مقدمة
1. تمهيد عام حول دور المعرفة وتطورها في العصر الحديث
لم تعد المعرفة في عصرنا مجرد رصيد يتوارثه الناس بين الأجيال، بل أصبحت موردا استراتيجيا تقوم عليه الاقتصادات وتبنى به السياسات وتقاس به قدرة المجتمعات على المنافسة. ومنذ أن ظهرت المطبعة ثم الحاسوب ثم الشبكة العنكبوتية، تسارعت وتيرة إنتاج المعلومات تسارعا غير مسبوق، حتى أصبح الباحث اليوم يواجه مشكلة معاكسة لما واجهه أسلافه، فبدل ندرة المصادر صار يعاني من فرط وفرتها وصعوبة التمييز بين الجيد والرديء.
وفي هذا السياق، تجد المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي نفسها أمام مرحلة مختلفة تماما عن تلك التي نشأت فيها، فقد صممت تقاليدها المهنية لعالم تقل فيه الوثائق وتبطؤ فيه حركتها، بينما تعمل اليوم في بيئة تتدفق فيها المعلومات بصيغ متعددة وسرعات هائلة. ومن هنا تنبع الحاجة إلى مراجعة أدوارها وأساليبها بصورة جذرية.
2. طرح مشكلة البحث وأهمية المؤسسات الوثائقية في مواجهة الانفجار المعرفي
تتمحور مشكلة هذا المقال حول السؤال الآتي، كيف يمكن للمؤسسات الوثائقية أن تحافظ على وظائفها الأساسية في الجمع والتنظيم والحفظ والإتاحة، وهي تواجه سيلا متواصلا من الوثائق والبيانات الرقمية، وما التحديات التي تعترضها، وما الاستراتيجيات الكفيلة بمساعدتها على التكيف؟
أما أهمية الموضوع فتظهر في أن هذه الهيئات هي الجهة المؤهلة مهنيا لتحويل الركام المعلوماتي إلى معرفة منظمة قابلة للاستعمال. وبناء على ذلك فإن نجاح المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي ينعكس مباشرة على جودة التعليم والبحث العلمي وعلى قدرة المجتمع على صون ذاكرته وضمان شفافية إدارته.
3. تحديد أهداف المقال والمنهجية المتبعة في معالجة الموضوع
يسعى المقال إلى تحقيق أهداف متدرجة، فهو يوضح المفاهيم الأساسية للمؤسسات الوثائقية والانفجار المعرفي، ثم يرصد التحديات التقنية والبشرية والمالية والإدارية، وبعد ذلك يعرض رهانات التكيف والاستراتيجيات المستقبلية، وأخيرا يخرج بتوصيات عملية.
وقد اعتمدنا المنهج الوصفي التحليلي مع توظيف المقارنة والأمثلة الواقعية من تجارب دولية معروفة. كما حرصنا على أسلوب أكاديمي مبسط، وعلى استعمال المصطلحات العلمية بلغتها الأصلية بجانب ترجمتها العربية لتيسير الرجوع إلى المصادر المتخصصة.
المبحث الأول - ماهية المؤسسات الوثائقية والانفجار المعرفي ومفاهيمها الأساسية
قبل الدخول في التحديات والحلول، ينبغي أن نحدد أطراف المعادلة بدقة، أي الهيئات التي نتحدث عنها من جهة، والظاهرة التي تواجهها من جهة أخرى. ويتضح من خلال هذا المبحث أن المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي تمثل امتدادا لرسالة قديمة لكنها تعمل في ظروف جديدة كليا.
المطلب الأول - مفهوم المؤسسات الوثائقية وتطورها التاريخي والوظائف الأساسية لها
نبدأ بالتعريف ثم بالوظائف ثم بالمسار التاريخي، لأن فهم الجذور يساعد على إدراك سبب حساسية هذه الهيئات تجاه التغيرات المعاصرة.
1. تعريف المؤسسات الوثائقية لغة واصطلاحا
تعود كلمة الوثيقة في العربية إلى الجذر وثق، ومنه الوثيق بمعنى المحكم والمأمون، فالوثيقة هي ما يوثق به ويعتمد عليه في الإثبات. أما المؤسسة فمن الفعل أسس، وتدل على كيان منظم يقوم على قواعد ثابتة لأداء مهمة محددة. وبذلك تعني المؤسسات الوثائقية لغويا الهيئات المنظمة التي تعنى بما يوثق به من مصادر ومستندات.
وفي الاصطلاح، يقصد بها الهيئات التي تجمع الأوعية الحاملة للمعلومات على اختلاف أشكالها، من كتب ودوريات ووثائق إدارية وتسجيلات وملفات رقمية، ثم تعالجها وتحفظها وتتيحها للمستفيدين. وتضم هذه الفئة المكتبات بأنواعها ومراكز الأرشيف ومراكز المعلومات والتوثيق، إضافة إلى بعض الجهات المتحفية التي توثق مقتنياتها. وعلاوة على ما سبق، تعرف هذه المؤسسات بالإنجليزية بمصطلحات متعددة منها Documentation Institutions وInformation Institutions، حسب السياق المهني.
ومن المفيد في هذا الموضع أن نلاحظ أن الأدبيات المهنية باتت تستعمل أحيانا عبارة مؤسسات المعلومات بدل المؤسسات الوثائقية، للدلالة على اتساع الاهتمام من الوعاء المادي إلى المعلومة ذاتها أيا كان حاملها. ومع ذلك يبقى المصطلح الوثائقي حاضرا في الاستعمال العربي، لأنه يذكر بالبعد التوثيقي والإثباتي الذي يميز عمل هذه الهيئات، وهو بعد يزداد أهمية كلما ازدادت المعلومات المضللة، ولذلك تحتفظ المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي بدور المرجع الموثوق وسط الضجيج الرقمي.
2. الأهداف والوظائف التقليدية والحديثة للمؤسسات الوثائقية
تتلخص الوظائف التقليدية في سلسلة معروفة تبدأ بالاقتناء ثم الفهرسة والتصنيف ثم الحفظ ثم الإعارة والإتاحة. وكانت جودة العمل تقاس بحجم الرصيد ودقة الفهارس وسلامة المخازن وسرعة تلبية الطلبات داخل جدران المبنى.
وفي المقابل، أضافت البيئة المعاصرة وظائف جديدة لم تكن مألوفة، ويمكن إبراز أهمها فيما يلي.
- إدارة المحتوى الرقمي (Digital Content Management) بمختلف صيغه ومصادره.
- الحفظ الرقمي طويل الأمد (Digital Preservation) وضمان بقاء الملفات قابلة للفتح والفهم.
- إدارة البيانات الوصفية (Metadata) وربطها بمعايير قابلة للتبادل بين المؤسسات.
- التثقيف المعلوماتي (Information Literacy) وتدريب المستفيدين على تقييم المصادر.
- دعم البحث العلمي بإدارة بيانات الأبحاث والمستودعات المؤسسية.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الوظائف الجديدة لم تلغ القديمة، بل أضيفت إليها، مما رفع مستوى المسؤولية الملقاة على عاتق العاملين والإدارات.
وعلاوة على ذلك، ترتبط هذه الوظائف بنظم قانونية تحدد مسؤولية كل جهة، كنظام الإيداع القانوني الذي يلزم الناشرين بتسليم نسخ من منشوراتهم للمكتبة الوطنية، ونظم الأرشيف التي تلزم الإدارات بتحويل وثائقها ذات القيمة الدائمة إلى الأرشيف الوطني. وتمنح هذه التشريعات المؤسسات شرعية العمل وتضمن تدفق المواد إليها بصورة منتظمة، وهو أمر تتأكد حاجته اليوم مع ظهور الوثائق الرقمية التي لا تشملها بعض النصوص القديمة.
3. تطور دور المؤسسات الوثائقية عبر العصور
في البداية ارتبط حفظ الوثائق بالقصور والمعابد، فكانت الألواح الطينية والبرديات سجلات للإدارة والعبادة والمعارف. ثم جاءت المكتبات الكبرى في العصور القديمة والإسلامية، كمكتبة الإسكندرية وبيت الحكمة في بغداد، فتحول الحفظ إلى مشروع معرفي ينسخ ويترجم ويفهرس.
وبعد ذلك، أحدثت المطبعة في القرن الخامس عشر نقلة كبيرة بزيادة عدد النسخ وتوسيع القراء، ثم ظهرت الأرشيفات الوطنية والمكتبات الوطنية والجامعية في العصر الحديث مع نشوء الدولة الحديثة. وفي القرن العشرين برزت مراكز التوثيق المتخصصة، وتبلورت مهنة التوثيق بفضل رواد مثل بول أوتلي (Paul Otlet)، ثم أدخلت الحواسيب في الفهرسة والبحث. وأخيرا فرضت الشبكة العالمية نمطا جديدا يقوم على الإتاحة الفورية، وهو الأساس الذي تنطلق منه تحديات اليوم.
المطلب الثاني - ظاهرة الانفجار المعرفي وأسبابها وخصائصها في العصر الحديث
بعد أن عرفنا الطرف الأول، ننتقل إلى الظاهرة التي أعادت تشكيل بيئة عمله، فنعرض مفهومها وأسبابها وسماتها.
1. مفهوم الانفجار المعرفي والتدفق المعلوماتي الضخم
يشير مصطلح الانفجار المعرفي (Knowledge Explosion) أو الانفجار المعلوماتي (Information Explosion) إلى النمو السريع والمتسارع في حجم المعارف والمعلومات المنتجة والمنشورة. وقد رصد ديريك دي سولا برايس (Derek de Solla Price) في كتابه العلم الصغير والعلم الكبير الصادر عام 1963 نمواً أسياً في حجم الإنتاج العلمي، وهو من أوائل الأعمال التي درست هذه الظاهرة دراسة كمية.
وتجدر الإشارة إلى أن القلق من كثرة المعلومات سبق عصر الحواسيب، فقد كتب فانيفار بوش (Vannevar Bush) عام 1945 مقاله الشهير كما قد نفكر، وتخيل فيه جهازا يساعد الباحث على تتبع الكم المتزايد من المعارف. ومن ثم فإن الجديد اليوم ليس وجود الظاهرة بل حجمها وسرعتها، إذ تضاف إلى الإنتاج العلمي مليارات الصفحات الإلكترونية ومنشورات المنصات الاجتماعية والبيانات الضخمة (Big Data) التي تولدها الأجهزة والحسابات.
وقد أصبحت عبارة فرط المعلومات (Information Overload) شائعة في الأدبيات بعد أن روج لها ألفين توفلر (Alvin Toffler) في كتابه صدمة المستقبل عام 1970، وهي تصف حالة العجز عن معالجة المعلومات حين يتجاوز حجمها قدرة الفرد على الاستيعاب. وعلى الرغم من مرور عقود على ذلك، فإن المشكلة تفاقمت ولم تخف، لأن أدوات النشر الرخيصة جعلت كل شخص مصدرا محتملا للمعلومة، فتراجعت الحواجز التحريرية التقليدية التي كانت تصفي المحتوى قبل وصوله إلى القارئ.
2. العوامل والدوافع المؤدية إلى الانفجار المعرفي
تتضافر عوامل عدة في صناعة هذه الظاهرة، يمكن ترتيبها على النحو الآتي.
- التطور التقني - بظهور الحواسيب والهواتف الذكية والشبكات عالية السرعة التي جعلت إنتاج المحتوى ونشره سهلا ورخيصا.
- اتساع التعليم والبحث العلمي - فازداد عدد الباحثين والجامعات والدوريات والمؤتمرات في العالم.
- العولمة وتبادل المعارف - إذ أصبحت المعلومة تنتقل بين الدول في لحظات.
- الإتاحة المفتوحة (Open Access) - التي شجعت على نشر النتائج العلمية مجانا على نطاق واسع.
- تحول المستخدم إلى منتج - عبر المدونات والشبكات الاجتماعية ومنصات الفيديو.
وبناء على ذلك، يتبين أن الانفجار المعرفي نتيجة طبيعية لتفاعل التقنية مع التعليم والاقتصاد والثقافة، وليس ظاهرة عابرة يمكن تجاهلها أو انتظار زوالها.
3. خصائص وسمات بيئة المعلومات المعاصرة
تتسم بيئة المعلومات الحالية بجملة من الخصائص التي تجعلها مختلفة عن سابقتها، أولها الحجم الهائل الذي يتجاوز قدرة الفرد على المتابعة، وثانيها السرعة الشديدة في الإنتاج والتقادم، فكثير من المعلومات تفقد قيمتها في وقت قصير. وثالثها التنوع في الصيغ، فهناك النصوص والصور والمقاطع الصوتية والمرئية وقواعد البيانات والتطبيقات.
ومن جهة أخرى، تتميز هذه البيئة بتفاوت الجودة وانتشار المعلومات المضللة، مما يجعل عملية التحقق والتوثيق أصعب وأهم. وكذلك فإن عدم استقرار الروابط والمواقع ظاهرة معروفة تسمى تعفن الروابط (Link Rot)، إذ تختفي صفحات كثيرة أو تتغير عناوينها فيضيع المصدر المعتمد عليه. وهذه السمات مجتمعة هي ما يجعل المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على الموثوقية.
وخلاصة هذا المبحث أن الفهم الدقيق للمصطلحات يساعد على تحديد المطلوب من هذه الهيئات، فالمؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي لم تعد تقاس بحجم الأرصدة الورقية، بل بقدرتها على التحكم في تدفق المعلومات وتوثيقها والتحقق منها وإتاحتها بصيغ متعددة. وهذا المعيار الجديد يفرض عليها أن تعيد النظر في مواردها وهياكلها وعلاقاتها مع المستفيدين والشركاء.
المبحث الثاني - التحديات التي تواجه المؤسسات الوثائقية في ظل الانفجار المعرفي
بعد أن اتضحت الصورة العامة، نتناول في هذا المبحث العقبات الفعلية التي تعترض عمل هذه الهيئات. ويمكن تقسيمها إلى تحديات تقنية وأخرى بشرية ومالية وإدارية، وهي متداخلة تؤثر كل منها في الأخرى، وتشكل مجتمعة اختبارا صعبا أمام المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي.
المطلب الأول - التحديات التقنية والتكنولوجية والبنية التحتية للمؤسسات الوثائقية
تعتمد الخدمات الحديثة على أنظمة وشبكات وأجهزة، وأي خلل في هذه المنظومة ينعكس على المستفيد مباشرة. وفيما يلي أبرز الجوانب التقنية.
1. مشكلة التقادم التقني وصيانة الأنظمة الرقمية
تتقادم التقنيات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على التحديث، فالأقراص المرنة التي كانت وسيلة تخزين شائعة صارت اليوم شبه معدومة القارئات، وتوقفت دعم بعض البرمجيات والصيغ مثل تقنية فلاش (Flash) التي أنهت شركة أدوبي دعمها في نهاية عام 2020. وهذا يعني أن ملفات كثيرة قد تصبح غير قابلة للاستعمال إذا لم تنقل إلى صيغ أحدث.
وفي هذا الإطار، يفرق المختصون بين تقادم الوسائط وتقادم الصيغ وتقادم البرمجيات، ويعالجونها بالترحيل (Migration) والمحاكاة (Emulation) والتحقق الدوري من سلامة الملفات. كذلك فإن نظام المعلومات الأرشيفي المفتوح (OAIS) المعتمد في معيار آيزو 14721 يقدم إطارا مرجعيا لتنظيم الحفظ الرقمي طويل المدى، ويمكن متابعة الإرشادات العملية عبر ائتلاف الحفظ الرقمي (Digital Preservation Coalition).
وبالإضافة إلى ذلك، تتطلب الوثائق الرقمية متابعة دقيقة لسلامتها، فالملف قد يتلف بصمت بسبب أخطاء التخزين دون أن يلاحظ أحد، وهو ما يسمى فساد البيانات الصامت (Bit Rot). وللكشف عن ذلك تستعمل المؤسسات قيم التحقق (Checksums) التي تحسب لكل ملف عند إدخاله، ثم تقارن دوريا بالقيمة الحالية، فإذا اختلفت القيمتان دل ذلك على تغير في الملف يستدعي الاستعادة من نسخة سليمة.
2. تحديات أمن المعلومات وحماية الوثائق الرقمية من الاختراق
كلما زاد الاعتماد على الأنظمة الرقمية زادت جاذبية هذه الهيئات للمهاجمين، ومن الأمثلة المعروفة الهجوم السيبراني الذي تعرضت له المكتبة البريطانية في أكتوبر 2023 وتسبب في تعطل عدد كبير من خدماتها الإلكترونية لأشهر. وقد بين هذا الحادث أن المؤسسات الثقافية ليست بمنأى عن برمجيات الفدية (Ransomware) وغيرها من الأخطار.
ومن جهة أخرى، لا يقتصر الخطر على الاختراق الخارجي، بل يشمل الأخطاء البشرية والتلاعب الداخلي وفقدان النسخ الاحتياطية. وللحد من ذلك تعتمد المؤسسات جملة إجراءات يمكن إجمالها كما يلي.
- تطبيق سياسة صلاحيات واضحة تمنح كل موظف ما يلزمه فقط من الوصول.
- الاحتفاظ بنسخ احتياطية متعددة في مواقع مختلفة واختبار استعادتها دوريا.
- تشفير البيانات الحساسة وتحديث الأنظمة وسد الثغرات فور اكتشافها.
- تدريب العاملين على التعرف على رسائل التصيد الاحتيالي (Phishing).
- إعداد خطة استجابة للحوادث وخطة استمرارية للأعمال.
وتتجلى خطورة تعفن الروابط في أن المصادر الإلكترونية التي يستشهد بها الباحثون قد تختفي بعد سنوات، ولذلك ظهرت مبادرات لأرشفة الويب، من أشهرها مشروع أرشيف الإنترنت (Internet Archive) الذي بدأ عام 1996 ويتيح خدمة آلة الرجوع (Wayback Machine) التي تحفظ لقطات من صفحات الويب عبر الزمن، ويمكن الاطلاع عليه عبر موقع Internet Archive. ويدل هذا المثال على أن المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي مدعوة إلى توسيع مفهوم الحفظ ليشمل المحتوى الرقمي المتداول على الشبكة وليس المقتنيات المادية فقط.
3. ضعف البنية التحتية التكنولوجية في بعض المؤسسات
تعاني مؤسسات كثيرة، خاصة في البلدان النامية، من نقص الأجهزة الحديثة وضعف الاتصال بالإنترنت وانقطاع الكهرباء وغياب الخوادم الموثوقة. وقد تعمل بعض المكتبات ببرمجيات قديمة لا تدعم المعايير الحديثة للفهرسة، فتبقى مجموعاتها غير ظاهرة في محركات البحث والفهارس الموحدة.
وعلاوة على ذلك، يؤدي غياب التخطيط إلى مشاريع رقمنة متفرقة تنتج ملفات بصيغ ومواصفات مختلفة يصعب دمجها لاحقا. ولهذا فإن بناء بنية تحتية سليمة يتطلب رؤية شاملة تحدد المعايير والأجهزة والمسؤوليات قبل الشروع في التنفيذ، وإلا ضاع الجهد والمال.
المطلب الثاني - التحديات البشرية والمالية والإدارية في مواجهة طوفان المعلومات
لا تقل العوامل البشرية والتنظيمية أهمية عن التقنية، فالأدوات المتطورة تبقى عاجزة دون كفاءات تحسن استعمالها وإدارة تدعمها وموارد تمولها.
ويرتبط بهذه التحديات جانب آخر هو العلاقة مع المستفيدين، فالأجيال الجديدة تتوقع خدمات تفاعلية سريعة، وتفضل الحصول على المعلومة عبر الهاتف دون تعقيدات. وهذا يعني أن نجاح المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي يقاس كذلك بمدى قدرتها على فهم احتياجات جمهورها وتصميم الخدمات حول تجربته الفعلية.
1. نقص الكوادر البشرية المؤهلة والمدربة على إدارة المعرفة الحديثة
يحتاج العمل في البيئة الرقمية إلى مزيج من المهارات المهنية والتقنية، كالإلمام بالمعايير الوصفية وقواعد البيانات وأمن المعلومات وتحليل البيانات. وفي كثير من المؤسسات لا تزال برامج التكوين الجامعي والتدريب المستمر دون الحاجة المطلوبة، فتجد العاملين أمام أدوات جديدة لم يتدربوا عليها.
وفي المقابل، تظهر مقاومة التغيير بوصفها عائقا نفسيا وتنظيميا، إذ يخشى بعض العاملين من فقدان مكانتهم أو من صعوبة التعلم. ومما يعزز هذه المشكلة أن المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي تحتاج إلى أدوار جديدة كأمين البيانات (Data Steward) وأخصائي الحفظ الرقمي وأمين المحتوى الرقمي، وهي وظائف لم تدرج بعد في هياكل كثير من الإدارات.
كما أن العمل الرقمي يتطلب مهارات جديدة في التواصل مع المستفيدين عبر الوسائط الحديثة، فالمستفيد الذي اعتاد التعامل مع محركات البحث الكبرى ينتظر من المؤسسة واجهات سهلة وسريعة ومتوافقة مع الهاتف المحمول. وعندما لا تتوفر هذه المهارات تضعف صورة المؤسسة لدى جمهورها، فينصرف إلى مصادر أخرى قد تكون أقل موثوقية، وهو ما يخسر المجتمع قيمة الرصيد الذي بنته المؤسسة على مدى عقود.
2. القيود المالية ومحدودية الميزانيات المخصصة للتطوير
تعتمد أغلب هذه المؤسسات على تمويل عمومي محدود يخصص في معظمه للرواتب والتشغيل، فلا يبقى إلا القليل للتجديد التقني والاشتراكات في قواعد البيانات العلمية التي ترتفع أسعارها عاما بعد عام. كما أن الحفظ الرقمي نفسه يمثل التزاما ماليا مستمرا، فهو يتطلب تكاليف دورية للتخزين والصيانة والترحيل، وليس نفقة تدفع مرة واحدة.
وللتخفيف من هذه القيود تلجأ المؤسسات إلى حلول متعددة، منها الاتحادات الشرائية (Consortia) للاشتراكات، والبرمجيات مفتوحة المصدر، والشراكات مع الجامعات والقطاع الخاص، والتمويل بالمشاريع من هيئات دولية. ومع ذلك يبقى إقناع صانع القرار بأن الاستثمار في الذاكرة المعلوماتية استثمار في التنمية هو التحدي الأكبر.
وفي ضوء ذلك، تبرز أهمية الاختيار المنهجي لما يحفظ، فلا يمكن للمؤسسة أن تحتفظ بكل ما ينتج، ولذلك تستعين بمعايير تقييم معلنة تنظر فيها إلى القيمة الإثباتية والتاريخية للوثيقة، وإلى فرادتها وندرتها، وإلى أصالتها وسلامتها، وإلى الالتزامات القانونية المرتبطة بها، وإلى كلفة حفظها مقارنة بنفعها. ويتيح هذا التقييم تخفيف الضغط على المخازن والأنظمة، ويضمن بقاء ما يستحق البقاء.
3. صعوبة تسيير الكم الهائل من الوثائق وتخزينها واسترجاعها بفاعلية
يؤدي تضخم الإنتاج إلى مشكلتين متلازمتين، الأولى مشكلة الانتقاء، إذ لا يمكن حفظ كل شيء، فيجب تحديد ما يستحق الحفظ بمعايير واضحة. والثانية مشكلة الاسترجاع، إذ يؤدي كثرة النتائج إلى ضعف الدقة (Precision) أو ضعف الشمول (Recall) في البحث، فيجد المستفيد نفسه أمام آلاف النتائج غير الملائمة.
وبالإضافة إلى ذلك، تتطلب الوثائق الإلكترونية الناشئة رقميا، كالبريد الإلكتروني وقواعد البيانات والمواقع، سياسات تقييم خاصة، لأنها تتغير باستمرار وتفتقر أحيانا إلى بنية واضحة. ويلخص الجدول التالي أبرز هذه التحديات وآثارها وسبل مواجهتها.
جدول يلخص أبرز التحديات وآثارها وسبل مواجهتها
| التحدي | أثره على المؤسسة | سبيل المعالجة |
|---|---|---|
| التقادم التقني | فقدان القدرة على فتح الملفات القديمة | الترحيل والمحاكاة واعتماد صيغ مفتوحة |
| الأمن السيبراني | تعطل الخدمات أو فقدان البيانات | الصلاحيات والتشفير والنسخ الاحتياطية |
| ضعف البنية التحتية | بطء الخدمات وعدم ظهور المجموعات | تخطيط شامل ومعايير موحدة وتمويل مستدام |
| نقص الكفاءات | سوء استعمال الأدوات وبطء التطوير | التكوين المستمر واستحداث وظائف جديدة |
| القيود المالية | تأخر التحديث وانقطاع الاشتراكات | الاتحادات الشرائية والشراكات والتمويل بالمشاريع |
| تضخم الإنتاج | صعوبة الانتقاء وضعف الاسترجاع | سياسات تقييم وفهرسة آلية ومحركات بحث ذكية |
وبناء على ما تقدم في هذا المبحث، يتضح أن التحديات ليست معزولة عن بعضها، فضعف التمويل يقود إلى ضعف البنية التقنية، وضعف البنية يعطل التدريب، ونقص الكفاءات يرفع مخاطر الأمن، وهكذا تتشكل حلقة مغلقة يصعب كسرها دون تدخل منسق. ولذلك فإن مواجهة هذه الإشكالات من جانب المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي تقتضي مقاربة شمولية تعالج الأسباب الجذرية بدل الاكتفاء بمعالجة الأعراض.
المبحث الثالث - رهانات التكيف والاستراتيجيات المستقبلية للمؤسسات الوثائقية
إذا كانت التحديات واضحة، فإن الحلول ممكنة كذلك لمن يخطط ويستثمر ويتعاون. ويعرض هذا المبحث أهم الرهانات التي تتوقف عليها قدرة المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي على التكيف، من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى إدارة المعرفة والتعاون وتنمية الموارد البشرية.
المطلب الأول - التحول الرقمي واستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي
تمثل التقنية سلاحا ذا حدين، فهي سبب كثير من المشكلات وفي الوقت نفسه مفتاح معظم الحلول. وهذا ما توضحه العناصر الآتية.
ويمكن القول إن رهانات التكيف تدور حول ثلاثة محاور مترابطة هي التقنية والتنظيم والإنسان، ولا يغني محور عن آخر. فالتقنية دون تنظيم تنتج فوضى رقمية، والتنظيم دون تقنية يبقى عاجزا أمام الحجم، والاثنان دون إنسان مؤهل يتحولان إلى هياكل جامدة. وسنتناول هذه المحاور تباعا بدءا بأكثرها وضوحا للمتابع، وهو التحول الرقمي.
1. دور التحول الرقمي والأرشفة الإلكترونية في تعزيز الاستجابة
يعني التحول الرقمي إعادة تنظيم العمل والخدمات حول المعلومة الرقمية، وليس مجرد مسح الوثائق ضوئيا. فالأرشفة الإلكترونية تتيح البحث النصي الكامل والإتاحة عن بعد والتزامن بين المستفيدين، كما تسهل إدارة دورة حياة الوثيقة من الإنشاء إلى الإتلاف أو الحفظ الدائم وفق جداول زمنية واضحة.
ومن الجدير بالذكر أن نجاح هذا التحول يتطلب الالتزام بالمعايير، ومنها المعيار آيزو 15489 لإدارة السجلات، وصيغة الملفات الخاصة بالحفظ (PDF/A)، والقواعد الدولية للرقمنة. وقد أصدرت اليونسكو ميثاق حفظ التراث الرقمي عام 2003 الذي دعا الدول إلى صون هذا التراث، ويمكن الاطلاع على أعمالها عبر موقع منظمة اليونسكو. وهكذا تصبح المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي أكثر استجابة لحاجات المستفيدين حين تبنى خدماتها على أسس رقمية متينة.
ومن النتائج الملموسة لهذا التحول أن المستفيد لم يعد مضطرا للتنقل إلى المبنى أو انتظار ساعات العمل، فهو يصل إلى الفهرس والنصوص الكاملة في أي وقت، وتستطيع المؤسسة بدورها أن تحلل سلوك الاستعمال لتعرف المجموعات الأكثر طلبا والمشكلات المتكررة في البحث. ويعزز ذلك قدرة المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي على تحسين خدماتها استنادا إلى بيانات فعلية وليس إلى التقدير الشخصي وحده.
2. توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تنظيم واسترجاع المعلومات
يتيح الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) إمكانيات واعدة في معالجة الكميات الضخمة من الوثائق، ومن أبرز تطبيقاته التعرف الضوئي على الحروف (OCR) الذي يحول صور الصفحات المطبوعة إلى نصوص قابلة للبحث، والتعرف على النصوص المكتوبة بخط اليد (HTR) الذي تعمل عليه منصات مثل منصة Transkribus لقراءة المخطوطات والوثائق التاريخية.
كما تساعد تقنيات معالجة اللغات الطبيعية (Natural Language Processing) في استخراج الأسماء والأماكن والمواضيع وتصنيف الوثائق آليا واقتراح الكلمات المفتاحية، وتدعم محركات البحث الدلالي (Semantic Search) فهم قصد المستفيد وليس مجرد مطابقة الكلمات. ويوضح الجدول التالي أبرز هذه التقنيات واستعمالاتها وحدودها.
جدول مقارنة بين أبرز تقنيات الذكاء الاصطناعي المستعملة في المؤسسات الوثائقية
| التقنية | الاستعمال الرئيسي | أبرز حدودها |
|---|---|---|
| التعرف الضوئي على الحروف (OCR) | تحويل الصفحات المطبوعة إلى نص قابل للبحث | تتأثر دقته بجودة الصورة وبنوع الخط واللغة |
| التعرف على الخط اليدوي (HTR) | قراءة المخطوطات والوثائق التاريخية | يحتاج إلى تدريب على كل خط ومراجعة بشرية |
| معالجة اللغات الطبيعية (NLP) | التصنيف الآلي واستخراج الأسماء والمواضيع | أقل دقة مع اللهجات والنصوص المتخصصة |
| البحث الدلالي (Semantic Search) | تحسين فهم قصد المستفيد وترتيب النتائج | يعتمد على جودة البيانات الوصفية والنماذج |
وفي المقابل، ينبغي الحذر من الاعتماد الأعمى على هذه الأدوات، فالنماذج التوليدية قد تنتج معلومات خاطئة تبدو مقنعة، والخوارزميات قد تحمل انحيازات من بيانات تدريبها. وقد اعتمدت اليونسكو عام 2021 توصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وهي مرجع مفيد للمؤسسات التي تريد توظيف هذه التقنيات بمسؤولية.
3. بناء المستودعات الرقمية والمنصات الذكية المفتوحة
المستودع الرقمي (Digital Repository) هو نظام يجمع الأوعية الرقمية ويحفظها ويتيحها بمعرفات دائمة وبيانات وصفية منظمة. وقد انتشرت المستودعات المؤسسية في الجامعات ومراكز البحث لحفظ الأطروحات والمقالات والبيانات، تعززها حركة الإتاحة المفتوحة التي تبلورت في مبادرة بودابست عام 2002 وإعلان برلين عام 2003.
ومما يعزز هذا التوجه مبادئ البيانات القابلة للعثور والوصول والتشغيل البيني وإعادة الاستعمال المعروفة اختصارا بمبادئ FAIR التي نشرت عام 2016، ويمكن الاطلاع على شرحها عبر موقع مبادرة GO FAIR. كذلك فإن منصات التراث الثقافي الرقمي، مثل منصة Europeana الأوروبية، تقدم نموذجا لتجميع مقتنيات مؤسسات متعددة في بوابة واحدة، وهو نموذج يمكن الاستفادة منه عربيا. ومن ثم فإن بناء منصات مفتوحة ومترابطة يعد أحد الرهانات الجوهرية للمؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي.
ومن جهة أخرى، لا بد من مراعاة الجوانب القانونية والأخلاقية عند بناء هذه المنصات، فحقوق المؤلف تقيد نشر كثير من المصنفات الحديثة، والبيانات الشخصية الواردة في بعض الوثائق تتطلب حماية خاصة، وهناك نقاش مستمر حول التوازن بين الحق في المعرفة والحق في الخصوصية. وتقتضي هذه الاعتبارات أن تضع المؤسسة سياسات واضحة للإتاحة تحدد ما ينشر مباشرة وما يقيد وما يحجب، مع تحديد مدد زمنية وشروط للاطلاع.
المطلب الثاني - تطوير استراتيجيات إدارة المعرفة والتعاون الشبكي بين المؤسسات
لا تكفي التقنية وحدها، فلا بد من رؤية تنظيمية تحدد كيفية إدارة المعرفة وتنسق الجهود بين الهيئات وتنمي الإنسان الذي يشغل الأنظمة.
وبالانتقال من الجانب التقني إلى الجانب التنظيمي، يبرز سؤال الحوكمة، أي من يقرر وكيف ولماذا. فالمؤسسة التي تفتقر إلى سياسات مكتوبة وصلاحيات محددة تقع بسهولة في الارتجال، وتتأثر قراراتها بتغير الأشخاص والظروف. أما المؤسسة التي تعتمد حوكمة واضحة، فتستطيع تحديد أولوياتها وتبرير ميزانياتها وقياس إنجازاتها بصورة موضوعية.
1. اعتماد استراتيجيات فعالة لإدارة المعرفة وضمان الجودة
تعرف إدارة المعرفة (Knowledge Management) بأنها العمليات التي تحدد المعرفة داخل المنظمة وتنشئها وتخزنها وتتقاسمها وتستثمرها. وقد ميز نوناكا وتاكيوتشي (Nonaka and Takeuchi) في كتابهما الصادر عام 1995 بين المعرفة الضمنية الكامنة في عقول الأفراد والمعرفة الصريحة الموثقة، وبينا أن المنظمات الناجحة تحول إحداهما إلى الأخرى باستمرار. وهذه الفكرة مهمة للمؤسسات الوثائقية لأنها تحفظ الصريح وتحتاج إلى استخلاص الضمني من خبرة العاملين قبل تقاعدهم.
ولضمان الجودة، يمكن للمؤسسة أن تعتمد الخطوات الآتية.
- وضع سياسة معلنة للاقتناء والتقييم والإتلاف والحفظ.
- تبني معايير دولية مثل آيزو 9001 لإدارة الجودة وآيزو 30401 لنظم إدارة المعرفة.
- قياس الأداء بمؤشرات واضحة كزمن الاستجابة ونسبة رضا المستفيدين وعدد الوثائق المتاحة رقميا.
- مراجعة السياسات دوريا في ضوء التجارب والتغيرات التقنية.
- تدوين الدروس المستفادة وتوثيق الإجراءات حتى لا تتعلق بأشخاص بعينهم.
2. تعزيز الشراكات والشبكات التعاونية بين المؤسسات الوثائقية المختلفة
لا تستطيع مؤسسة واحدة أن تواجه الانفجار المعرفي منفردة، ولذلك يتجه المجال نحو التعاون في الفهرسة التشاركية والفهارس الموحدة والإعارة بين المكتبات والمستودعات المشتركة. ويعد فهرس ورلدكات (WorldCat) الذي تديره منظمة أوكلك (OCLC) مثالا معروفا على شبكة تجمع سجلات آلاف المكتبات، ويمكن الاطلاع عليه عبر موقع WorldCat.
وفي هذا الإطار، يمكن للمؤسسات أن تتقاسم تكاليف الاشتراكات والتخزين السحابي والخبرات، وأن تعتمد معايير مشتركة للبيانات الوصفية كي تسهل تبادل المعلومات. وعلاوة على ذلك، يمكن إقامة شراكات مع الجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني لتنفيذ مشاريع رقمنة جماعية وتوثيق الذاكرة المحلية. وبذلك تتحول المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي من جزر منعزلة إلى شبكة متكاملة تتقاسم الأعباء والمنافع.
ومن النماذج العملية للتعاون في الحفظ مشروع لوكس (LOCKSS) الذي أطلقته جامعة ستانفورد في أواخر التسعينيات، وتقوم فكرته على أن تحتفظ عدة مكتبات بنسخ من المحتوى نفسه وتتحقق دوريا من سلامتها بالمقارنة بين النسخ، فإذا تلفت إحداها أصلحت من النسخ السليمة. ويبين هذا النموذج أن توزيع المسؤولية بين عدة جهات يزيد المتانة ويخفض الكلفة، وأن الحفظ الجماعي قد يكون أكثر أمانا من الاعتماد على موقع واحد.
3. تأهيل وتدريب العنصر البشري بشكل مستمر لمواكبة التغيرات
يبقى الإنسان محور أي استراتيجية ناجحة، فالتقنيات تتغير بسرعة، ولا يبقى قادرا على مواكبتها إلا من يتعلم باستمرار. ولذلك ينبغي تحديث المناهج الجامعية في علم المكتبات والمعلومات والأرشيف لتشمل الحفظ الرقمي وإدارة البيانات والذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات، وتنظيم برامج تدريب دورية داخل المؤسسات.
ومن جهة أخرى، يفيد في هذا المجال بناء ثقافة تنظيمية تشجع التجريب والتعلم من الأخطاء، وتشرك العاملين في قرارات التطوير، وتكافئ المبادرة. كما يستحسن تنمية مهارات التواصل والتثقيف المعلوماتي لدى العاملين، لأنهم يمثلون الوجه الذي يراه المستفيد، ويقع عليهم تدريبه على تقييم المصادر ومواجهة المعلومات المضللة. وهكذا يصبح الاستثمار في العنصر البشري الضمانة الأولى لاستمرار المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي في أداء رسالتها.
ولكي تنتقل هذه الأفكار من التنظير إلى التطبيق، يمكن لأي مؤسسة أن تسير وفق خارطة طريق تدريجية تتكون من أربع مراحل متتابعة.
- مرحلة التشخيص - بتقييم الرصيد والبنية التقنية والكفاءات والمخاطر وتحديد الأولويات.
- مرحلة التخطيط - بوضع رؤية وسياسات وميزانية ومؤشرات أداء وجدول زمني واضح.
- مرحلة التنفيذ - ببدء مشاريع تجريبية صغيرة ثم التوسع تدريجيا مع توثيق الدروس المستفادة.
- مرحلة التقييم والتطوير - بقياس النتائج ومراجعة السياسات وتحديث الأدوات باستمرار.
وعلى هذا الأساس، فإن التدرج في التنفيذ يحمي المؤسسة من المخاطر الكبيرة ويمنحها فرصة التعلم، وهو الأسلوب الأنسب لمعظم المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي التي تعمل بموارد محدودة وتحتاج إلى نتائج ملموسة تقنع الممولين والمستفيدين على السواء.
خاتمة
يتبين من خلال هذا العرض أن المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي تقف عند مفترق طرق حاسم، فهي من جهة تحمل إرثا مهنيا عريقا في حفظ الذاكرة وتنظيم المعرفة، ومن جهة أخرى تواجه بيئة معلوماتية متسارعة تضاعف الكم وتنوع الصيغ وتزيد المخاطر. وقد رأينا أن التحديات متعددة الأبعاد، فمنها التقادم التقني والاختراق السيبراني وضعف البنية التحتية، ومنها نقص الكفاءات وقيود التمويل وصعوبة الانتقاء والاسترجاع.
وفي المقابل، تبين أن رهانات التكيف ممكنة وواقعية، وأهمها التحول الرقمي المبني على المعايير، وتوظيف الذكاء الاصطناعي بحذر ومسؤولية، وبناء المستودعات والمنصات المفتوحة، واعتماد استراتيجيات واضحة لإدارة المعرفة وضمان الجودة، وتعزيز الشبكات التعاونية، وتأهيل العنصر البشري باستمرار. وبناء على ذلك نوصي بوضع خطط رقمية وطنية ومؤسسية متكاملة، وتخصيص ميزانيات مستدامة للحفظ الرقمي، وتحديث برامج التكوين، وتشجيع التعاون بين الهيئات والجامعات، وتبني معايير الأخلاقيات في استعمال التقنيات الذكية.
وهكذا يمكن القول إن مستقبل المؤسسات الوثائقية في عصر الانفجار المعرفي لا يتوقف على كثرة الأجهزة ولا على حجم الميزانيات وحدها، بل على وضوح الرؤية وجودة التعاون وكفاءة الإنسان، فإذا اجتمعت هذه العناصر استطاعت هذه الهيئات أن تحول طوفان المعلومات من تهديد يخشى منه إلى فرصة تبنى عليها معرفة أوثق وذاكرة أبقى وخدمة أرحب للمجتمع.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه