت الموسوعات الرومانية بوصفها شكلا آخر لتنظيم المعرفة، وأشهرها التاريخ الطبيعي (Naturalis Historia) لبليني الأكبر (Pliny the Elder) في القرن الأول الميلادي، وهو عمل ضخم من سبعة وثلاثين كتابا يجمع معارف الفلك والجغرافيا والإنسان والحيوان والنبات والمعادن. ولم يعتمد بليني تصنيفا فلسفيا صارما، بل رتب مادته بحسب الموضوعات الطبيعية.
5 - أثر هذه التصنيفات في التعليم الأوروبي
وبناء على ما تقدم، يتضح أن تصنيفات العلم في العصر الروماني كانت أقرب إلى التعليم العملي منها إلى التنظير الفلسفي. فقد نقلت إلى أوروبا المسيحية قائمة الفنون السبعة وفكرة الموسوعة، وهما أداتان ظلتا حاضرتين في المدارس الكنسية، ثم في الجامعات الأولى، حيث اتخذت صورة مناهج دراسية ثابتة.
المطلب الثالث - التصنيف في العصور الوسطى الأوروبية
1 - الفنون السبعة الحرة والتريفيوم والكوادريفيوم
اتخذت تصنيفات العلم في العصور الوسطى الأوروبية شكلا مدرسيا واضحا، فقسمت الفنون السبعة إلى مجموعتين، هما التريفيوم (Trivium) أي الطرق الثلاث للغة، والكوادريفيوم (Quadrivium) أي الطرق الأربع للرياضيات. وقد ساد هذا النظام في المدارس الكنسية، وكان الطالب يتدرج من الأول إلى الثاني قبل الانتقال إلى اللاهوت. ويوضح الجدول الآتي هذا التقسيم.
| المجموعة | الفنون | المجال العام |
|---|---|---|
| التريفيوم | النحو والخطابة والجدل | اللغة والتعبير والحجة |
| الكوادريفيوم | الحساب والهندسة والفلك والموسيقى | العدد والمقدار والكون |
2 - تصنيف إيزيدور الإشبيلي وبوئيثيوس
وفي هذا السياق، أدى بوئيثيوس (Boethius) في القرن السادس دورا مهما في نقل التراث اليوناني، فهو الذي شاع عنه استعمال لفظ الكوادريفيوم، وترجم أجزاء من منطق أرسطو. أما إيزيدور الإشبيلي (Isidore of Seville) فألف في القرن السابع كتاب الأصول أو الاشتقاقات (Etymologiae) الذي جمع فيه معارف عصره في عشرين كتابا، وصار مرجعا موسوعيا للقرون التالية.
3 - تصنيف هيو القديس فيكتور
ومما يعزز هذا التوجه ما قدمه هيو القديس فيكتور (Hugh of Saint Victor) في القرن الثاني عشر في كتابه ديداسكاليكون (Didascalicon)، إذ قسم الفلسفة إلى أربعة أقسام، هي النظرية والعملية والميكانيكية والمنطقية. وبذلك أدخل الفنون الميكانيكية، أي الحرف والصناعات، في صلب تصنيفات العلم لأول مرة، بعد أن كانت مهملة في التقليد الأكاديمي.
4 - توما الأكويني والتوفيق بين الفلسفة واللاهوت
وفي القرن الثالث عشر، سعى توما الأكويني (Thomas Aquinas) إلى التوفيق بين فلسفة أرسطو التي انتقلت إلى أوروبا عبر الترجمات العربية واللاتينية، وبين العقيدة المسيحية. فاعتبر اللاهوت علما أسمى لأن مصدره الوحي، واعترف في الوقت نفسه باستقلال العلوم الفلسفية والطبيعية في مجالها. وبهذا قدم صيغة جمعت بين التراتب القيمي والاعتراف بالعقل.
5 - هيمنة اللاهوت وهيكل الجامعات الأولى
وفي ضوء ذلك، انعكس هذا الترتيب على بنية الجامعات الأولى مثل بولونيا وباريس وأكسفورد، إذ كانت كلية الفنون تؤدي دور المرحلة التمهيدية، ثم يتخصص الطالب في اللاهوت أو القانون أو الطب. وهكذا تجسد تصنيف العلوم في هيكل مؤسسي، وصار اللاهوت على رأس الهرم المعرفي، وبقي الأمر كذلك حتى بدأت الحركات الحديثة تطالب بالاستقلال.
المبحث الثالث - تصنيف العلوم في الحضارة الإسلامية
وبالتوازي مع أوروبا، شهدت الحضارة الإسلامية حركة غزيرة في مجال التصنيف، تنوعت فيها المقاربات بين الفلسفي والديني والموسوعي. ومن يتتبع تصنيفات العلم في هذه الحضارة يلاحظ اجتهادا كبيرا في ربط العلوم بالوحي والعقل معا. وسنعرض في هذا المبحث التصنيفات الفلسفية، ثم الدينية والموسوعية، وأخيرا تصنيف ابن خلدون.
المطلب الأول - التصنيفات الفلسفية
1 - الكندي وتقسيم العلوم
يعد يعقوب بن إسحاق الكندي (توفي نحو 873م) من أوائل فلاسفة العرب، وقد تناول تقسيم العلوم في رسائله، ومنها رسالته في كمية كتب أرسطوطاليس وما يحتاج إليه في تحصيل الفلسفة. وفيها أبرز ترتيب العلوم بين منطقية ورياضية وطبيعية وإلهية. وبهذا مثل الكندي حلقة وصل بين التراث اليوناني ومشروع تصنيف عربي لاحق.
2 - الفارابي في إحصاء العلوم ومنزلته
وفي المقابل، يعد أبو نصر الفارابي (توفي 950م) صاحب أشهر تصنيف فلسفي في تصنيفات العلم الإسلامية، وذلك في كتابه إحصاء العلوم. وقد رتبه في خمسة فصول، هي علم اللسان، وعلم المنطق، والعلوم التعاليمية أي الرياضيات، ثم العلم الطبيعي والإلهي، وأخيرا العلم المدني وعلم الفقه وعلم الكلام. وجمع بذلك بين العلوم الفلسفية والشرعية في بناء واحد.
3 - ابن سينا وتقسيم الحكمة
ومن جهة أخرى، قدم ابن سينا (توفي 1037م) تقسيما للحكمة أو العلوم العقلية في رسالته أقسام العلوم العقلية، فقسمها إلى حكمة نظرية وحكمة عملية. وتشمل النظرية العلم الطبيعي والرياضي والإلهي والكلي، وتشمل العملية الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة. وهو بذلك التزم بالمخطط الأرسطي، مع إضافات تتعلق بترتيب فروع الطبيعيات والإلهيات.
4 - إخوان الصفا وتصنيف العلوم
ولا يمكن إغفال جماعة إخوان الصفا التي ظهرت في البصرة في القرن العاشر، وجمعت رسائلها الاثنتين والخمسين موسوعة فلسفية. وقسمت هذه الرسائل إلى أربعة أجزاء، هي الرياضية التعليمية، والجسمانية الطبيعية، والنفسانية العقلية، والناموسية الإلهية. وهكذا مزجت الجماعة بين العلوم الفلسفية والروحية بأسلوب تعليمي مبسط يخاطب عامة المثقفين.
5 - أثر الفلسفة اليونانية وتجاوزها
وبناء على ما تقدم، يظهر أن الفلاسفة المسلمين تأثروا بأرسطو وأفلاطون وشراحهما، لكنهم لم يكتفوا بالنقل، فأضافوا علوم اللغة والفقه والكلام إلى قوائمهم، وأعطوا للعلم المدني مكانة جديدة. ولذلك كانت تصنيفات العلم في هذه المرحلة تعبيرا عن مشروع حضاري يسعى إلى دمج الموروث اليوناني في رؤية إسلامية.
المطلب الثاني - التصنيفات الدينية والموسوعية
1 - الغزالي وتقسيم العلوم إلى شرعية وعقلية
أما أبو حامد الغزالي (توفي 1111م) فقد قسم العلوم في كتابه إحياء علوم الدين وفي المستصفى إلى علوم شرعية وعلوم غير شرعية، وهي العقلية في الغالب، كالطب والحساب. ثم حكم على كل علم بحسب موقفه من الدين، فمنها المحمود والمذموم والمباح. وبهذا ربط تصنيفات العلم بالأحكام القيمية، وجعل المنفعة الأخروية معيارا رئيسا.
2 - الخوارزمي في مفاتيح العلوم
وفي هذا السياق، ألف محمد بن أحمد الخوارزمي الكاتب (توفي 997م تقريبا، ولا يخلط بينه وبين عالم الرياضيات المعروف) كتاب مفاتيح العلوم، وهو معجم اصطلاحي مقسم إلى مقالتين. الأولى في علوم الشريعة وما يقترن بها من النحو والكتابة والشعر والأخبار، والثانية في علوم العجم، أي علوم الأوائل كالفلسفة والمنطق والطب والحساب والهندسة والفلك والموسيقى والكيمياء.
3 - ابن النديم في الفهرست
ومن الجدير بالذكر أن ابن النديم ألف كتاب الفهرست نحو عام 987م، وهو فهرس ضخم للكتب العربية وغير العربية المتداولة في عصره، ورتبه في عشر مقالات تتناول القرآن واللغة والنحو والأخبار والشعر والكلام والفقه والفلسفة والأسمار والمذاهب والكيمياء. وهو بذلك أقرب إلى التصنيف الببليوغرافي منه إلى التصنيف الفلسفي.
4 - حاجي خليفة في كشف الظنون وطاش كبري زاده في مفتاح السعادة
وفي العصر العثماني، ألف طاش كبري زاده (توفي 1561م) كتاب مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، وهو موسوعة تعرض العلوم وتبين فروعها وموضوعاتها. ثم جاء حاجي خليفة أو كاتب جلبي (توفي 1657م) بكتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، وفيه آلاف العناوين مرتبة هجائيا، مع مقدمة نظرية في تصنيف العلوم.
5 - تقسيم فروض الأعيان وفروض الكفاية
وعلاوة على ما سبق، برز في الفكر الإسلامي تقسيم عملي مبني على الحكم التكليفي، وهو التفريق بين ما هو فرض عين يلزم كل مسلم تعلمه، وما هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وقد عد الغزالي من فروض الكفاية الطب والحساب وبعض الصناعات، فربط التصنيف بحاجات المجتمع. ويلخص الجدول الآتي أبرز هذه المصنفات.
| المؤلف | الكتاب | الزمن التقريبي | طابع التصنيف |
|---|---|---|---|
| الفارابي | إحصاء العلوم | القرن العاشر الميلادي | فلسفي يجمع الشرعي والعقلي |
| الخوارزمي الكاتب | مفاتيح العلوم | القرن العاشر الميلادي | معجمي موسوعي |
| ابن النديم | الفهرست | 987م تقريبا | ببليوغرافي |
| الغزالي | إحياء علوم الدين والمستصفى | أواخر القرن الحادي عشر | ديني قيمي |
| ابن خلدون | المقدمة | 1377م | نقلي وعقلي مع علم العمران |
| طاش كبري زاده | مفتاح السعادة | القرن السادس عشر | موسوعي موضوعي |
| حاجي خليفة | كشف الظنون | القرن السابع عشر | ببليوغرافي هجائي |
المطلب الثالث - ابن خلدون ومعايير أخرى في التصنيف
1 - تقسيم العلوم إلى نقلية وعقلية
يقدم عبد الرحمن بن خلدون (1332 - 1406م) في مقدمته التي كتبها عام 1377م تصورا مميزا في تصنيفات العلم، فيقسم العلوم إلى صنفين. الأول علوم نقلية وضعية، مصدرها الشرع واللغة، كالتفسير والحديث والفقه وعلم الكلام والنحو. والثاني علوم عقلية طبيعية للإنسان بفطرة التفكير، وهي المنطق والطبيعيات والإلهيات والتعاليم أي الرياضيات.
2 - العلوم الطبيعية للإنسان وعلاقتها بالعمران
وفي هذا الإطار، ربط ابن خلدون وجود العلوم بالعمران البشري، فرأى أن العلم والصنائع ينشآن وتزدهران بقدر ما يتسع الاجتماع الإنساني ويتحضر. وأضاف علما جديدا هو علم العمران البشري، الذي يدرس طبائع الاجتماع وتحولات الدول، وهو ما اعتبره بعض الباحثين المعاصرين إرهاصا مبكرا لعلم الاجتماع، مع الحذر من إسقاط المصطلحات الحديثة على نص قديم.
3 - نقد التصنيفات السابقة
ومن جهة أخرى، لم يكن ابن خلدون ناقلا فقط، بل مارس نقدا واضحا لبعض ما سبقه، فانتقد ادعاء الفلاسفة إمكان البرهان العقلي على مسائل الإلهيات، وانتقد علوم التنجيم والكيمياء بوصفها ادعاءات بلا أساس، كما دعا إلى التدرج في التعليم وعدم الإثقال على المتعلم. وهذا النقد يبين أن التصنيف عنده كان جزءا من رؤية تربوية ومعرفية شاملة.
4 - أثر الحضارة الإسلامية في تصنيفات أوروبا
وفي ضوء ذلك، لا بد من الإشارة إلى انتقال هذا التراث إلى أوروبا، خصوصا عبر حركة الترجمة في طليطلة في القرن الثاني عشر. ومن أمثلة التأثر كتاب في تقسيم الفلسفة (De divisione philosophiae) لدومنيكوس غونديسالفي (Dominicus Gundissalinus) الذي استفاد فيه من الفارابي وابن سينا. وبهذا دخلت عناصر من تصنيفات العلم الإسلامية إلى المدرسة اللاتينية.
5 - تقويم الإسهام الإسلامي
وأخيرا، يمكن القول إن الإسهام الإسلامي تميز بثلاث سمات. أولها الجمع بين الوحي والعقل في بناء تصنيفي واحد، وثانيها العناية بالعلوم اللغوية والاجتماعية التي لم تحظ بمكانة مماثلة عند اليونان، وثالثها اتساع المصنفات الموسوعية والببليوغرافية. ومع ذلك بقيت بعض التصنيفات مشدودة إلى تقسيمات تقليدية لم تتأثر كثيرا بتطور العلوم التجريبية في القرون المتأخرة.
المبحث الرابع - تصنيف العلوم في العصر الحديث والمعاصر
ومع بداية العصر الحديث، تغيرت صورة العلم في أوروبا تغيرا جذريا، فبرزت التجربة والمنهج الاستقرائي، وتحررت العلوم من وصاية اللاهوت تدريجيا. وانعكس هذا التحول على تصنيفات العلم التي صارت تبحث عن أسس جديدة. وسنتناول في هذا المبحث تصنيفات بيكون وما بعده، ثم تصنيفات القرنين التاسع عشر والعشرين، وأخيرا الاتجاهات المعاصرة.
المطلب الأول - التصنيفات عند فرانسيس بيكون وما بعده
1 - بيكون وتقسيم المعرفة بحسب ملكات العقل
طرح فرانسيس بيكون (Francis Bacon) في كتابه تقدم العلم (The Advancement of Learning) عام 1605 تصنيفا يقوم على ملكات العقل الإنساني، فجعل التاريخ وليد الذاكرة، والشعر وليد الخيال، والفلسفة وليدة العقل. ثم فرع الفلسفة إلى علم إلهي وطبيعي وإنساني. وبهذا أعاد بيكون ترتيب المعرفة على أساس نفسي بدل المعيار اليوناني القائم على الموضوع والغاية.
2 - ديكارت وشجرة المعرفة
وفي المقابل، شبه رينيه ديكارت (René Descartes) الفلسفة بشجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزياء وفروعها العلوم التطبيقية كالميكانيكا والطب والأخلاق. وجاء ذلك في مقدمة الطبعة الفرنسية لكتابه مبادئ الفلسفة عام 1647. وتؤكد هذه الصورة وحدة المعرفة وترابطها، وتجعل العلوم التطبيقية ثمرة للأصول النظرية.
3 - الموسوعيون ودالمبير وديدرو
وفي هذا السياق، أصدر ديدرو (Diderot) ودالمبير (d Alembert) الموسوعة (Encyclopédie) ابتداء من عام 1751، وقدم دالمبير في خطابه التمهيدي نظاما للمعرفة متأثرا ببيكون، ورسم ما سمي شجرة المعرفة، فقسم العلوم بحسب الذاكرة والعقل والخيال. وأسهمت هذه الموسوعة في نشر أفكار التنوير وربط العلوم بالفنون الميكانيكية.
4 - أوغست كونت وتصنيفه الهرمي
ومما يعزز هذا التوجه ما قدمه أوغست كونت (Auguste Comte) في كتابه دروس في الفلسفة الوضعية الصادر بين 1830 و1842، إذ رتب العلوم الأساسية ترتيبا هرميا من الأعم الأبسط إلى الأخص الأعقد، فجاءت الرياضيات ثم الفلك ثم الفيزياء ثم الكيمياء ثم الأحياء ثم الفيزياء الاجتماعية أي علم الاجتماع. وقد ربط ذلك بقانون الأحوال الثلاثة اللاهوتية والميتافيزيقية والوضعية.
5 - هربرت سبنسر وتصنيفه المبني على التطور
وفي المقابل، انتقد هربرت سبنسر (Herbert Spencer) تصنيف كونت في مقاله تصنيف العلوم (The Classification of the Sciences) الصادر عام 1864، ورأى أن العلوم لا تشكل سلسلة واحدة متدرجة. فأقام تصنيفه على التمييز بين العلوم المجردة كالمنطق والرياضيات، والمجردة المحسوسة كالميكانيكا والفيزياء والكيمياء، والمحسوسة كالفلك والجيولوجيا والأحياء وعلم النفس والاجتماع، متأثرا بفكرة التطور.
المطلب الثاني - تصنيفات القرن التاسع عشر والعشرين
1 - ديلتاي والتمييز بين علوم الطبيعة وعلوم الروح
شهد القرن التاسع عشر جدلا واسعا في تصنيفات العلم حول الفرق بين العلوم الطبيعية والإنسانية. فقد ميز فيلهلم ديلتاي (Wilhelm Dilthey) في كتابه مدخل إلى علوم الروح عام 1883 بين علوم الطبيعة (Naturwissenschaften) التي تقوم على التفسير السببي، وعلوم الروح (Geisteswissenschaften) التي تقوم على الفهم (Verstehen) للتجربة الحية.
2 - ريكرت وعلوم الثقافة
وفي هذا الإطار، طور هاينريش ريكرت (Heinrich Rickert) هذا التمييز في كتابه علم الثقافة وعلم الطبيعة عام 1899، ورأى أن الفارق لا يكمن في الموضوع بل في المنهج، فالعلوم الطبيعية تبحث عن القوانين العامة، أما علوم الثقافة فتهتم بالفريد والمتفرد المرتبط بقيم محددة. وتأثر ريكرت بزميله فيلهلم فيندلباند في التفريق بين المنهج القانوني والمنهج الوصفي الفردي.
3 - التمييز بين العلوم الأساسية والتطبيقية
وبالإضافة إلى ذلك، ترسخ في القرن العشرين التمييز بين العلوم الأساسية (Basic Sciences) التي تسعى إلى تفسير الظواهر، والعلوم التطبيقية (Applied Sciences) التي تستثمر المعرفة في الصناعة والطب والهندسة. ورغم أن الحد بينهما ليس قاطعا، فإن هذه الثنائية أثرت في سياسات البحث والتمويل، وفي هياكل الجامعات التي أنشأت كليات للهندسة والتقنية إلى جانب كليات العلوم.
4 - العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية والدقيقة
ومن جهة أخرى، استقر في الأكاديميات تقسيم رباعي شائع للعلوم، وهو العلوم الإنسانية كالتاريخ واللغة والفلسفة، والعلوم الاجتماعية كالاقتصاد وعلم الاجتماع، والعلوم الطبيعية كالفيزياء والأحياء، والعلوم الدقيقة كالرياضيات والمنطق. وتضيف تصنيفات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للبحث والتطوير العلوم الطبية والزراعية والهندسة والتكنولوجيا إلى هذه المجالات.
5 - النماذج المكتبية كتصنيف ديوي وتصنيف الكونغرس والتصنيف العشري العالمي
وعلاوة على ما سبق، ظهرت نظم مكتبية تحول فيها تصنيف العلوم إلى رموز عملية. فوضع ملفيل ديوي (Melvil Dewey) عام 1876 نظامه العشري الذي يقسم المعارف إلى عشرة أقسام رئيسة، ويديره اليوم موقع OCLC الخاص بنظام ديوي. وتبنت مكتبة الكونغرس تصنيفها الخاص الذي يعتمد على الحروف، وتوضحه صفحة مكتبة الكونغرس الخاصة بنظام التصنيف.
وفي المقابل، ابتكر البلجيكيان بول أوتليه (Paul Otlet) وهنري لافونتين (Henri La Fontaine) التصنيف العشري العالمي (Universal Decimal Classification) في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين انطلاقا من نظام ديوي، مع إضافة رموز تسمح بالربط بين الموضوعات. وتتولى حاليا رابطة التصنيف العشري العالمي تحديثه. ثم جاء رانغاناثان (Ranganathan) عام 1933 بالتصنيف التحليلي الوجهي المسمى الكولون (Colon Classification).
المطلب الثالث - الاتجاهات المعاصرة والدراسات البينية
1 - ظهور العلوم البينية كالجغرافيا الحيوية والأنثروبولوجيا الرقمية
تمثل العلوم البينية (Interdisciplinary Sciences) أبرز تحدٍ يواجه تصنيفات العلم المعاصرة، فقد نشأت حقول تجمع بين تخصصين أو أكثر مثل الجغرافيا الحيوية (Biogeography) والمعلوماتية الحيوية (Bioinformatics) والعلوم الإدراكية (Cognitive Science) والإنسانيات الرقمية (Digital Humanities) والأنثروبولوجيا الرقمية. وهذه الحقول لا تجد لها موضعا ثابتا في التصنيفات التقليدية.
2 - تحولات تصنيف اليونسكو والتصنيفات الأكاديمية
وفي هذا السياق، وضعت اليونسكو (UNESCO) نظاما لترميز ميادين العلم والتكنولوجيا يعرف بالنوموكلاتور، وصدر في نسخته المعتمدة عام 1988، ويستعمل رموزا رقمية على مستويات متعددة لتسهيل المقارنة بين الدول. وتستخدم الجامعات والجهات الممولة قوائم أخرى مثل دليل فراسكاتي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الذي يقسم العلوم إلى ستة ميادين كبرى. وتحدث هذه النظم باستمرار لمواكبة المستجدات، وللاطلاع على أعمال المنظمة يمكن زيارة موقع اليونسكو.
3 - أثر الحاسوب والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي
ومن جهة أخرى، أحدث الحاسوب تحولا في طبيعة التصنيف، فبدل الاعتماد على رمز واحد ثابت لكل كتاب، صارت قواعد البيانات تتيح وسوما متعددة وفهرسة بالكلمات المفتاحية وروابط بين المفاهيم. ويستعمل الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) في تحليل ملايين الأبحاث وتجميعها في عناقيد موضوعية، ويستفاد من الأنطولوجيا (Ontology) في بناء شبكات مفاهيم تربط العلوم ببعضها.
4 - أزمة الحدود بين التخصصات
وفي ضوء ذلك، تعاني الأوساط الأكاديمية من أزمة حدود، إذ تتضاءل الفروق بين الفيزياء والأحياء والحوسبة، ويصعب القول أين ينتهي علم وأين يبدأ آخر. وتتسبب هذه الأزمة في مشكلات عملية، مثل صعوبة التقويم الأكاديمي للأبحاث المشتركة وتحديد جهة التمويل المناسبة. ومن هنا ظهرت دعوات إلى هياكل جامعية مرنة تتجاوز الأقسام الجامدة.
5 - نحو تصنيف مرن متعدد الأبعاد
وأخيرا، يتجه الفكر التصنيفي المعاصر إلى نماذج مرنة تعتمد على الأبعاد المتعددة بدل الشجرة الواحدة، فيمكن أن ينتمي البحث الواحد إلى عدة حقول بأوزان مختلفة، وأن تعرض العلوم في صورة شبكة أو خريطة لا في صورة هرم. وهذا الاتجاه يقترب في روحه من فكرة التصنيف الوجهي عند رانغاناثان، وإن اختلفت أدواته التقنية.
المبحث الخامس - مقارنة بين التصنيفات وتقويم مسارها
وبعد استعراض هذه التصنيفات عبر العصور، يصبح من المفيد إجراء موازنة تحليلية بينها، لأن المقارنة تكشف المشترك والمختلف، وتبين ما الذي دفع إلى تغير تصنيفات العلم من عصر إلى آخر. ويتناول هذا المبحث المقارنة بين التصنيفات الكبرى، ثم العوامل المؤثرة في تغيرها، وأخيرا التقويم النقدي والآفاق.
المطلب الأول - المقارنة بين التصنيفات الكبرى
1 - من حيث المعيار والفلسفة المؤسسة
تتفاوت تصنيفات العلم الكبرى من حيث المعيار الغالب، فأرسطو اعتمد الغاية، والفارابي جمع بين الموضوع والغاية، والغزالي اعتمد الشرف والمنفعة والمصدر، وبيكون اعتمد ملكات العقل، وكونت اعتمد التسلسل والاعتماد المتبادل، وديلتاي وريكرت اعتمدا المنهج. ويعكس ذلك اختلاف الفلسفات الحاكمة بين مثالية وعقلانية ووضعية وتأويلية.
2 - من حيث موقع الدين والفلسفة
ومن جهة أخرى، اختلف موقع الدين والفلسفة اختلافا ظاهرا. ففي أوروبا القروسطية احتل اللاهوت القمة وخضعت الفلسفة له، أما في التصنيفات الإسلامية الفلسفية فقد وقعت الحكمة في موقع متكامل مع الشريعة، وعند الغزالي جاءت العلوم الشرعية أولا. وفي العصر الحديث غاب الدين من التصنيف العلمي، وصارت الفلسفة نفسها فرعا ضمن العلوم الإنسانية.
3 - من حيث العلاقة بين العلوم النظرية والعملية
وفي المقابل، تباينت الرؤى حول العلاقة بين النظري والعملي. فقد قدم اليونان النظر على العمل، وتبعهم ابن سينا في ذلك، أما العصر الحديث فأعاد الاعتبار للتطبيق عبر الفنون الميكانيكية عند هيو القديس فيكتور ثم عبر الهندسة والتقنية. ونتج عن ذلك انتقال تدريجي من الفلسفة التأملية إلى معرفة تخدم المجتمع والاقتصاد.
4 - من حيث الأثر في التعليم والمكتبات
وبالإضافة إلى ذلك، كان لبعض التصنيفات أثر مباشر في البنية المؤسسية، ففنون التريفيوم والكوادريفيوم أسست مناهج المدارس الأوروبية، وانعكس تصنيف كونت في تنظيم علم الاجتماع، وأثر تصنيف ديوي في ترتيب مكتبات العالم. أما التصنيفات الفلسفية الإسلامية فكان أثرها في المدارس والمكتبات غير متساو، بحسب الظرف التاريخي وحجم تبني المؤسسات لها.
5 - جدول مقارن بين أبرز التصنيفات
ويلخص الجدول الآتي أبرز عناصر المقارنة بين التصنيفات الكبرى.
| التصنيف | الزمن | المعيار | الأقسام الكبرى |
|---|---|---|---|
| أرسطو | القرن الرابع قبل الميلاد | الغاية | نظرية وعملية وإنتاجية |
| الفنون السبعة | العصور القديمة المتأخرة والوسطى | الوظيفة التعليمية | تريفيوم وكوادريفيوم |
| الفارابي | القرن العاشر | الموضوع والغاية | اللسان والمنطق والتعاليم والطبيعي والإلهي والمدني |
| الغزالي | القرن الحادي عشر | الشرف والمنفعة والمصدر | شرعية وغير شرعية |
| ابن خلدون | القرن الرابع عشر | المصدر مع العمران | نقلية وعقلية |
| بيكون | 1605 | ملكات العقل | تاريخ وشعر وفلسفة |
| كونت | 1830 - 1842 | التسلسل المعرفي | من الرياضيات إلى علم الاجتماع |
| ديوي | 1876 | التنظيم المكتبي | عشرة أقسام رئيسة |
المطلب الثاني - العوامل المؤثرة في تغير التصنيفات
1 - التطور المعرفي واكتشاف علوم جديدة
يأتي التطور المعرفي في مقدمة العوامل التي تفسر تغير تصنيفات العلم، فكل علم جديد يفرض إعادة ترتيب الخريطة. وقد أدى ظهور الكيمياء الحديثة والبيولوجيا والجيولوجيا وعلم النفس إلى تفكك البنى القديمة، وصارت القوائم الأرسطية والقروسطية عاجزة عن استيعاب هذا الكم من الفروع المستقلة.
2 - التحولات الفلسفية والمنهجية
وفي هذا السياق، أسهمت التحولات الفلسفية في إعادة بناء الأسس، فقد حول بيكون الاهتمام من القياس إلى الاستقراء، وجعل ديكارت الشك أساسا للمعرفة، وجاءت الوضعية فاعتبرت العلم التجريبي نموذج المعرفة الصحيحة. وبعد ذلك قاد النقد التأويلي إلى الاعتراف بخصوصية العلوم الإنسانية، فتغيرت المعايير وتغيرت معها الأقسام.
3 - التحولات الدينية والسياسية
وعلاوة على ذلك، لعبت الأديان والسلطات السياسية دورا في توجيه التصنيف، فمكانة اللاهوت في أوروبا القروسطية وما تلاها من إصلاح ديني وصراع بين الكنيسة والدولة، انعكس على مواقع العلوم في الجامعات. وفي العالم الإسلامي ارتبط الاهتمام بعلوم معينة برعاية الخلفاء والسلاطين وبحاجات القضاء والإدارة، وهو ما يظهر في تصنيفات الفقه والكلام والطب والحساب.
4 - التقنيات ووسائل نقل المعرفة
ومن جهة أخرى، غيرت وسائل نقل المعرفة شكل التصنيف، فبعد أن كانت التصنيفات تقوم على المخطوطات وحلقات الدرس، ظهرت المطبعة التي جعلت الكتب كثيرة فاحتاجت إلى فهارس منظمة، ثم الحاسوب الذي جعل المعارف مرتبطة بروابط وبيانات. وكلما اتسعت قدرة المجتمع على إنتاج المعلومات وتخزينها، ازدادت الحاجة إلى نظم تصنيف أدق وأكثر مرونة.
5 - حاجات المؤسسات التعليمية والبحثية
وأخيرا، تؤثر حاجات الجامعات ومراكز البحث في وضع الأقسام والتخصصات، فبحسب أولويات التمويل والتوظيف والاعتماد الأكاديمي تظهر كليات جديدة وتضمحل أخرى. وهذه الحاجات العملية قد تدفع إلى تقسيمات إدارية لا تتطابق دائما مع المنطق الفلسفي، وهو ما يفسر وجود فجوة بين التصنيف النظري والتصنيف المؤسسي.
المطلب الثالث - تقويم نقدي وآفاق
1 - إسهامات التصنيفات القديمة وحدودها
يمكن القول إن إسهام تصنيفات العلم القديمة كان كبيرا، فقد وفرت لغة مشتركة لتنظيم المعرفة، وربطت العلوم بغايات واضحة، وأسست مفاهيم النظري والعملي والمنهج والموضوع. لكن حدودها ظاهرة أيضا، فهي صيغت قبل ظهور العلوم التجريبية المستقلة، وكثيرا ما ربطت العلم بالفلسفة أو الدين أكثر من ارتباطه بالمنهج التجريبي.
2 - المركزية الأوروبية وإقصاء التصنيفات غير الغربية
وفي المقابل، تعاني كتب تاريخ العلوم الشائعة من نزعة مركزية أوروبية، فتبدأ من اليونان وتقفز إلى بيكون وكونت وكأن الحضارات الأخرى لم تقدم شيئا. والواقع أن للصين تصنيفها القديم مثل الملخصات السبعة لليوشين في عهد الهان، ثم المدونة الكبرى المقسمة إلى أربعة أقسام في القرن الثامن عشر، وللعالم الإسلامي ثروة كبيرة من المصنفات، وللهند تقاليد معرفية خاصة.
3 - صعوبة تصنيف جامع في زمن التداخل
ومما يعزز هذا التوجه أن صعوبة وضع تصنيف جامع لا ترجع إلى قصور المصنفين بل إلى طبيعة المعرفة. فالعلوم تتفاعل وتتوالد، ويستحيل أن يتسع تصنيف ثابت لكل التخصصات المتداخلة والمتغيرة. ولهذا يتجه المعاصرون إلى تصنيفات جزئية تلبي حاجات محددة، كالمكتبات أو التمويل أو التعليم، بدل الحلم بتصنيف كلي نهائي.
4 - أهمية استعادة التصنيفات العربية والإسلامية
وفي ضوء ذلك، تبرز أهمية استعادة التراث العربي الإسلامي في هذا المجال، لأنه يقدم نماذج لربط العلم بالقيمة، ولدمج العلوم النقلية والعقلية، ولدراسة العلاقة بين العمران والمعرفة. ولا يعني ذلك العودة الحرفية إلى تلك التصنيفات، بل قراءتها قراءة نقدية تستخرج منها أسئلتها ومعاييرها، وتضعها في حوار مع تصنيفات العصر الحديث.
5 - توصيات لتجديد الفكر التصنيفي
وبناء على ما سبق، يمكن اقتراح التوصيات الآتية.
- إدراج تاريخ تصنيف العلوم ضمن مقررات تاريخ العلوم وفلسفتها في الجامعات.
- تحقيق ونشر المصنفات العربية والإسلامية في تصنيف العلوم نشرا علميا محكما.
- تشجيع الدراسات المقارنة بين التصنيفات الغربية والإسلامية والشرقية.
- تطوير نظم تصنيف رقمية مرنة تراعي العلوم البينية واللغة العربية.
- تدريب أمناء المكتبات والباحثين على نظم التصنيف الحديثة وأسسها الفلسفية.
الخاتمة
تبين من خلال هذا العرض أن تصنيفات العلم لم تكن ترفا فكريا، بل كانت مرآة لفلسفة كل عصر ولمعارفه وحاجاته. فقد بدأ التصنيف مع اليونان بمعيار الموضوع والغاية، ثم انتقل إلى الرومان والمسيحيين في صورة الفنون السبعة والبناء اللاهوتي، وأخذ في الحضارة الإسلامية صورا غنية جمعت بين الفلسفة والشريعة والموسوعة والعمران، قبل أن يتحول في العصر الحديث إلى تصنيفات تقوم على ملكات العقل والتسلسل الوضعي والمنهج.
وقد أظهرت النتائج أن المعايير تطورت من الموضوع والغاية والشرف إلى المنهج والتخصص ثم إلى المرونة والتداخل، وأن كل تصنيف حمل نظرة صاحبه إلى العلاقة بين العقل والوحي، وبين النظر والعمل. كما اتضح أن العلوم البينية والتقنيات الرقمية تدفع اليوم إلى نماذج متعددة الأبعاد بدل الشجرة الواحدة، وأن التصنيفات الغربية الحديثة ليست وحدها في ميدان تصنيف المعرفة.
وبناء على ذلك، يوصي المقال بالعناية بتراث التصنيف العربي الإسلامي وتدريسه ضمن تاريخ العلوم، وبقراءته قراءة نقدية منفتحة على الدراسات المقارنة. وتبقى آفاق البحث المستقبلية مفتوحة أمام دراسة تصنيف المعارف في ظل الذكاء الاصطناعي والعلوم البينية، لأن تصنيفات العلم ستظل تتغير ما دامت المعرفة الإنسانية تنمو وتتجدد.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه