مقدمة
منذ أن بدأ الإنسان يدون أخباره وعقوده وقوانينه على الألواح والرقوق والأوراق، ظهرت الحاجة إلى جهات تتولى جمع هذه المدونات وحفظها وتنظيمها وإتاحتها لمن يحتاجها. ومن هنا نشأت المؤسسات الوثائقية بوصفها الحلقة التي تربط بين الماضي والحاضر، فهي التي تصون الشواهد المكتوبة وتحميها من الضياع، وتمنح الباحث والإداري والمواطن فرصة الرجوع إلى مصادر موثوقة عند الحاجة.
وبناءً على ذلك، تكتسب هذه الهيئات أهمية كبيرة في كل مجتمع، إذ تقوم عليها الذاكرة الجماعية، وتستند إليها الإدارة في اتخاذ قراراتها، ويعتمد عليها البحث العلمي في بناء معارفه. فالمكتبة التي تزود الطالب بالمراجع، والأرشيف الذي يثبت الحقوق والملكيات، ومركز التوثيق الذي يوفر المعلومة المتخصصة للمؤسسة الاقتصادية، كلها صور مختلفة لوظيفة واحدة هي حفظ المعلومة وإتاحتها.
ومع ذلك، يلاحظ القارئ المبتدئ أن المصطلحات في هذا الميدان متداخلة، فكثيراً ما يخلط الناس بين المكتبة ومركز التوثيق، أو بين الأرشيف والمتحف. ومن هذا المنطلق تتبلور إشكالية هذا المقال في السؤال الآتي، ما المقصود بهذه المؤسسات من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية، وكيف تطورت عبر التاريخ، وما هي أنواعها الرئيسية وما الذي يميز كل نوع عن غيره؟
وفي ضوء هذه الإشكالية، يسعى المقال إلى تحقيق جملة من الأهداف، فهو يوضح المفاهيم الأساسية، ويتتبع الجذور التاريخية والوظائف الجوهرية، ويعرض أنواع المكتبات ومراكز الأرشيف والتوثيق والجهات المتحفية، ثم يختم بأهم النتائج والتوصيات. وقد اعتمدنا أسلوباً أكاديمياً مبسطاً ليستفيد منه الطالب والباحث والمهتم على حد سواء.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الميدان يتقاطع مع تخصصات عدة، منها علم المكتبات وعلم الأرشيف وعلم المعلومات والإدارة والتاريخ، ولذلك فإن فهمه يتطلب نظرة شمولية لا تقتصر على زاوية واحدة. وسنحرص في ما يأتي على ربط كل فكرة بمثال أو تفصيل يقرب المعنى، حتى يخرج القارئ بتصور واضح ومتماسك عن هذه المنظومة وعن موقع كل مكون فيها.
المبحث الأول - مفهوم المؤسسات الوثائقية والإطار الاصطلاحي
قبل الحديث عن الأنواع والتفاصيل، ينبغي أولاً ضبط المفاهيم، لأن وضوح المصطلح هو أساس الفهم السليم لأي ميدان علمي. وفي هذا المبحث نحدد دلالة كلمتي الوثيقة والمؤسسة، ثم نبين كيف يتعامل علم المكتبات والمعلومات مع هذا المفهوم، قبل أن نتتبع نشأته ووظائفه الأساسية.
ويجدر بالقارئ أن يدرك أن ضبط المصطلح ليس ترفاً أكاديمياً، فهو ينعكس مباشرة على الممارسة، لأن الخلط بين المفاهيم يؤدي إلى أخطاء في تصميم الخدمات وتوزيع الموارد، كأن يعامل الأرشيف معاملة المكتبة فتفقد وثائقه سياقها، أو تعامل المكتبة معاملة الأرشيف فتحرم مجموعاتها من الإعارة والإتاحة الواسعة. ولذلك نبدأ بالأساس اللغوي ثم ننتقل إلى الاصطلاح.
المطلب الأول - اللفظ والتعريف اللغوي والاصطلاحي للوثيقة والمؤسسة
يبدأ تحديد المفهوم من اللغة، لأن الألفاظ تحمل في جذورها إشارات إلى معانيها العلمية. وبعد ذلك ننتقل إلى الاستعمال الاصطلاحي الذي استقر لدى المختصين، وهو ما توضحه العناصر التالية.
1. التعريف اللغوي للوثيقة والمؤسسة الوثائقية
تعود كلمة الوثيقة في اللغة العربية إلى الجذر وثق، ومنه قولهم وثق بفلان أي ائتمنه واطمأن إليه، والشيء الوثيق هو المحكم القوي. ومن هذا المعنى اشتقت الوثيقة لتدل على ما يُعتمد عليه ويُركن إليه في الإثبات، كالعقد المكتوب أو الصك أو المستند الرسمي. وهكذا نلاحظ أن اللفظ نفسه يحمل معنى الثقة والإثبات، وهو أصل قيمة الوثيقة في الحياة العامة.
وفي هذا السياق، يساعدنا هذا الأصل اللغوي على فهم سبب إصرار المختصين على صيانة الوثيقة وحمايتها من التزوير والتلف، فالثقة التي تحملها الكلمة هي نفسها الثقة التي يضعها المجتمع في المؤسسات الوثائقية حين يودع لديها سجلاته ومصادره. وإذا اهتزت هذه الثقة بسبب الإهمال أو سوء التنظيم، فقدت الوثيقة قيمتها وفقدت المؤسسة مصداقيتها.
أما كلمة المؤسسة فمشتقة من الفعل أسس، ومعناها وضع الأساس للبناء، ثم توسع استعمالها لتدل على الهيئة المنظمة التي تقوم على قواعد ثابتة لأداء وظيفة محددة. وفي المقابل، فإن الكلمة الإنجليزية Document مأخوذة من الأصل اللاتيني documentum الذي يرتبط بفعل التعليم والإرشاد، أي أن الوثيقة في الأصل شيء يعلّم ويدل ويبرهن.
وعند الجمع بين اللفظين، نصل إلى أن المؤسسات الوثائقية هي هيئات منظمة تقوم على أسس مهنية ثابتة، وتختص بجمع الوثائق والمعلومات الموثوقة ومعالجتها وحفظها وإتاحتها. ومما يعزز هذا الفهم أن الإنتاج الفكري العربي القديم استعمل ألفاظاً مثل خزانة الكتب ودار الكتب وديوان الرسائل للدلالة على الأماكن التي تؤدي وظائف قريبة من هذه المؤسسات.
وبالإضافة إلى ذلك، تتنوع الوثائق نفسها تنوعاً كبيراً، فمنها الوثائق الرسمية الصادرة عن الدولة كالقوانين والمراسيم، ومنها الوثائق الإدارية كالمراسلات والتقارير، ومنها الوثائق القانونية كالعقود والأحكام، ومنها الوثائق التاريخية والشخصية كالمذكرات والرسائل. ويشترط في الوثيقة الجيدة، وفق ما تقرره معايير إدارة السجلات، أن تتوفر فيها صفات الأصالة (Authenticity) والموثوقية (Reliability) والسلامة (Integrity) وقابلية الاستعمال (Usability)، وهي الصفات التي تجعلها صالحة للإثبات والاعتماد.
2. الاصطلاح العلمي لمفهوم المؤسسات الوثائقية في علم المكتبات والمعلومات
في الاصطلاح العلمي، يقصد بالوثيقة كل دعامة تحمل معلومة يمكن الرجوع إليها لأغراض الإثبات أو الدراسة أو الاستشهاد، سواء كانت مكتوبة أو مصورة أو مسموعة أو رقمية. وقد توسع هذا المفهوم كثيراً مع أعمال الباحث البلجيكي بول أوتلي (Paul Otlet) الذي يُعد من رواد علم التوثيق (Documentation) في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث رأى أن الوثيقة قد تكون كتاباً أو خريطة أو صورة أو أي أثر يحمل معلومة.
وبناءً على هذا التوسع، تعرّف المؤسسات الوثائقية في علم المكتبات والمعلومات بأنها الهيئات التي تُعنى بتجميع مصادر المعلومات على اختلاف أشكالها، وتنظيمها وفق قواعد الفهرسة والتصنيف، وتخزينها بطرق تضمن سلامتها، ثم تقديمها للمستفيدين عبر خدمات متنوعة. ويدخل ضمن هذا الإطار الواسع المكتبات ومراكز الأرشيف ومراكز المعلومات والتوثيق.
ومن الجدير بالذكر أن بعض الباحثين يميزون بين المصطلحات المتقاربة على النحو التالي.
- المكتبة (Library) - تعنى أساساً بالمطبوعات والكتب والدوريات وغيرها من أوعية المعلومات المنشورة.
- الأرشيف (Archives) - يعنى بالوثائق الناتجة عن نشاط الأفراد والمؤسسات في أثناء أداء أعمالها.
- مركز التوثيق (Documentation Centre) - يعنى بتحليل المعلومات المتخصصة وتقديمها بشكل مركز لفئة محددة من المستفيدين.
- المتحف (Museum) - يعنى بالقطع المادية والأثرية والفنية وما يرتبط بها من توثيق.
وفي هذا السياق، ذكرت الفرنسية سوزان بريات (Suzanne Briet) في منتصف القرن العشرين تعريفاً موسعاً للوثيقة في كتابها الشهير عن التوثيق، وهو ما جعل النقاش حول حدود هذا المفهوم أكثر ثراء في الأدبيات المتخصصة.
ومن جهة أخرى، يميز المختصون بين ثلاث مهن متجاورة هي أمين المكتبة (Librarian) وأخصائي التوثيق (Documentalist) وأمين الأرشيف (Archivist)، فلكل منها منهج وأدوات خاصة، لكن حدودها أصبحت أكثر مرونة في العقود الأخيرة. وقد ظهر في هذا الإطار مصطلح مؤسسات الذاكرة (GLAM)، وهو اختصار يجمع المعارض الفنية والمكتبات والأرشيفات والمتاحف، ويعكس اتجاهاً نحو التعاون وتوحيد الخدمات الرقمية بين هذه الهيئات. وبناءً على ذلك فإن المؤسسات الوثائقية تشكل اليوم عائلة واسعة متعددة الأفرع، يجمعها هدف واحد هو خدمة المعرفة وصون التراث.
وفي المقابل، أضافت التقنية بعداً جديداً إلى هذا المفهوم، فالوثيقة لم تعد ورقية فقط، بل ظهرت الوثيقة الرقمية التي تولد على الحاسوب أو تنتج بالمسح الضوئي للأصل الورقي. ومن هنا ظهر مصطلح المؤسسات الوثائقية الرقمية للدلالة على الهيئات التي تدير مجموعاتها وخدماتها عبر الأنظمة الإلكترونية، دون أن تتخلى عن مبادئ المهنة القائمة على الأصالة والتنظيم والإتاحة العادلة. وهذا يعني أن الجوهر ثابت، بينما تتبدل الوسائل والأدوات.
المطلب الثاني - التطور التاريخي لنشأة المؤسسات الوثائقية ووظائفها الأساسية
لم تظهر هذه الهيئات دفعة واحدة، بل تطورت عبر مراحل طويلة ارتبطت بتطور الكتابة والدولة والعلم. ويساعدنا فهم هذا المسار على إدراك سبب تعدد أنواع المؤسسات الوثائقية اليوم، وسبب اتساع وظائفها، وهو ما نعرضه في العنصرين الآتيين.
1. الجذور التاريخية لظهور المؤسسات الوثائقية عبر العصور
في البداية، ظهرت أقدم صور حفظ الوثائق في حضارات الشرق القديم، فقد عثر علماء الآثار على آلاف الألواح الطينية في موقع نينوى بالعراق ضمن ما يعرف بمكتبة الملك آشور بانيبال التي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وكانت تضم نصوصاً أدبية ودينية وعلمية وإدارية. وبالتوازي مع ذلك، حفظت القصور والمعابد في بلاد الرافدين ومصر القديمة سجلات الضرائب والعقود والأحكام.
ثم جاءت الحضارة الإغريقية والهلنستية، فبرزت مكتبة الإسكندرية في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد في عهد البطالمة، وسعت إلى جمع ما أمكن من المعارف المكتوبة في العالم المعروف آنذاك. وعلاوة على ما سبق، عرف الرومان أرشيفات رسمية لحفظ القوانين والسجلات، ومن الكلمة اليونانية arkheion التي تعني مقر الحكام والسجلات اشتقت كلمة Archives في اللغات الأوروبية.
ومع ظهور الحضارة الإسلامية، ازدهرت دور الكتب والخزائن ازدهاراً كبيراً، فعرفت بغداد بيت الحكمة في العصر العباسي بوصفه مركزاً للترجمة والنسخ والبحث، وأسست القاهرة دار العلم في العصر الفاطمي مطلع القرن الخامس الهجري، كما انتشرت المكتبات الملحقة بالمساجد والمدارس والمستشفيات في المشرق والمغرب والأندلس. وفي الوقت نفسه، كان ديوان الرسائل وديوان الخراج يؤديان وظائف إدارية وأرشيفية مهمة في الدولة.
وعلاوة على ما سبق، شهدت بلاد المغرب والأندلس نهضة مماثلة، فقد أسست فاطمة الفهرية جامع القرويين في مدينة فاس سنة 859 للميلاد، وارتبطت به مكتبة عريقة حفظت مخطوطات نفيسة، كما عرفت قرطبة في العصر الأموي خزائن كتب عظيمة اشتهرت بسعة مجموعاتها وعناية القائمين عليها. ومما يعزز أهمية هذا الإرث أن الوراقين والنساخ والفهرسين في تلك العصور مارسوا عمليات تشبه ما نسميه اليوم المعالجة الفنية، فكانوا يضعون فهارس ويصنفون الكتب حسب العلوم.
وأخيراً، أحدثت المطبعة في القرن الخامس عشر نقلة كبرى بتكثيف إنتاج الكتب، وظهرت بعد ذلك الأرشيفات الوطنية الحديثة، ومنها الأرشيف الوطني الفرنسي الذي تأسس في خضم الثورة الفرنسية، ثم توالى إنشاء المكتبات الوطنية والجامعية. وفي أواخر القرن التاسع عشر دشن أوتلي ولافونتين مشروع الببليوغرافيا العالمية، وهو ما مهد لظهور مراكز التوثيق المتخصصة في القرن العشرين.
وفي القرن العشرين تسارعت وتيرة التنظيم المهني، فتأسس الاتحاد الدولي لجمعيات المكتبات سنة 1927، وظهرت منظمة اليونسكو بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تأسس المجلس الدولي للأرشيف سنة 1948 برعاية اليونسكو. وفي المقابل، جاءت الحواسيب وقواعد البيانات في النصف الثاني من القرن نفسه لتغير أساليب الفهرسة والبحث، ثم أتاحت شبكة الإنترنت ظهور المكتبات الرقمية والأرشيفات الإلكترونية. وهكذا انتقلت المؤسسات الوثائقية من مرحلة الحفظ المادي المحض إلى مرحلة الجمع بين الحفظ المادي والإتاحة الإلكترونية.
ومن الجدير بالذكر أن التطور التاريخي لم يكن خطاً مستقيماً، فقد شهدت بعض الفترات ضياعاً كبيراً للوثائق بسبب الحروب والحرائق والإهمال والنهب، مما أدى إلى فقدان مجموعات كاملة من المخطوطات والسجلات. ومن هذه التجارب القاسية استخلص المهتمون درساً مهماً مفاده أن الحفظ ليس عملاً ثانوياً، بل مسؤولية مستمرة تتطلب تشريعات وميزانيات وتخطيطاً للطوارئ، وهو ما تقوم عليه المؤسسات الوثائقية الحديثة في سياساتها الوقائية.
2. الوظائف الأساسية للمؤسسات الوثائقية في حفظ وتسيير الذاكرة البشرية
تتمحور وظائف المؤسسات الوثائقية حول سلسلة من العمليات المتكاملة التي تبدأ بالاقتناء وتنتهي بالإتاحة، ويمكن عرضها بإيجاز كما يلي.
- الاقتناء والجمع - عن طريق الشراء أو الإهداء أو التبادل أو الإيداع القانوني أو التحويل من الإدارات.
- المعالجة الفنية - وتشمل الفهرسة والتصنيف والتكشيف وإعداد الأدوات التي تسهل الوصول للمعلومة.
- الحفظ والصيانة - بتهيئة مخازن مناسبة، ومعالجة التلف، وإنشاء نسخ احتياطية عند الحاجة.
- الإتاحة والخدمات - كالإعارة والمطالعة والإرشاد وخدمات المعلومات والبحث الببليوغرافي.
- التوعية والنشر - بتنظيم المعارض والأنشطة الثقافية وإصدار الأدلة والفهارس.
ومن جهة أخرى، تؤدي هذه المؤسسات وظيفة اجتماعية وحقوقية لا تقل أهمية، فهي تحفظ الأدلة التي تثبت الحقوق والملكيات والأنساب والقرارات، وتمنح المجتمع إمكانية المساءلة والمراجعة. وكذلك فإن لها وظيفة تربوية وثقافية تتمثل في دعم التعليم وتنمية عادة القراءة ونشر الوعي بالتراث.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن المؤسسات الوثائقية تسير الذاكرة البشرية تسييراً مهنياً، فلا تكتفي بتخزينها، بل تضمن بقاءها قابلة للفهم والاستعمال عبر الزمن. ويمكن الاطلاع على الإرشادات المهنية الدولية في هذا المجال عبر موقع الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (IFLA)، وكذلك عبر موقع المجلس الدولي للأرشيف (ICA).
ومن الجدير بالذكر أن هذه الوظائف تقوم على مبادئ مهنية مشتركة، أبرزها حرية الوصول إلى المعلومة، وحياد المؤسسة تجاه الآراء والتيارات، وحماية خصوصية المستفيدين، واحترام حقوق المؤلفين، وضمان بقاء المجموعات للأجيال المقبلة. وبناءً على هذه المبادئ تتحدد سياسات الاقتناء والإتاحة والإتلاف، ويتحدد سلوك العاملين تجاه المستفيدين، ولذلك تحرص الجمعيات المهنية على إصدار مواثيق أخلاقيات المهنة.
المبحث الثاني - أنواع المؤسسات الوثائقية وخصائصها
بعد أن اتضحت المفاهيم والوظائف، ننتقل إلى الجانب التطبيقي الذي يهم القارئ مباشرة، وهو التعرف على أنواع المؤسسات الوثائقية وما يميز كل نوع منها. وتتعدد معايير التصنيف، فقد تصنف حسب الجمهور المستفيد، أو حسب نوع الوثائق، أو حسب الجهة المنشئة، وسنعتمد هنا تقسيماً عملياً يضم المكتبات ثم مراكز الأرشيف والمراكز المتخصصة.
المطلب الأول - المكتبات بأنواعها المختلفة ودورها التوثيقي
تعد المكتبات أقدم الأشكال وأوسعها انتشاراً بين المؤسسات الوثائقية، وهي تختلف فيما بينها تبعاً للفئة التي تخدمها والمجموعات التي تقتنيها. وفي هذا السياق يمكن تقسيمها إلى أنواع رئيسية نعرضها في العنصرين التاليين.
وتجدر الإشارة إلى أن هناك معايير أخرى لتصنيف المؤسسات الوثائقية غير معيار الفئة المستفيدة، كمعيار الملكية الذي يميز بين الهيئات الحكومية والخاصة، ومعيار الحجم والانتشار الذي يميز بين الهيئات المركزية والفرعية، ومعيار الشكل الذي يفرق بين الهيئات التقليدية والرقمية. غير أن التقسيم المعتمد في هذا المقال هو الأكثر شيوعاً في المراجع التعليمية، لأنه يربط كل نوع بوظيفته الأساسية.
ومن جهة أخرى، فإن اختلاف أنواع المؤسسات الوثائقية لا ينفي وجود قواسم مشتركة بينها، فجميعها تعتمد على قواعد التنظيم، وتسعى إلى حماية مقتنياتها، وتحرص على خدمة المستفيد، وتعمل ضمن إطار قانوني ومهني محدد. وبذلك يمكن فهم كل نوع بوصفه تخصصاً داخل منظومة واحدة وليس كياناً منعزلاً عن غيره.
1. المكتبات العامة والمتخصصة
تقدم المكتبة العامة (Public Library) خدماتها لجميع أفراد المجتمع دون تمييز في السن أو المستوى التعليمي أو المهنة، وغالباً ما تموّلها الدولة أو الجماعات المحلية. وتضم مجموعات متنوعة تشمل الكتب العامة والروايات والمراجع وكتب الأطفال والصحف والدوريات، كما توفر قاعات للمطالعة وأنشطة ثقافية وبرامج لمحو الأمية المعلوماتية. وتخصص كثير من المكتبات العامة أقساماً للأطفال والناشئة، وأخرى للمراجع والدراسات المحلية، وتقدم خدمات الإرشاد القرائي والإنترنت المجاني، مما يجعلها مركزاً مجتمعياً مفتوحاً للجميع. وقد أصدرت اليونسكو والاتحاد الدولي للمكتبات بياناً خاصاً بالمكتبة العامة يؤكد دورها في التعليم والثقافة والمعلومات، ويمكن الاطلاع على أعمال المنظمة عبر موقع اليونسكو.
وبالإضافة إلى ذلك، ينص بيان المكتبة العامة الصادر عن اليونسكو والاتحاد الدولي للمكتبات على مبادئ أساسية، من أهمها أن الخدمة تقدم على أساس المساواة بين الجميع، وأن المجموعات لا تخضع لأي شكل من الرقابة الأيديولوجية أو السياسية أو الدينية، وأن المكتبة بوابة محلية إلى المعرفة تدعم التعلم مدى الحياة. ومن هذا المنطلق ينظر إلى المكتبة العامة بوصفها ركيزة من ركائز الديمقراطية الثقافية.
وفي المقابل، تخدم المكتبة المتخصصة (Special Library) فئة محددة من المستفيدين وتركز على مجال معرفي معين، كالطب أو القانون أو الهندسة أو الاقتصاد. وتوجد عادة داخل مؤسسات مثل الوزارات والمستشفيات وشركات الأعمال ومراكز البحث والنقابات. وتتميز هذه المكتبات بدقة مجموعاتها وسرعة تحديثها، وبتقديم خدمات معلومات مخصصة، مثل البث الانتقائي للمعلومات وإعداد الملخصات والدراسات.
وفي هذا السياق، تظهر قيمة المكتبة المتخصصة في أنها تختصر وقت المهني، فبدل أن يبحث الطبيب أو المحامي أو المهندس وسط كم هائل من المصادر، يجد في مكتبته المتخصصة مجموعة منتقاة ومنظمة تلائم عمله. كما تحرص هذه المكتبات على الاشتراك في قواعد البيانات المتخصصة وتتبع المستجدات في مجالها، وهو ما يجعلها أقرب إلى مراكز المعلومات منها إلى المكتبات التقليدية.
ومما يعزز أهمية هذين النوعين أنهما يغطيان حاجتين مختلفتين، فالأولى تضمن حق الجميع في المعرفة والثقافة، والثانية تدعم القرار المهني والبحث الدقيق. ومن الجدير بالذكر أن الحدود بين النوعين قد تتداخل في بعض الحالات، كأن تنشئ مكتبة عامة قسماً متخصصاً في تاريخ المدينة أو في الأعمال والمهن.
2. المكتبات الوطنية والجامعية والمدرسية
تمثل المكتبة الوطنية (National Library) الجهة المسؤولة عن حفظ الإنتاج الفكري للبلد بأكمله، ومن أبرز وظائفها تلقي نسخ من المطبوعات بموجب نظام الإيداع القانوني (Legal Deposit)، وإعداد الببليوغرافيا الوطنية، وإصدار الترقيم الدولي للكتب والدوريات في كثير من البلدان. وتعود فكرة الإيداع القانوني إلى أمر ملكي صدر في فرنسا سنة 1537 في عهد الملك فرانسوا الأول، وانتشر هذا النظام بعد ذلك في بلدان كثيرة.
وبالإضافة إلى ما سبق، تضطلع المكتبة الوطنية بوظائف أخرى مهمة، فهي تحفظ المخطوطات والكتب النادرة والخرائط والصور والتسجيلات ذات القيمة الوطنية، وتشرف على برامج الرقمنة والحفظ طويل الأمد، وتنسق في كثير من الدول عمل المكتبات الأخرى وتقدم لها التوجيه الفني. ولذلك تعد المكتبة الوطنية بمثابة القاطرة التي تقود بقية المكتبات في البلد نحو المعايير الموحدة.
وبالانتقال إلى التعليم، نجد المكتبة الجامعية (Academic Library) التي تخدم الطلبة والأساتذة والباحثين، وتدعم المناهج الدراسية ومشاريع البحث، وتوفر قواعد البيانات والدوريات العلمية والأطروحات الجامعية. وقد تحولت المكتبات الجامعية في السنوات الأخيرة إلى فضاءات للتعلم والعمل الجماعي، مع اعتمادها المتزايد على المصادر الإلكترونية والمستودعات الرقمية.
ومن الجدير بالذكر أن المكتبة الجامعية تؤدي دوراً بارزاً في التواصل العلمي، فهي تدير المستودعات المؤسسية (Institutional Repositories) التي تحفظ الإنتاج العلمي للجامعة، وتشجع حركة الإتاحة المفتوحة (Open Access)، وتقدم تدريباً للطلبة على مهارات البحث والتوثيق وتجنب الانتحال العلمي.
ومن جهة أخرى، تؤدي المكتبة المدرسية (School Library) دوراً تربوياً أساسياً، فهي تدعم العملية التعليمية وتنمي لدى التلميذ حب القراءة ومهارات البحث عن المعلومة. ويشرف عليها في الأحوال المثلى مختص يجمع بين الخبرة المكتبية والخبرة التربوية، وتضم مجموعات مناسبة لأعمار التلاميذ ومستوياتهم.
وفي ضوء ذلك، فإن المكتبة المدرسية تسهم في بناء شخصية المتعلم القارئ، لأنها تتيح له الاحتكاك المبكر بالكتاب وتعلمه كيفية البحث في المصادر واختيار المعلومة الصحيحة، وهي مهارات يحتاجها في دراسته وحياته المهنية لاحقاً.
ومن جهة أخرى، تواجه المكتبات المدرسية في بعض الأحيان قلة الموارد وغياب المختصين، ومع ذلك فإن تجارب كثيرة أثبتت أن وجود ركن للقراءة منظم ومتجدد، حتى لو كان صغيراً، يصنع فارقاً ملموساً في مستوى التلاميذ واهتمامهم بالمطالعة.
وبناءً على ما تقدم، يتبين أن المكتبات على اختلاف أنواعها تشكل شبكة متكاملة، تبدأ من المدرسة وتمر بالجامعة وتصل إلى المكتبة الوطنية التي تحفظ التراث الفكري للأمة. وتبقى المؤسسات الوثائقية في هذا الإطار نظاماً مترابطاً تتعاون أجزاؤه عبر الإعارة بين المكتبات والفهارس الموحدة.
المطلب الثاني - مراكز الأرشيف والمراكز المتخصصة وأهميتها
إذا كانت المكتبات تعنى أساساً بالمنشورات، فإن هناك فئة أخرى من الهيئات تتعامل مع نوع مختلف من المواد، هو الوثائق الناتجة عن النشاط اليومي للمؤسسات والأفراد، إضافة إلى المراكز المتخصصة في معالجة المعلومة. وهذا ما يتضح من خلال العنصرين التاليين.
1. مراكز الأرشيف ودورها في حفظ الوثائق التاريخية والإدارية
يقوم مركز الأرشيف (Archive Centre) بحفظ الوثائق التي أنتجتها هيئة أو شخص في أثناء ممارسة نشاطه، ثم تقرر لها قيمة دائمة تستدعي الحفظ الطويل. وتتميز الوثيقة الأرشيفية بأنها فريدة في الغالب، فهي ليست منشورة بنسخ متعددة كالكتاب، ولذلك فإن فقدانها لا يعوض.
وفي هذا الإطار، تعتمد المهنة نظرية الأعمار الثلاثة للوثيقة (Three Ages of Records)، وهي تقسم حياة الوثيقة إلى مراحل متتابعة كما يلي.
- العمر الأول - الأرشيف الجاري، وهو الوثائق التي تستعمل يومياً في الإدارة المنشئة لها.
- العمر الثاني - الأرشيف الوسيط، وهو الوثائق التي قل استعمالها لكنها ما زالت لازمة لأغراض قانونية أو إدارية.
- العمر الثالث - الأرشيف التاريخي، وهو الوثائق ذات القيمة الدائمة التي تحفظ للأجيال القادمة وتتاح للبحث.
وعلاوة على ذلك، يمكن تصنيف مراكز الأرشيف بحسب الجهة التابعة لها، فهناك الأرشيف الوطني الذي يحفظ وثائق الدولة ومؤسساتها، والأرشيف المحلي أو الولائي الخاص بالجماعات المحلية، والأرشيف المؤسساتي داخل الوزارات والمصانع والبنوك، والأرشيف الخاص بالعائلات والشخصيات. ويقدم المجلس الدولي للأرشيف معايير ومبادئ مهنية تستفيد منها هذه المراكز في عملها.
ومما يلفت الانتباه كذلك أن الأرشيف لا يقتصر على الورق، فهناك الأرشيف السمعي البصري الذي يضم التسجيلات الصوتية والأفلام والصور، والأرشيف الشفوي الذي يوثق شهادات الأفراد حول الأحداث والذاكرة المحلية، والأرشيف الإلكتروني الذي يحفظ الوثائق الرقمية وقواعد البيانات ورسائل البريد. وتتطلب كل فئة من هذه الفئات ظروف حفظ وأدوات معالجة خاصة بها.
ومما يلفت الانتباه أن الأرشيف لا يخدم المؤرخين وحدهم، بل يخدم القضاء والإدارة والمواطن أيضاً، فهو مرجع في إثبات الحقوق وتتبع مسار القرارات وإعداد الدراسات الاجتماعية والاقتصادية، كما أنه أساس لمبدأ الشفافية في الحكم الرشيد.
وفضلاً عن ذلك، يقوم عمل الأرشيف على عمليات دقيقة، منها التقييم (Appraisal) الذي يحدد الوثائق التي تستحق الحفظ الدائم وتلك التي يمكن إتلافها بعد انتهاء مدتها القانونية، وإعداد جداول الحفظ التي تضبط مدد الاحتفاظ بكل صنف من الوثائق، ثم الوصف الأرشيفي الذي ينتج أدوات البحث كالأدلة والفهارس والقوائم التفصيلية. وبذلك لا يكون الأرشيف مجرد مخزن للأوراق، بل منظومة معالجة تحافظ على سياق إنتاج الوثيقة وعلاقتها بغيرها.
2. مراكز المعلومات والتوثيق والجهات الرقابية والمتحفية
يختص مركز المعلومات والتوثيق (Information and Documentation Centre) بجمع المعلومات المتخصصة وتحليلها وتقديمها بصورة مكثفة تلائم احتياجات فئة معينة، كالباحثين في قطاع معين أو متخذي القرار في مؤسسة ما. ولا يكتفي المركز بحفظ الأوعية، بل يستخرج منها المعلومات ويعيد صياغتها في شكل ملخصات وكشافات ونشرات ودراسات رصدية.
وفي هذا الإطار، تعتمد مراكز التوثيق على أساليب عمل خاصة، منها خدمة الإحاطة الجارية (Current Awareness) التي تطلع المستفيد أولاً بأول على الجديد في مجاله، والبث الانتقائي للمعلومات (Selective Dissemination of Information) الذي يرسل لكل مستفيد ما يطابق اهتماماته، وإعداد المستخلصات والكشافات التي تختصر الوقت والجهد. ومن ثم فإن هذه المراكز تمثل حلقة وصل بين الإنتاج الفكري الضخم وحاجة المتخصص إلى معلومة دقيقة وسريعة.
وبالإضافة إلى ذلك، توجد هيئات رقابية وتنظيمية تعد جزءاً من المنظومة الوثائقية في كثير من الدول، وهي الجهات التي تضع القواعد المنظمة لحفظ الأرشيف والإيداع القانوني والتصنيف، وتراقب مدى التزام الإدارات بها، وتمنح التراخيص أو تصدر التعليمات المتعلقة بإتلاف الوثائق أو تحويلها. وفي كثير من البلدان تتولى هذا الدور هيئة وطنية للأرشيف أو مديرية خاصة داخل الوزارة المكلفة بالثقافة.
ومما يعزز أهمية هذا الدور التنظيمي أنه يوحد الممارسات بين المؤسسات المختلفة، فيمنع إتلاف الوثائق ذات القيمة بصورة عشوائية، ويضمن تطبيق المعايير في الفهرسة والحفظ، ويحمي حق المجتمع في الاطلاع على تراثه. ولذلك فإن وجود تشريع واضح وجهة مشرفة فاعلة يعد من شروط نجاح المنظومة الوثائقية بأكملها.
وفي سياق متصل، تشكل المتاحف (Museums) جزءاً من هذه المنظومة، لأنها تحفظ الأشياء المادية ذات القيمة التاريخية أو الفنية أو العلمية وتوثقها وتعرضها للجمهور. وتعتمد المتاحف على سجلات ووثائق دقيقة لكل قطعة تتضمن أصلها وتاريخ اقتنائها وحالتها، ولذلك فإن عملها يتكامل مع المكتبات والأرشيفات. ويمكن الاطلاع على المعايير المهنية للمتاحف عبر موقع المجلس الدولي للمتاحف (ICOM).
وفي هذا الصدد، تقوم المتاحف بعملية الجرد (Inventory) والتسجيل لكل قطعة، وتستخدم البطاقات الوصفية والصور والبيانات التقنية لتوثيقها، وتهتم بظروف العرض والتخزين لحماية القطع من الضوء والرطوبة والغبار. وهكذا يتضح أن حدود العمل الوثائقي تتجاوز النصوص المكتوبة لتشمل الأشياء المادية التي تحمل معلومات عن الماضي.
وأخيراً، يوضح الجدول التالي أبرز الفروق بين الأنواع الرئيسية، ليكون مرجعاً سريعاً لك عند المقارنة بينها.
وقبل الاطلاع على الجدول، يمكن الاعتماد على المعايير الآتية للتمييز بين أنواع هذه الهيئات.
- نوع المقتنيات - هل هي منشورات متعددة النسخ أم وثائق فريدة أم قطع مادية.
- الفئة المستفيدة - هل هي عامة أم متخصصة أم أكاديمية.
- الجهة المنشئة - هل تتبع الدولة أو الجامعة أو المدرسة أو مؤسسة اقتصادية.
- الوظيفة الغالبة - هل هي الإعارة والمطالعة أم الإثبات والحفظ أم التحليل أم العرض.
جدول مقارنة بين الأنواع الرئيسية للمؤسسات الوثائقية
| النوع | طبيعة المقتنيات | الفئة المستفيدة | الوظيفة الأبرز |
|---|---|---|---|
| المكتبة العامة | كتب ودوريات ومواد ثقافية متنوعة | جميع أفراد المجتمع | نشر الثقافة والمعرفة |
| المكتبة المتخصصة | مصادر في مجال معرفي محدد | مهنيون وباحثون في التخصص | دعم القرار والبحث الدقيق |
| المكتبة الوطنية | الإنتاج الفكري الوطني | الباحثون والمجتمع عامة | الإيداع القانوني وحفظ التراث الفكري |
| المكتبة الجامعية | مراجع علمية وأطروحات وقواعد بيانات | طلبة وأساتذة وباحثون | دعم التعليم العالي والبحث |
| المكتبة المدرسية | كتب تناسب أعمار التلاميذ والمناهج | تلاميذ ومعلمون | ترسيخ القراءة والتعلم الذاتي |
| مركز الأرشيف | وثائق فريدة ناتجة عن النشاط الإداري | الإدارة والمؤرخون والمواطنون | الإثبات وحفظ الذاكرة |
| مركز التوثيق | معلومات متخصصة محللة | فئة محددة من المهنيين | التحليل وتقديم المعلومة المركزة |
| المتحف | قطع مادية أثرية وفنية وعلمية | الجمهور والباحثون | العرض والتوثيق والتثقيف |
وعند قراءة الجدول يتبين أن لكل نوع هوية خاصة، لكن هذه الهويات لا تعني الانفصال، فكثيراً ما يحتاج الباحث الواحد إلى أن يرجع إلى الأرشيف للحصول على الوثيقة الأصلية، ثم إلى المكتبة الجامعية للاطلاع على الدراسات المتعلقة بها، ثم إلى مركز التوثيق لمعرفة آخر المستجدات، وربما إلى المتحف لمعاينة القطع المرتبطة بها. ولهذا تسعى المؤسسات الوثائقية إلى بناء شبكات تعاون وفهارس موحدة وأدوات بحث مشتركة تيسر على المستفيد رحلة البحث.
وفي المقابل، تواجه المؤسسات الوثائقية اليوم تحديات حقيقية لا يمكن إغفالها، منها محدودية الميزانيات في بعض البلدان، ونقص الكفاءات المتخصصة، والتقادم السريع للتقنيات، وضخامة الإنتاج المعلوماتي الذي يصعب استيعابه، وارتفاع توقعات المستفيدين الذين اعتادوا السرعة والإتاحة الفورية. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه التحديات تحمل في طياتها فرصاً للتطوير، متى توفرت الرؤية الواضحة والدعم المؤسسي والتكوين المستمر للعاملين.
وأخيراً، يستحسن للقارئ الذي يريد التعمق أن يتدرج في دراسة هذا الميدان، فيبدأ بفهم المفاهيم الأساسية، ثم يتعرف على مبادئ الفهرسة والتصنيف، وبعد ذلك ينتقل إلى دراسة إدارة الأرشيف ونظم المعلومات، ثم يطلع على المعايير الدولية والتجارب الناجحة في هذا المجال. وبهذا التدرج يكتسب تصوراً متكاملاً يمكنه من التعامل مع الهيئات الوثائقية بوعي، سواء كان طالباً أو باحثاً أو موظفاً أو مستفيداً عادياً من خدماتها.
وكذلك فإن المستفيد نفسه شريك في نجاح هذه المنظومة، فاحترامه لقواعد الاستعمال، وحرصه على سلامة الوثائق والمقتنيات، ومشاركته في التوعية بأهمية التراث المكتوب، كلها عوامل تدعم عمل هذه المؤسسات وتطيل عمر مجموعاتها. فالذاكرة الجماعية مسؤولية مشتركة بين من يحفظها ومن يستفيد منها.
خاتمة
يتبين من خلال هذا العرض أن المؤسسات الوثائقية ليست مجرد مبان تُخزن فيها الكتب والأوراق، بل هي منظومة معرفية وإدارية وثقافية متكاملة تؤدي أدواراً حيوية في حفظ الذاكرة ودعم التعليم والبحث وترسيخ الحقوق والشفافية. فقد رأينا أن الوثيقة في أصلها اللغوي تحمل معنى الثقة والإثبات، وأن المؤسسة تقوم على أسس منظمة، وأن اجتماع المفهومين يشكل هيئات تجمع المعلومة وتعالجها وتحفظها وتتيحها وفق قواعد علمية دقيقة.
وفي ضوء ما سبق، توصلنا إلى جملة من النتائج، أهمها أن هذه المؤسسات تطورت من الألواح الطينية وخزائن القصور إلى المكتبات الوطنية والأرشيفات الحديثة ومراكز التوثيق المتخصصة، وأن وظائفها تتدرج من الاقتناء إلى المعالجة فالحفظ فالإتاحة، وأن أنواعها تتباين تبعاً للمستفيد ونوع المقتنيات، لكنها تتكامل فيما بينها ولا تتنافس. كما تبين أن الخلط بين المكتبة والأرشيف ومركز التوثيق والمتحف يزول عند النظر إلى طبيعة المقتنيات والجمهور والوظيفة الأساسية لكل نوع.
وبناءً على ذلك، نوصي بتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذه الهيئات وبدورها في التنمية، وبالاستثمار في تكوين المختصين وتأهيلهم، وبدعم التعاون وتبادل الخبرات بين المكتبات ومراكز الأرشيف والتوثيق والمتاحف، وبتحديث التشريعات المنظمة للإيداع القانوني والأرشفة، وبالانفتاح على التقنيات الحديثة بما يضمن حفظ الرصيد الوثائقي وتيسير الوصول إليه. وبهذا تستمر المؤسسات الوثائقية في أداء رسالتها بوصفها حارساً أميناً للذاكرة الإنسانية وجسراً يربط بين أجيال الأمس واليوم والغد.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه