تعد المعدات الميدانية العصب الأساسي لاكتشاف المستحاثات وحمايتها. يستعرض هذا البحث دليلاً شاملاً لأدوات التنقيب والاحتواء الميداني، وصولاً إلى أجهزة الترميم والدعم المختبري لضمان حفظ الأحافير واستعادتها بدقة عالية.
المقدمة
تبدو الأحفورة (Fossil) للناظر العابر مجرد حجر غريب الشكل، لكنها في الحقيقة بقايا هشة لكائن عاش قبل ملايين السنين، وقد حفظتها الطبيعة بشروط نادرة لا تتكرر. ولأن هذه البقايا لا تقبل التعويض، فإن استخراجها وحفظها يحتاجان إلى معرفة دقيقة بطريقة استعمال أدوات التنقيب عن الأحافير، فخطأ بسيط في الميدان، كضربة مطرقة في زاوية غير مناسبة أو لاصق غير ملائم، قد يتلف عينة لا يمكن إعادتها إلى أصلها.
وفي هذا السياق، تتشكل إشكالية المقال حول سؤال محوري - ما الأدوات والمعدات التي يعتمدها علماء الأحافير (Paleontologists) في الاستكشاف والتنقيب والتوثيق والتثبيت والترميم، وكيف يختار الباحث الأداة المناسبة لكل مرحلة ولكل نوع من العينات؟
1 - أسباب اختيار الموضوعأما السبب الذاتي، فيتمثل في الميل الشخصي إلى الجانب العملي والميداني في علوم الأرض والحياة، والرغبة في معرفة كيف يجهز الباحث نفسه قبل الخروج إلى الموقع. وبالإضافة إلى ذلك، يظهر السبب الموضوعي في قلة المراجع العربية العملية التي تجمع أدوات الميدان وأدوات الترميم في دليل واحد، مع حاجة الطلبة والمتطوعين إلى معرفة القواعد الصحيحة قبل أي خرجة ميدانية.
2 - أهداف المقال- تصنيف أدوات الاستكشاف والتنقيب والتوثيق وبيان وظيفة كل منها.
- عرض مواد التثبيت والتغليف والنقل وأدوات الترميم والصيانة.
- إبراز قواعد السلامة والأخلاقيات والتراخيص وسبل تجهيز الفرق في الجزائر.
اعتمدنا المنهج الوصفي لعرض الأدوات كما تستعمل فعلا في الميدان، ثم المنهج التحليلي لتفسير وظيفة كل أداة وشروط استعمالها، وأخيرا المنهج المقارن للموازنة بين الأدوات التقليدية والحديثة.
4 - خطة المقال- المبحث الأول - الإطار المفاهيمي لأدوات التنقيب والترميم.
- المبحث الثاني - أدوات الاستكشاف والتنقيب والاستخراج.
- المبحث الثالث - مواد التثبيت والتغليف والنقل.
- المبحث الرابع - أدوات الترميم والسلامة والجودة.
المبحث الأول - الإطار المفاهيمي لأدوات التنقيب والترميم
قبل الدخول في تفاصيل الأدوات، من المفيد ضبط المفاهيم التي سنستعملها، لأن الخلط بين التنقيب والترميم، أو بين الأداة والمادة، يقود في الغالب إلى قرارات ميدانية خاطئة. وعليه، يضع هذا المبحث الأساس النظري الذي تقوم عليه أدوات التنقيب عن الأحافير في بقية الدليل.
المطلب الأول - مفهوم الأداة الميدانية والتنقيب والترميم
1 - تعريف التنقيب الأحفوري والاستخراجالتنقيب الأحفوري هو مجموع العمليات المنظمة التي تهدف إلى كشف الأحافير داخل الطبقات الرسوبية وتسجيل موضعها بدقة ثم استخراجها بأقل ضرر ممكن. أما الاستخراج (Excavation) فهو المرحلة الفعلية لرفع العينة من مكانها، ولا يسبقها قرار إلا بعد توثيق سياقها الجيولوجي، لأن قيمة الأحفورة العلمية ترتبط بمكانها في الطبقة بقدر ارتباطها بشكلها.
2 - تعريف الترميم والصيانة والتحضيرويقصد بالتحضير (Preparation) إزالة الصخر الملتصق بالعينة وتنظيفها داخل المخبر، بينما يشير الترميم (Restoration) إلى إصلاح الكسور وإعادة تجميع الأجزاء. وفي المقابل تهتم الصيانة (Conservation) بالحفاظ على حالة العينة على المدى الطويل، عبر ضبط الرطوبة والحرارة واستعمال مواد مستقرة وقابلة للإزالة.
3 - الفرق بين الأداة والمعدة والمادة الحافظةالأداة (Tool) هي ما يمسكه الباحث بيده كالفرشاة والإزميل، أما المعدة (Equipment) فتشمل التجهيزات الأكبر كالمجهر وجهاز تحديد المواقع. وفي ضوء ذلك، تأتي المادة الحافظة (Consolidant) باعتبارها مادة كيميائية تدخل في بنية العظم لتقويته، ولذلك تحتاج إلى حذر أكبر بكثير من الأدوات العادية لأن أثرها يبقى في العينة.
4 - معايير اختيار الأداة بحسب نوع الصخر وحجم العينة وهشاشتهايختلف الاختيار بين صخر رملي مفكك وصخر جيري صلب، فالأول تكفيه الفرشاة والملعقة الصغيرة، والثاني قد يتطلب مطرقة وإزميلا. كذلك فإن حجم العينة يحدد حجم الأداة، وكلما زادت الهشاشة اتجه الباحث إلى أدوات أدق وأخف، وإلى تثبيت العينة قبل أي حركة. ويمكن القول إن أدوات التنقيب عن الأحافير تختار دائما بالنظر إلى العينة لا إلى عادة الباحث.
5 - الإحالة إلى هيكل علم الأحافير في التعريفات العامةومن الجدير بالذكر أن هذه التعريفات تندرج ضمن إطار أوسع لعلم الأحافير الذي يضم فروعا كثيرة، مثل علم الأحافير الفقارية وعلم الأحافير الدقيقة (Micropaleontology) وعلم الأحافير النباتية. ويؤثر كل فرع في نوع الأدوات المستعملة، فصيد الأحافير الدقيقة يعتمد على المناخل والمجهر، بينما تحتاج الهياكل الكبيرة إلى معدات رفع وتغليف ثقيلة.
المطلب الثاني - مراحل العمل الميداني وعلاقتها بالأدوات
1 - مرحلة الاستكشاف وتحديد الموقعفي البداية يقرأ الباحث الخرائط الجيولوجية ويحدد التكوينات الصخرية المعروفة بحملها للأحافير، ثم يمشي على السطح بحثا عن شظايا عظمية ظاهرة. وتعتمد هذه المرحلة على أدوات خفيفة تسمح بالتنقل الطويل وتسجيل الإحداثيات دون إزعاج الموقع.
2 - مرحلة الكشف عن العينة وتعريتهاثم تبدأ التعرية، أي إزالة الغطاء الرسوبي تدريجيا حتى يظهر شكل العينة. وهنا يبدأ الباحث بالمجارف والمعاول للطبقات العليا، وكلما اقترب من العظم انتقل إلى المطارق الصغيرة والفرش والإبر، وهذا التدرج هو جوهر الاستعمال السليم لـ أدوات التنقيب عن الأحافير.
3 - مرحلة التوثيق والتثبيت والتغليفبعد ذلك، تصور العينة وترسم وتوضع علامات اتجاهها قبل أن تثبت بمادة مناسبة وتغلف بالجبس أو بمواد بديلة. وفي هذا الإطار لا يرفع أي جزء قبل أن يسجل موضعه في دفتر الميدان وعلى المخطط.
4 - مرحلة النقل والتخزين المؤقتوبناء على ما تقدم، ينقل الغلاف بعناية إلى مكان آمن، مع تحديد الأعلى والاتجاه عليه، ثم يخزن مؤقتا في ظروف مستقرة بعيدا عن الصدمات والشمس المباشرة والرطوبة الشديدة.
5 - مرحلة التحضير والترميم في المخبرأخيرا تصل العينة إلى المخبر حيث يفتح الغلاف ويزال الصخر المتبقي تحت المجهر، ثم تعالج الكسور وتصنع القوالب إن لزم. وبذلك تكتمل سلسلة طويلة تبدأ بخريطة وتنتهي بعينة صالحة للدراسة والعرض.
المطلب الثالث - المبادئ العامة الحاكمة لاستعمال الأدوات
1 - مبدأ البدء بأقل الأدوات خشونة والتدرج إلى الأقوى عند الحاجةتقوم القاعدة الذهبية على أن تجرب الفرشاة قبل الإزميل، والإزميل قبل المطرقة الثقيلة. فإذا كفتك أداة ناعمة فلا تنتقل إلى أخشن منها، لأن كل زيادة في القوة ترفع احتمال كسر العظم أو خدش سطحه.
2 - مبدأ التوثيق قبل أي إزالة أو تدخلكل إزالة لا رجعة فيها، ولذلك يصور الباحث الموقع ويقيسه ويسجل مواصفاته قبل أن يزيل أي حجر. ومن جهة أخرى، يمنح هذا المبدأ بقية الفريق إمكانية إعادة بناء السياق حتى لو تلفت العينة لاحقا.
3 - مبدأ عدم الإتلاف وإمكان التراجع في مواد الترميميفضل أن تكون كل مادة لاصقة أو مقوية قابلة للإزالة بمذيب مناسب، حتى يستطيع باحث المستقبل تصحيح العمل بتقنيات أحدث. وهذا ما يسمى مبدأ الرجعية (Reversibility) في أدبيات الصيانة.
4 - مبدأ السلامة الشخصية وسلامة الموقعوفي الوقت نفسه، لا تعلو أي عينة على سلامة الإنسان. فالقفازات والنظارة والقبعة جزء من العدة، كما أن ترك الموقع نظيفا ومردوم الحفر غير المستغلة يحميه من العبث والانهيار.
5 - مبدأ احترام التراخيص والتشريعاتوأخيرا فإن الحصول على ترخيص من الجهة المختصة شرط سابق على أي حفر، لأن الأحافير في كثير من الدول ملك عام لا يجوز جمعه أو بيعه بحرية. ويفصل المبحث الرابع هذه النقطة.
المبحث الثاني - أدوات الاستكشاف والتنقيب والاستخراج
بعد ضبط المفاهيم، ننتقل إلى الجانب العملي، حيث نستعرض ما يحمله الفريق في حقيبته الميدانية. ويجمع هذا المبحث أدوات التنقيب عن الأحافير في ثلاث مجموعات متدرجة، هي الاستكشاف ثم الحفر والتعرية ثم التوثيق والقياس.
المطلب الأول - أدوات الاستكشاف وتحديد المواقع
1 - الخرائط الجيولوجية والطبوغرافية والبوصلة الجيولوجيةتكشف الخريطة الجيولوجية عمر الطبقات ونوعها، فتوجه الباحث نحو الصخور التي يحتمل أن تحمل الأحافير. أما البوصلة الجيولوجية، ومنها طراز بروتن (Brunton) المعروف، فتقيس اتجاه الطبقة وميلها، وهما معلومتان أساسيتان في تسجيل الموقع.
2 - جهاز تحديد المواقع والأجهزة اللوحية ونظم المعلومات الجغرافيةوبالإضافة إلى ذلك، يسجل جهاز تحديد المواقع (GPS) إحداثيات كل اكتشاف، وتساعد الأجهزة اللوحية في إدخال البيانات مباشرة داخل نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، مما يختصر وقت المكتب ويقلل أخطاء النقل من الدفتر.
3 - الطائرات المسيرة والصور الجويةومن جهة أخرى، تتيح الطائرات المسيرة (Drones) مسح مساحات واسعة وعرة في وقت قصير، وتكشف عن تغيرات اللون والتضاريس التي قد تشير إلى طبقات واعدة. غير أنها لا تغني عن المشي على الأرض، فهي أداة مساعدة لا بديل.
4 - العدسة المكبرة والمطرقة الجيولوجية للفحص الأوليتكبر العدسة بمقدار عشر مرات عادة، وهي كافية لتمييز نسيج العظم عن الصخر. أما المطرقة الجيولوجية فتستعمل لكسر عينة صخرية صغيرة والنظر إلى سطحها الطازج، مع الحرص على ألا تضرب قرب عظم ظاهر.
5 - دفتر الميدان والكاميرا لتسجيل أول مشاهدةكذلك يدون دفتر الميدان التاريخ والمكان ووصف الطبقة والطقس وأسماء الحاضرين، وتوثق الكاميرا الحالة الأولى للعينة. ويعد هذا السجل المرجع الأول الذي يعود إليه كل من يدرس العينة بعد سنوات.
المطلب الثاني - أدوات الحفر والتعرية
1 - المعاول والمجارف وأدوات إزالة الغطاء الرسوبيتستعمل هذه الأدوات الثقيلة في الطبقات العليا الخالية من الأحافير، وتتوقف عند أول ظهور لشظايا العظم. وينصح بالحفر على مراحل صغيرة وبإبقاء هامش أمان واسع حول الموضع المتوقع للعينة.
2 - المطارق والأزاميل بأحجامها لتفتيت الصخروفي هذا الإطار تتنوع المطارق بين خفيفة ومتوسطة، وتتدرج الأزاميل من العريضة التي تقسم الكتل إلى الرفيعة التي تتبع الشقوق الطبيعية. ويضرب الباحث دائما في اتجاه يبعد القوة عن العظم، ويفضل أن يضع الأزميل على الصخر لا على العينة.
3 - الفرش بأنواعها والملاقط وأدوات الحفر الدقيقة كالإبرتعد هذه المجموعة قلب أدوات التنقيب عن الأحافير عند الاقتراب من العظم، فالفرشاة الناعمة تزيل الغبار والفرشاة الأقسى تنظف الرمل المتماسك، والإبرة المثبتة في مقبض تفتت الحبيبات الدقيقة، وتمسك الملاقط الشظايا الصغيرة دون ضغط.
4 - الأدوات الهوائية والاهتزازية الصغيرة عند الحاجةوعلاوة على ذلك، توجد أقلام هوائية تعمل بالهواء المضغوط وتدق بسرعة عالية على الصخر دقات خفيفة، وهي مفيدة في الصخور الصلبة. لكن استعمالها يتطلب خبرة وتدريبا، لأن إساءة الاستعمال تخدش العظم بسرعة، ولذلك لا ينصح بها للمبتدئين دون إشراف.
5 - المناخل والغرابيل لجمع الأحافير الدقيقةوفي المقابل، تخصص المناخل للرسوبيات المفككة التي تحوي أسنانا وفقرات وعظاما دقيقة. وتختلف فتحات المنخل بحسب الهدف، وكثيرا ما يستعمل الغسل بالماء (Wet Screening) لفصل الطين عن الأحافير، ثم يجفف الناتج بهدوء قبل الفرز بالعدسة.
المطلب الثالث - أدوات التوثيق والقياس الميداني
1 - المربعات الشبكية والحبال والأوتاد والمتريقسم الموقع إلى مربعات منتظمة بالأوتاد والحبال، ويسجل موضع كل عظم داخل مربعه بالنسبة إلى زاوية مرجعية. وبذلك يمكن لاحقا رسم خريطة توزيع العظام وفهم كيفية دفنها.
2 - جهاز القياس والمستوى والبوصلة لتحديد الاتجاه والميليضبط المستوى (Level) الارتفاعات، وتحدد البوصلة اتجاه العظام الطويلة، وهو دليل قد يكشف تأثير التيارات المائية القديمة. ومن الجدير بالذكر أن هذه القياسات البسيطة تحمل معلومات ثمينة عن بيئة الترسب.
3 - الكاميرا ومقياس اللون والمقياس المرجعي في الصورولا تكتمل صورة العينة دون مقياس مرجعي بجانبها ولوحة ألوان وبطاقة تحمل رقمها وتاريخها. وفي هذا السياق، يصور الباحث العينة من أكثر من زاوية قبل أي تدخل.
4 - بطاقات التعريف والأكياس والعلب وأرقام العيناتيعطى كل جزء رقما مستقلا يكتب بقلم ثابت على بطاقة توضع داخل الكيس أو العلبة وخارجها. وتنقذ هذه الأرقام العينات من الاختلاط، خاصة عند استخراج عشرات القطع في موقع واحد.
5 - التصوير المجسم والمسح الميداني ثلاثي الأبعادوأخيرا يتيح التصوير المجسم (Photogrammetry) بناء نموذج ثلاثي الأبعاد للموقع من عدة صور عادية، وهو يحفظ حالة الموقع قبل إزالة العظام. ولا يعوض هذا النموذج الرسم والتسجيل اليدوي، بل يكملهما.
| الأداة | أفضل استعمال | مستوى الدقة | درجة الخطورة على العينة |
|---|---|---|---|
| المعول والمجرفة | إزالة الغطاء الرسوبي العلوي | منخفض | مرتفعة عند الاقتراب من العظم |
| المطرقة والإزميل | تفتيت الصخر الصلب وتتبع الشقوق | متوسط | متوسطة |
| الفرشاة والإبرة | الكشف النهائي عن سطح العظم | مرتفع | منخفضة |
| القلم الهوائي | الصخور الجيرية القاسية | مرتفع | متوسطة إلى مرتفعة دون خبرة |
| المنخل | جمع الأحافير الدقيقة | مرتفع | منخفضة |
المبحث الثالث - مواد التثبيت والتغليف والنقل
لا يكفي أن تكشف العينة بسلام، فالخطر الأكبر يأتي غالبا لحظة رفعها ونقلها. ولذلك يعرض هذا المبحث المواد التي تحمي الأحفورة بعد الكشف، وهي جزء لا يتجزأ من منظومة أدوات التنقيب عن الأحافير وإن كانت مواد لا أدوات بالمعنى الحرفي.
المطلب الأول - مواد التثبيت الميداني
1 - المواد المثبتة والمقوية للعظام الهشة وشروط اختيارهاتستعمل مثبتات ذائبة في مذيب لتتسرب في مسام العظم وتقويه، ومن أشهرها راتنج بارالويد (Paraloid B-72) الذي يعد من أكثر المواد قبولا في الصيانة لقابليته للذوبان في الأسيتون. ويشترط في المادة ثبات كيميائي وقابلية للإزالة وعدم تغيير لون العظم.
2 - المواد اللاصقة القابلة للإزالةوكذلك تستعمل لواصق أخرى مثل بوتفار (Butvar B-76) الذي يذوب في الكحول والأسيتون. وفي المقابل يتجنب بعض المختصين اللواصق السريعة القوية لأنها يصعب إزالتها، لكنها تستعمل أحيانا في إصلاح كسور صغيرة في الميدان. ويستحسن دائما استشارة مختص قبل اعتماد أي مادة.
3 - طبقات العزل والفصل بين المادة الحافظة والعينةقبل وضع الجبس تغطى العينة بطبقة فاصلة، مثل الورق المبلل أو ورق القصدير أو الورق الرقيق، حتى لا يلتصق الجبس بالعظم مباشرة. وتسهل هذه الطبقة فتح الغلاف في المخبر دون أن تنزع قطع من سطح العينة.
4 - التثبيت المؤقت والتثبيت الدائميهدف التثبيت المؤقت إلى تجاوز لحظة الخطر، أي الحفر والنقل، ويمكن إزالته لاحقا. أما التثبيت الدائم فيقرره المرمم في المخبر بعد دراسة حالة العظم، ولا ينبغي للفريق الميداني أن يستعجله.
5 - أخطاء شائعة في التثبيت وكيفية تجنبها- سكب مادة مثبتة بكثرة على عظم مبلل، فيتكون سطح لامع يخفي التفاصيل.
- استعمال لاصق لا يعرف اسمه ولا طريقة إزالته.
- تثبيت العينة قبل تصويرها وتسجيل موضعها.
- الخلط بين مواد مختلفة على العظم نفسه دون تسجيل ذلك.
المطلب الثاني - التغليف بالجبس والأغلفة الواقية
1 - فكرة الغلاف الواقي أو جاكيت الجبسيقوم جاكيت الجبس (Plaster Jacket) على صنع قشرة صلبة تحيط بالعينة وبالصخر الذي يحملها، فتتحول إلى كتلة واحدة يمكن رفعها دون أن تتفكك. وهي طريقة عريقة في هذا المجال لا تزال متداولة اليوم.
2 - المواد من ضمادات وجبس وأوراق وأغلفة بديلةتتكون العدة من جبس باريس (Plaster of Paris) وشرائط من قماش الخيش أو ضمادات الجبس الجاهزة، وورق فاصل وماء ودلو. وفي ضوء ذلك توجد اليوم أغلفة بديلة كالرغوة البلاستيكية القابلة للتصلب، لكنها تحتاج إلى تدريب واحتياطات سلامة خاصة.
3 - خطوات تغليف عينة بحسب الحجم- تعرية العينة مع ترك قاعدة صخرية تحتها.
- تغطية السطح بطبقة فاصلة.
- لف شرائط الجبس المبللة فوق العينة وجوانبها.
- ترك الغلاف حتى يتصلب جيدا.
- قطع القاعدة الصخرية وقلب الكتلة وتغليف الوجه الآخر.
وتبسط هذه الخطوات للعينات الصغيرة بلف واحد، بينما تحتاج العينات الكبيرة إلى طبقات متعددة وإلى فريق من عدة أشخاص.
4 - تدعيم العينات الكبيرة وتحديد الأعلى والاتجاهتدعم الكتل الكبيرة بعصي خشبية أو أنابيب تدمج في الجبس لمنع الانثناء. وعلاوة على ذلك يرسم سهم يدل على الأعلى وآخر على الشمال، حتى لا تفتح العينة من الجهة الخطأ في المخبر.
5 - وضع العلامات وتسجيل المعلومات على الغلافيكتب على الغلاف رقم العينة والموقع والتاريخ واسم المسجل بقلم ثابت، ثم يصور الغلاف قبل نقله. وبهذا تبقى هوية العينة مرتبطة بها مهما تغيرت الأيدي التي تحملها.
المطلب الثالث - النقل والتخزين المؤقت
1 - التعبئة بمواد ماصة للصدماتتوضع العينات في صناديق صلبة مع حشوات من الإسفنج أو الرغوة أو الورق المجعد، ولا يترك أي فراغ يسمح بالاحتكاك. وتفصل القطع بعضها عن بعض لأن الاحتكاك المتكرر أثناء الطريق قد يسحق الأطراف.
2 - وسائل النقل الميداني والنقل لمسافات بعيدةفي المسافات القصيرة تستعمل الحمالات والعربات اليدوية، وفي الأماكن الوعرة قد يلزم الاستعانة بالدواب أو المركبات رباعية الدفع. أما النقل البعيد فيحتاج إلى تغليف إضافي وتسجيل مسبق مع الجهة المرخصة.
3 - ظروف الحرارة والرطوبة أثناء النقلينبغي ألا تترك العينات في سيارة مغلقة تحت الشمس، لأن الحرارة تجفف العظم بسرعة فتتشقق. وفي المقابل تؤذي الرطوبة العالية بعض الأحافير والجبس نفسه، ولذلك يفضل مكان جاف معتدل.
4 - سجل التسليم وسلسلة الحفظيوقع كل من يستلم العينة على سجل يحدد حالتها وتاريخ الاستلام، وهذه هي سلسلة الحفظ (Chain of Custody). وتحمي هذه الوثيقة العينة من الضياع وتثبت مصدرها شرعيا، وهو أمر مهم عند النشر العلمي.
5 - التخزين المؤقت في موقع الحفر أو المخبريخزن الفريق العينات في خيمة أو غرفة مغلقة بعيدا عن المطر والحيوانات، وترفع الصناديق عن الأرض. وبعد الوصول إلى المخبر توضع في رفوف ثابتة بدرجة حرارة ورطوبة مستقرتين إلى حين بدء التحضير.
| الطريقة | أفضل لـ | سهولة الاستعمال | ملاحظة مهمة |
|---|---|---|---|
| جاكيت الجبس | العظام الكبيرة والكتل الصخرية | متوسطة | يحتاج إلى وقت للتصلب |
| المثبت المذاب في مذيب | العظام المتشققة والهشة | متوسطة | يجب أن يكون قابلا للإزالة |
| الأكياس والعلب | الأسنان والشظايا الصغيرة | عالية | تحتاج إلى بطاقة داخلية وخارجية |
| الصناديق المبطنة | نقل العينات المغلفة | عالية | لا يترك فيها فراغ |
المبحث الرابع - أدوات الترميم والسلامة والجودة
وفي ضوء ما سبق، تنتقل العينة من الميدان إلى المخبر، حيث يتغير إيقاع العمل ويصبح أكثر بطئا وأدق. ولا تنفصل هذه المرحلة عن سابقتها، فجودة التغليف الميداني تنعكس مباشرة على سهولة الترميم، كما أن أدوات التنقيب عن الأحافير لا تؤدي دورها كاملا إلا حين تقترن بالسلامة والتراخيص والأخلاقيات.
المطلب الأول - أدوات التحضير والترميم المخبري
1 - الأقلام الهوائية وأدوات الإزالة الميكانيكية الدقيقةتعد الأقلام الهوائية (Air Scribes) من أكثر أدوات المخبر استعمالا، فهي تدق بإبرة دقيقة على الصخر الملتصق وتسمح بالتحكم الدقيق. وتضاف إليها مشارط وإبر وأدوات يدوية دقيقة تستعمل عند الحاجة إلى حركة أبطأ.
2 - المجهر المجسم والإضاءة والتكبيريتيح المجهر المجسم رؤية حدود العظم عن الصخر، وهي مهمة شاقة بالعين المجردة. وبالإضافة إلى ذلك تساعد الإضاءة الجانبية في إبراز النتوءات الصغيرة، وتحمي عين المحضر من الإجهاد خلال ساعات طويلة.
3 - المواد اللاصقة والمقوية القابلة للإزالة وفق معايير الترميمتستعمل في المخبر المواد نفسها التي ذكرناها، لكن بتحكم أكبر وتسجيل مفصل لنوع المادة وتركيزها ومكان وضعها. ويعد هذا التسجيل جزءا من ملف العينة حتى يعرف من يأتي بعد المحضر ما الذي وضع بالضبط.
4 - التنظيف الكيميائي المحدود وضوابطهتستعمل أحيانا محاليل ضعيفة، كحمض الأسيتيك المخفف، لإذابة صخر جيري محيط بعظم مقاوم. غير أن هذه الطريقة لا تجرى إلا بإشراف مختص وبعد اختبار على قطعة صغيرة، لأن الحمض قد يذيب العظم أيضا.
5 - القوالب والنسخ لحفظ نسخة من العينةوأخيرا تصنع قوالب من السيليكون أو اللاتكس لتنتج نسخا من العينة للدراسة والعرض، فيبقى الأصل محفوظا بعيدا عن اللمس. وتفيد هذه النسخ في التعليم ونشر المعرفة بين الجمهور.
المطلب الثاني - السلامة والتراخيص والأخلاقيات
1 - معدات الوقاية الشخصية كالقبعة والنظارة والقفازات والقناع المضاد للغبارتحمي القبعة من الشمس، والنظارة من شظايا الصخر المتطايرة، والقفازات من الجروح، ويحمي القناع المضاد للغبار الرئتين، وخاصة عند العمل بالأقلام الهوائية أو الجبس المسحوق. ولا يجوز اعتبارها اختيارية.
2 - الإسعافات الأولية والمياه ومعدات التواصلتشمل الحقيبة الأساسية علبة إسعاف وماء كافيا لكل شخص ووسيلة اتصال وخريطة بالطريق إلى أقرب مركز صحي. وفي المواقع الصحراوية يضاف الماء الإضافي ومعرفة مسبقة بأوقات الرحلة.
3 - أخطار الموقع كالانهيارات والحرارة والحيواناتتتعرض الجدران الرسوبية للانهيار إذا حفر تحتها، وترهق الحرارة العالية الفريق، وقد تظهر في الأماكن المهجورة عقارب وأفاع. ولذلك يقيم الباحث الموقع أولا ويحدد حدود الحفر الآمنة.
4 - التراخيص القانونية والتنسيق مع السلطاتفي الجزائر ينظر إلى هذه المواقع ضمن إطار حماية التراث الثقافي، ومنه القانون رقم 98-04 المتعلق بحماية التراث الثقافي. ومع ذلك يتعين التحقق من الأحكام الحالية لدى وزارة الثقافة والجهات المحلية قبل أي حفر، وهذا ينطبق على كل بلد ولو اختلفت القوانين. ويمكن الاطلاع أيضا على أمثلة أجنبية من خلال جمعية علم الأحافير الفقارية وإرشاداتها الأخلاقية.
5 - أخلاقيات الجمع ومنع الاتجار وحماية الموقعتقضي الأخلاقيات بألا تباع الأحافير العلمية، وألا ينتزع شيء من سياقه دون توثيق، وألا يكشف موقع حساس للعامة. وفي المقابل يشجع الباحثون المتطوعين على الإبلاغ بدل الحفر الفردي، فهذا يحمي الموقع والعلم معا.
المطلب الثالث - تجهيز الفرق وتحديات الجزائر والعالم العربي
1 - قائمة تجهيز أساسية لفريق صغير- خرائط وبوصلة جيولوجية وجهاز تحديد المواقع.
- مطرقة جيولوجية وإزاميل وفرش وإبر وملاقط.
- مناخل وأكياس وعلب وبطاقات وأقلام ثابتة.
- جبس وضمادات وورق فاصل وماء.
- كاميرا ومقياس مرجعي ودفتر ميدان.
- قبعة ونظارة وقفازات وقناع وعلبة إسعاف.
يمكن للفرق الصغيرة تجهيز عدة معقولة بأدوات محلية، كفرش الرسم والملاعق الصغيرة والمناخل المنزلية والخيش المحلي. ومن الجدير بالذكر أن البدائل لا ينبغي أن تمس بجودة المواد الحافظة، فهي المجال الذي يستحق الإنفاق الأكبر.
3 - صعوبات الحصول على المواد الحافظة والأجهزةتواجه الفرق عربيا صعوبات في استيراد الراتنجات والمجاهر والأقلام الهوائية بسبب الكلفة والإجراءات. وتؤدي هذه الصعوبات أحيانا إلى استعمال مواد غير مناسبة، ولذلك يحسن التنسيق مع الجامعات والمتاحف لتجميع الطلبات.
4 - التكوين الميداني والتعاون الدوليويظل التدريب العملي أهم من العدة نفسها، ويتحقق عبر ورشات ومعسكرات مشتركة مع فرق أجنبية ومختصين في الترميم. وقد أسهمت مثل هذه الشراكات في تبادل الخبرة في مواقع جزائرية معروفة بأهميتها في عصور ما قبل التاريخ، مثل عين الحنش قرب سطيف وتيغنيف بولاية معسكر.
5 - اقتراحات لإعداد دليل ميداني وطنيومما يعزز هذا التوجه أن يعد دليل وطني بالعربية يجمع قائمة الأدوات وقواعد التراخيص وأرقام الاتصال وصور الإجراءات الصحيحة، تشرف عليه الجامعات والمتاحف وتحدثه كل سنوات. ويكون هذا الدليل مرجعا مشتركا للطلبة والهواة.
الخاتمة
خلاصة القول إن أدوات التنقيب عن الأحافير تبدأ من خريطة وفرشاة وتمتد إلى مواد تثبيت وقوالب ومجاهر، وإن كل مرحلة من مراحل العمل الميداني تتطلب أدوات مختلفة تتدرج من الأخشن إلى الأنعم. وقد رأينا أن حماية الأحفورة تبدأ بحسن اختيار الأداة وتوثيق كل خطوة، وأن الأداة الجيدة لا تغني عن الخبرة والتدرج.
أما أبرز النتائج فتتمثل في أن التوثيق يسبق الإزالة دائما، وأن مواد التثبيت يجب أن تكون قابلة للإزالة، وأن التغليف والنقل لا يقلان أهمية عن الحفر نفسه، وأن السلامة والتراخيص جزء أصيل من العمل العلمي. وبناء على ذلك نوصي بالتدريب قبل الخروج إلى الميدان، والتوثيق الدقيق، واحترام التراخيص، واعتماد مواد قابلة للإزالة، مع الرجوع إلى مختص في الترميم قبل استعمال أي مادة حافظة أو لاصقة.
وفي المقابل تبقى آفاق البحث مفتوحة أمام الأدوات الرقمية والمسح ثلاثي الأبعاد والمواد الحافظة الحديثة والتكوين الميداني المتخصص، وهي مجالات تستحق دراسات عربية أعمق. وإلى أن يتحقق ذلك، يظل الاستعمال الواعي لـ أدوات التنقيب عن الأحافير أفضل ضمانة لتصل هذه الكنوز الجيولوجية سليمة إلى الأجيال القادمة.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه