اهتمت شعوب العالم القديم بآثار أسلافها حفظا وترميما وتفسيرا، بدوافع دينية وسياسية وثقافية، ويتناول هذا المقال دوافع هذا الاهتمام ومظاهره في الحضارات الشرقية واليونانية والرومانية وأهميته في تمهيد علم الآثار الحديث.
مقدمة
لم تكن الآثار في نظر الإنسان القديم مجرد حجارة صامتة أو أنقاض تتراكم عبر الزمن، بل كانت شاهدا حيا على من سبقه ومرآة يرى فيها أصله ومكانته وصلته بالآلهة والأسلاف. ومن هنا نشأ الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم بوصفه سلوكا حضاريا قديما قدم المدن الأولى نفسها، إذ رمم الملوك المعابد المتصدعة، وصانوا الألواح والنقوش، وحرصوا على أن تبقى أسماؤهم وإنجازاتهم محفورة في ذاكرة الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، يلاحظ الباحث أن علم الآثار (Archaeology) بصورته العلمية الحديثة لم يتشكل إلا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، غير أن جذور العناية بالماضي المادي أقدم من ذلك بآلاف السنين. فقد بحث ملك بابلي عن أساسات معبد يعود إلى قرون طويلة قبله، وكتب أمير مصري اسمه على أهرامات من سبقوه بعد أن رممها، وحمى الرومان معابدهم القديمة بقوانين وأوامر إمبراطورية، وشيدت الشعوب في الشرق والغرب مبان لحفظ ما ورثته من أسلافها.
وتنبع إشكالية هذا المقال من سؤال جوهري - لماذا اهتمت الشعوب القديمة بآثار أسلافها، وكيف عبرت عن هذا الاهتمام، وما قيمته بالنسبة إلينا اليوم؟ وللإجابة عن ذلك، نتناول في المبحث الأول مفهوم الاهتمام بالآثار وجذوره التاريخية، ثم ندرس في المبحث الثاني دوافعه الدينية والسياسية والاجتماعية، وننتقل في المبحث الثالث إلى مظاهره عند أبرز الحضارات، ونختم بالمبحث الرابع الذي يبين أهميته التاريخية والعلمية والحضارية والاقتصادية.
المبحث الأول - مفهوم الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم
المطلب الأول - تعريف الآثار ونطاق الاهتمام بها
1 - تعريف الآثار لغة واصطلاحا، وعلم الآثار (Archaeology)
الأثر في اللغة العربية هو بقية الشيء وعلامته، ومنه أثر القدم على الأرض، وجمعه آثار. أما في الاصطلاح، فيقصد بالآثار كل ما خلفه الإنسان في الماضي من منشآت ومصنوعات ومدونات تدل على نشاطه وفكره وطريقة عيشه. وبناء على ذلك، ظهر علم الآثار (Archaeology) الذي اشتق اسمه من الكلمة اليونانية archaios بمعنى القديم، والكلمة logos بمعنى الحديث والدراسة. ومن الجدير بالذكر أن هذا العلم يعتمد على التنقيب (Excavation) والتوثيق والتحليل، بينما كان الاهتمام القديم عمليا في الغالب، إذ ينبع من حاجة دينية أو سياسية أو اجتماعية، ولا يقوم على منهج علمي منظم.
وفي ضوء هذا التعريف، يتبين أن الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم يختلف عن الاهتمام الحديث في الغاية والوسيلة. فالقدماء لم يكتبوا تقارير علمية ولم يصنفوا الطبقات الأثرية، لكنهم مارسوا الحفظ والترميم والتوثيق بما أتيح لهم من أدوات، وتركوا نصوصا تصف أعمالهم، ولذلك صارت هذه النصوص مصدرا مهما لمعرفة كيفية نظرتهم إلى ماضيهم.
2 - أنواع الآثار المادية، من مبان ونقوش ومقتنيات
تتنوع الآثار التي اعتنت بها الشعوب القديمة تنوعا كبيرا، ويمكن تصنيفها بحسب طبيعتها إلى ثلاثة أصناف رئيسية. فهناك الآثار الثابتة (Immovable Heritage) كالمعابد والأهرامات والأسوار والمدن، وهناك الآثار المنقولة (Movable Heritage) كالتماثيل والأواني والحلي والأدوات، وهناك الآثار المدونة (Inscriptions) كالنقوش والألواح الطينية والبرديات. وفي هذا الإطار، يلخص الجدول التالي هذه الأنواع وقيمة كل نوع.
| النوع | أمثلة من العالم القديم | القيمة العلمية والحضارية |
|---|---|---|
| آثار ثابتة | الأهرامات، والزقورات، والمعابد، والأسوار | تكشف فنون العمارة والتخطيط والمعتقدات |
| آثار منقولة | التماثيل، والفخار، والحلي، وأدوات الحياة اليومية | تبين الصناعة والتجارة وأنماط العيش |
| آثار مدونة | الألواح الطينية، والبرديات، والنقوش الصخرية | تحفظ الأحداث والقوانين واللغات |
| مقابر ومدافن | المقابر الملكية، والمدافن المنحوتة في الصخر | تعكس عقائد ما بعد الموت والبنية الاجتماعية |
3 - المقصود بالاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم
يقصد بالاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم مجموع الممارسات الرسمية والشعبية التي استهدفت صون ما خلفه السابقون، وتشمل الترميم والصيانة وجمع التحف وحفظ النصوص وحماية المواقع المقدسة وتوظيف الماضي رمزيا. وعلاوة على ذلك، ينحصر نطاقنا الزمني في الفترة الممتدة من ظهور الكتابة نحو عام 3200 قبل الميلاد إلى أواخر العصور القديمة في القرن الخامس الميلادي. وبناء على ما تقدم، فإن هذا الاهتمام لم يكن ترفا ثقافيا، بل كان جزءا من نظام الحكم والعقيدة والهوية، وهو ما يفسر انتشاره في حضارات متباعدة لم يكن بينها اتصال مباشر.
ويمكن إجمال صور هذه الممارسات في النقاط الآتية -
- الترميم - إصلاح ما تهدم من الجدران والأعمدة والسقوف مع الإبقاء على مخطط البناء الأصلي قدر الإمكان.
- الصيانة الدورية - تجديد الطقوس والأوقاف والعناية اليومية بالمعابد والمقابر.
- الجمع والعرض - حفظ التحف والنذور والغنائم في المعابد والقصور والمجمعات العامة.
- التوثيق - تسجيل الأحداث والأعمال على الحجر والألواح والبرديات، ونسخ النصوص القديمة.
- الحماية - فرض العقوبات والغرامات والتحذيرات الدينية على من يعتدي على المنشآت.
المطلب الثاني - الجذور التاريخية للاهتمام بالآثار
1 - بدايات العناية بالمخلفات القديمة في الحضارات الأولى
بدأت العناية بالمخلفات القديمة مع نشأة الدولة والمدينة الأولى. ففي بلاد الرافدين، تذكر نصوص ملكية كثيرة أن الملوك أعادوا بناء معابد قديمة على أسسها الأولى محافظين على مخططها، وكانوا يدفنون تحت الجدران ما يعرف بودائع التأسيس (Foundation Deposits) وهي أسطوانات ولوحات تحمل اسم الباني. ومن جهة أخرى، كان الملك الذي يعثر على وديعة قديمة أثناء الترميم يعيدها إلى موضعها مع القرابين، ثم يضع بجانبها وديعته الخاصة. وفي مصر، تتابعت أعمال الترميم في المعابد والمقابر منذ عصر الدولة القديمة، وهكذا تكونت تقاليد راسخة في صون المباني.
وبالإضافة إلى ذلك، تكشف هذه الممارسات عن وعي مبكر بالتسلسل الزمني، إذ كان الملوك يذكرون في نقوشهم من سبقهم في بناء المعبد ويحددون ما أضافوه إليه. وهكذا لم يكن الترميم عملا هندسيا فقط، بل كان تسجيلا لتاريخ المكان وتعاقب من اعتنى به، وهذا ما يجعل الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم بداية لفكرة التاريخ المكتوب للمباني.
2 - أقدم الأمثلة على جمع الآثار وحفظها
من أشهر الأمثلة على جمع الآثار ما ارتبط بآخر ملوك بابل الحديثة نبونائيد (Nabonidus) الذي حكم بين عامي 556 و539 قبل الميلاد، فقد نقب في معبد الإله شمش في سيبار بحثا عن وديعة تأسيس قديمة. وفي مدينة أور، عثر المنقبون في القرن العشرين على قاعة ضمت لقى من عصور مختلفة مع أسطوانات طينية تحمل شروحا مكتوبة، ويعتقد أن ابنته إنيجالدي نانا (Ennigaldi-Nanna) أشرفت على هذه المجموعة، ولذلك يعدها كثير من الباحثين من أقدم النماذج المعروفة للمتحف. وفي المقابل، جمع الملك الآشوري آشوربانيبال في القرن السابع قبل الميلاد آلاف الألواح من مدن بابلية في مكتبته بنينوى.
ومن الجدير بالذكر أن بعض تقديرات نبونائيد التاريخية كانت مبالغا فيها، فقد نسب وديعة تأسيس إلى الملك الأكادي نارام سين وقدر عمرها بمدة تفوق كثيرا ما يقبله الباحثون اليوم. غير أن هذا الخطأ لا ينقص من قيمة المحاولة، لأنها تظهر رغبة حقيقية في الوصول إلى الأصل ومعرفة ما سبق.
3 - تطور النظرة إلى الماضي ومخلفاته عبر العصور
مع مرور القرون، تحولت النظرة إلى الماضي من التقديس والواجب الديني إلى الفضول والبحث. ففي القرن الخامس قبل الميلاد، زار المؤرخ اليوناني هيرودوت (Herodotus) مصر ودون ما شاهده من معابد وأهرامات. ثم جاء العصر الهلنستي فأسست الدولة البطلمية في الإسكندرية مؤسسة علمية ضمت المكتبة والموسيون (Mouseion) في القرن الثالث قبل الميلاد. وفي القرن الثاني الميلادي، ألف الرحالة بوسانياس (Pausanias) كتابه الشهير وصف بلاد اليونان، وهكذا انتقل الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم من الرعاية الطقسية إلى ما يشبه الهواية العلمية التي عرفت لاحقا باسم الأنتيكوارية (Antiquarianism).
وفي المقابل، لم يقتصر هذا التحول على اليونان، ففي القرن الأول قبل الميلاد كتب الروماني فارو (Varro) عن العادات والآثار الرومانية القديمة، وظهرت في الصين في القرون اللاحقة دراسات تصنف الأواني البرونزية وتنقل نقوشها. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الانتقال من الصيانة الطقسية إلى المعرفة المنظمة كان تدريجيا ومتعدد المراكز.
المبحث الثاني - دوافع الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم
المطلب الأول - الدوافع الدينية والعقائدية
1 - تقديس المعابد والمقابر وربطها بالآلهة
اعتقدت أغلب الشعوب القديمة أن المعبد بيت الإله، وأن الأرض التي بني عليها مقدسة لا يجوز التفريط فيها. ففي مصر، كانت المعابد مساكن للآلهة تقام فيها الطقوس اليومية، وفي بلاد الرافدين أعيد بناء المعبد فوق أنقاض سابقه مرات عديدة، حتى إن موقع إريدو (Eridu) كشف عن طبقات متعاقبة من المعابد في البقعة نفسها. وكذلك عرف الإغريق الحرم المقدس المسمى تيمينوس (Temenos)، وهو أرض مخصصة للإله لا يجوز العبث بها. ومن هنا كان الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم مرتبطا ارتباطا وثيقا بحماية المكان المقدس نفسه، لا بحماية البناء وحده.
وعلاوة على ما سبق، كان للمكان المقدس دور في حفظ الأثر نفسه، لأن الناس كانوا يخشون غضب الآلهة إذا انتهكت الأرض المقدسة، وهذه الخشية جعلت كثيرا من المواقع تنجو من الاعتداء مدة طويلة. وهكذا استند الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم إلى سلطة معنوية تفوق أحيانا سلطة القانون.
2 - الاعتقاد بالحياة بعد الموت وأثره في حفظ الآثار
آمن المصريون القدماء بأن الحياة تستمر بعد الموت، وأن المقبرة بيت أبدي يحتاج إلى القرابين والنصوص والتماثيل ليبقى الروح (الكا) حيا. ولهذا بنوا المقابر من الحجر وزينوها بالنقوش، وكتبوا على جدرانها صيغ حماية ولعنات تنذر من يعتدي عليها. وعلاوة على ذلك، شهد أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد حادثة لافتة، إذ نقل كهنة الأسرة الحادية والعشرين مومياوات ملوك الدولة الحديثة التي تعرضت للسرقة وأعادوا لفها ودفنوها في خبيئة بالدير البحري. وبالتالي حفظ الاعتقاد الديني جزءا مهما من التراث الملكي المصري حتى اكتشاف الخبيئة في العصر الحديث.
ومن جهة أخرى، لم يكن الحفظ في مصر مرتبطا بالمقابر وحدها، فقد أنشئت مؤسسات كهنوتية لرعاية طقوس الموتى وتقديم القرابين، وخصصت لها أوقاف من الأراضي في بعض العصور. وبذلك تحول الأثر إلى مؤسسة اقتصادية واجتماعية تستمر برعاية من يعتنون بها، وهو ما يفسر طول عمر الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم في وادي النيل.
3 - ترميم دور العبادة وصيانتها كواجب ديني
عد ملوك كثيرون ترميم دور العبادة واجبا مقدسا يرضي الآلهة ويجلب البركة للبلاد. فقد أقام الفرعون تحتمس الرابع في القرن الرابع عشر قبل الميلاد لوحة بين مخالب أبي الهول بالجيزة تروي أنه أزال الرمال عن التمثال بعد حلم رآه. وفي روما، سجل الإمبراطور أغسطس (Augustus) في وثيقة إنجازاته أنه رمم اثنين وثمانين معبدا في عام 28 قبل الميلاد، وقدم ذلك بوصفه إحياء للتقوى القديمة. وفي الهند، شيد الملك أشوكا الأبراج التذكارية المسماة ستوبا (Stupa) لحفظ مواضع مرتبطة ببوذا، وكل هذه الأمثلة تؤكد أن الدافع الديني كان من أقوى محركات الصيانة.
وفي هذا السياق، يلاحظ أن الترميم الديني كان يتم أحيانا بتوجيه من الكهنة أنفسهم، فهم أصحاب المعرفة بالطقوس ومكان كل عنصر في المعبد، ولذلك كانوا حراسا حقيقيين للأثر. وكذلك فإن إعلان الملك عن ترميمه للمعابد كان يمنحه رضا الكهنة وولاءهم، فيجتمع الدافع الديني بالسياسي في عمل واحد.
المطلب الثاني - الدوافع السياسية والسلطوية
1 - تخليد الملوك والحكام عبر الآثار والنقوش
أدرك الحكام القدماء أن الأثر المنقوش أطول عمرا من أي خطاب، فحرصوا على تخليد أسمائهم في الحجر. فقد كتب الملك الفارسي داريوس الأول (Darius I) نقش بيستون (Behistun) على جرف صخري عال في ثلاث لغات هي الفارسية القديمة والعيلامية والأكادية، ليروي انتصاراته نحو عام 520 قبل الميلاد. وكذلك وضع ملوك بلاد الرافدين لعنات على من يمحو نقوشهم أو يحطم أسماءهم، وبالإضافة إلى ذلك نسخ أغسطس وثيقة إنجازاته على أعمدة برونزية أمام ضريحه. ومما يعزز هذا التوجه أن الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم كان وسيلة لضمان الخلود السياسي لا الديني فقط.
وبالإضافة إلى ذلك، اختار داريوس موضع النقش بعناية على طريق مهم يربط بابل بإكباتانا، ليراه المارة، غير أن ارتفاعه الشاهق جعل قراءة تفاصيله مستحيلة من الأسفل. وهذا يبين أن القيمة الرمزية للأثر قد تتفوق على وظيفته العملية.
2 - إثبات شرعية الحكم بالارتباط بآثار السابقين
ارتبط كثير من الحكام بآثار السابقين ليثبتوا أنهم ورثة شرعيون لتقاليد عريقة. ففي مصر، أحيا ملوك الأسرة السادسة والعشرين في القرن السابع قبل الميلاد أساليب الدولة القديمة في الفن والنقش، وفي المقابل بنى البطالمة الذين ينحدرون من أصل مقدوني معابد ضخمة على الطراز المصري التقليدي كمعبد إدفو، ليظهروا بمظهر خلفاء الفراعنة. ومن جهة أخرى، لجأ بعض الملوك إلى انتحال آثار غيرهم، فقد أضاف رمسيس الثاني اسمه على منشآت سابقة، وهو ما يكشف الوجه السلطوي لهذا الاهتمام. وهكذا صار الأثر وثيقة سياسية تثبت النسب والحق.
كذلك فإن الملوك الذين جاءوا بعد عصور الضعف كانوا يحرصون على إظهار صلتهم بالأمجاد السابقة، ولهذا نجد تكرار ألقاب الأقدمين وأسمائهم في نقوش الأسرة السادسة والعشرين. ويتضح من ذلك أن الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم كان وسيلة لإضفاء المشروعية على الحكم، لا مجرد عناية بالحجارة.
3 - استعراض القوة والمكانة عبر المباني الضخمة
كانت المباني الضخمة رسالة قوة موجهة إلى الرعايا والأعداء معا. فالأهرامات تعبر عن سلطة الفرعون على الموارد البشرية، وقصور برسبوليس (Persepolis) التي بدأ داريوس الأول بناءها نحو 518 قبل الميلاد تعكس اتساع الإمبراطورية الأخمينية، وعمود تراجان في روما الذي أقيم عام 113 ميلاديا يخلد حملاته. وفي ضوء ذلك، كان صون هذه المباني بعد وفاة بانيها جزءا من ترسيخ هيبة الدولة، لأن انهيار الصرح كان يعد في وعي الناس إشارة إلى انهيار صاحبه. وعلاوة على ما سبق، عرضت الجيوش المنتصرة غنائمها من الآثار في مواكب النصر الرومانية.
المطلب الثالث - الدوافع الاجتماعية والثقافية
1 - حفظ الذاكرة الجماعية وتعزيز الهوية
ساعدت الآثار الشعوب القديمة على حفظ ذاكرتها الجماعية (Collective Memory) وتأكيد هويتها. فقد نقش الملك المصري سيتي الأول قائمة أبيدوس الملكية في معبده، وتضم أسماء أسلافه من الملوك، رغم أنها أغفلت ملوكا لم يرضوا عنهم مثل حتشبسوت. وفي بلاد الرافدين، دونت قوائم الملوك السومرية تسلسل الحكام منذ عصور بعيدة. وفي هذا الإطار، كانت المواقع الكبرى كدلفي وأولمبيا (Olympia) مجالا يجتمع فيه الإغريق على اختلاف مدنهم، فيشعرون بانتمائهم إلى ثقافة واحدة. وبذلك أدى الأثر وظيفة اجتماعية عميقة تتجاوز بعده المادي.
2 - الفخر بالأجداد ونقل التراث إلى الأجيال
اقترن الاهتمام بالآثار بالفخر بالأجداد ورغبة الآباء في توريث تراثهم للأبناء. فقد احتفظ الإنكا في بيرو بمومياوات حكامهم السابقين وقدموا لها الطعام والرعاية كأنها أحياء، وأبقى الرومان أقنعة الشمع لأجدادهم في بيوتهم وأقاموا مقابر العائلات على جانبي الطريق الأبي. وفي المقابل، عبد الإغريق في العصور اللاحقة أبطالا مرتبطين بمقابر من العصر البرونزي، فكانوا يقدمون القرابين عندها. وبناء على ذلك، كانت الأجيال تتلقى التراث بوصفه ميراثا حيا يستحق الحماية، وهو ما يفسر الاستمرار الطويل لهذا الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم.
3 - الفضول المعرفي وجمع التحف النادرة
لم يكن الدافع دينيا أو سياسيا دائما، فقد حرك الفضول المعرفي كثيرا من الأفراد. فقد جمع الأثرياء الرومان التماثيل والتحف اليونانية بعد فتح كورنثة عام 146 قبل الميلاد، وملأوا بها بيوتهم وحدائقهم. وفي الصين، اكتشف الناس أوان برونزية قديمة وعدوها كنوزا تستحق الدراسة، ثم ازداد هذا الميل في عصر أسرة سونغ بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين. ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور هدريان (Hadrian) زار بلاد اليونان ومصر وأعجب بآثارها، فأقام في فيلته بتيفولي نماذج من عمارة الأقاليم التي زارها. وهكذا اتسع هذا الميل إلى الجمع والدراسة مع ازدهار الحضارات.
المبحث الثالث - مظاهر الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم
المطلب الأول - مظاهر الاهتمام بالآثار في مصر القديمة وبلاد الرافدين
1 - ترميم المعابد والمقابر وتجديد النقوش في مصر القديمة
يبرز الأمير خع إم واس (Khaemwaset) ابن رمسيس الثاني، وكان كاهنا أعظم لبتاح في منف خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، بوصفه أشهر مرمم في التاريخ المصري، إذ رمم أهرامات ملوك الدولة القديمة ونقش عليها أسماء أصحابها وبيانا بما أنجزه، ولذلك لقبه الباحثون بأول عالم مصريات. وبالإضافة إلى ذلك، كشفت لوحة شباكا (Shabaka Stone) عن اهتمام ملك كوشي من الأسرة الخامسة والعشرين في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد بنسخ نص ديني قديم متآكل على الحجر. ومن هذه الأمثلة يتضح أن الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم في مصر كان ممارسة مؤسسية متكررة.
ومما يعزز أهمية عمله أنه لم يكتف بالترميم، بل ترك نقوشا على الأهرامات تعرف بصاحب كل هرم وتذكر أنه أمر بتجديده، وهي من أقدم الوثائق التي تثبت عناية مرمم بتحديد هوية الأثر. وفي ضوء ذلك، يحق لنا أن نعد الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم في مصر ممارسة واعية بالتاريخ وليست رد فعل عابرا.
2 - العناية بالألواح والمدونات في بلاد الرافدين
اهتم الكتبة في بلاد الرافدين بنسخ النصوص القديمة وحفظها جيلا بعد جيل، فقد درست مدارس نيبور (Nippur) في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد الأدب السومري القديم ونسخته مرارا مع أن اللغة السومرية لم تعد لغة التخاطب. وفي المقابل، حرص الكتبة على ختم الألواح بعبارات تسمى كولوفون (Colophon) تضم اسم الناسخ وتلعن من يسرق اللوح أو يمحو اسمه. وبالتالي وصلت إلينا نصوص مثل ملحمة جلجامش (Epic of Gilgamesh) في نسخ متعددة. ويظهر ذلك أن النص المكتوب عد أثرا ثمينا يجب صونه بالنسخ والتوثيق.
3 - حفظ الأرشيفات والمكتبات الملكية
تؤكد الاكتشافات أن الشعوب القديمة أنشأت أرشيفات ومكتبات ضخمة لحفظ المعرفة. ففي مدينة إبلا (Ebla) بسوريا، عثر على أرشيف يعود إلى نحو 2400 قبل الميلاد يضم آلاف الألواح الطينية، وفي مدينة ماري أرشيف دبلوماسي هام. ثم جاءت مكتبة آشوربانيبال في نينوى التي ضمت ألواحا في الأدب والفلك والطب والعرافة. وفي مصر، عرفت المعابد دورا للكتابة تسمى بيت الحياة (Per Ankh) نسخت فيها النصوص الدينية والعلمية. وعلاوة على ذلك، تعد هذه المؤسسات من أبرز مظاهر الاهتمام بالآثار المدونة التي وفرت لنا اليوم معرفة مباشرة بتلك الحضارات.
المطلب الثاني - مظاهر الاهتمام بالآثار عند اليونان والرومان
1 - حماية المعابد والتماثيل والمواقع المقدسة
اعتنى الإغريق بحماية مواقعهم المقدسة، فاعتبروا الحرم الديني مصونا لا يعتدى عليه، وهو ما يعرف بالحصانة (Asylia). وبعد أن دمر الفرس معابد الأكروبول بأثينا عام 480 قبل الميلاد، أعاد الأثينيون استعمال أجزاء من الأعمدة المتضررة في السور الشمالي للقلعة، ثم بنوا الباثينون بين عامي 447 و432 قبل الميلاد. وفي المقابل، أعاد الإمبراطور هدريان بناء البانثيون (Pantheon) نحو عام 126 ميلاديا مع الإبقاء على نقش أغريبا الأصلي. وفي عام 458 ميلاديا، أصدر الإمبراطور ماجوريان (Majorian) أمرا يمنع هدم المباني القديمة لاستخراج حجارتها.
وبناء على ما تقدم، يظهر أن الحماية كانت تقوم على ركيزتين هما التقديس الديني والتشريع الرسمي، وفي بعض الأحيان تتدخل الدولة بالعقوبة على من يعتدي على المنشآت العامة. ومن هنا نلاحظ أن الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم في العالم المتوسطي انتقل تدريجيا من العرف إلى القانون المكتوب.
2 - جمع التحف وعرضها في المعابد والمجمعات العامة
عرف الإغريق عرض التحف في خزائن المعابد، فضمت خزائن دلفي وأولمبيا هدايا مدن كثيرة، وأصبحت أشبه بمتاحف مفتوحة. ثم أنشأ ملوك بيرغامون والبطالمة مجموعات ملكية ضخمة في العصر الهلنستي. وفي روما، نقل القائد مارسيلوس (Marcellus) كنوز سيراكوزة عام 212 قبل الميلاد، ونقل مومّيوس تحفا من كورنثة عام 146 قبل الميلاد. وبالإضافة إلى ذلك، أنشأ الإمبراطور فسباسيان معبد السلام في روما وعرض فيه أعمالا فنية وغنائم، فصار مجمعا عاما للزوار. ومن هنا فإن الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم شمل العرض العام إلى جانب الصيانة.
3 - وصف المؤرخين والرحالة للآثار وتوثيقها
أسهم المؤرخون والرحالة اليونان والرومان في توثيق الآثار توثيقا مبكرا. فقد دون هيرودوت مشاهداته في مصر وبابل، ووصف سترابو (Strabo) في كتابه الجغرافيا مدنا ومعالم زارها في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، وألف بوليمون الإليومي (Polemon of Ilium) في القرن الثاني قبل الميلاد مؤلفات عن النذور والتماثيل في الأكروبول وغيره. وفي القرن الثاني الميلادي، سجل بوسانياس في عشرة كتب مواقع بلاد اليونان ومعابدها وتماثيلها. وبالتالي أصبحت هذه الكتب مرجعا للمنقبين المحدثين الذين استعانوا بها في الوصول إلى مواقع مثل أولمبيا.
المطلب الثالث - مظاهر الاهتمام بالآثار عند الصين والهند والحضارات الأخرى
1 - العناية بالمباني والأسوار والمعابد في الصين القديمة
أولى الصينيون القدماء عناية خاصة بالمباني الجماعية وبمعابد الأسلاف. فقد ربط الإمبراطور تشين شي هوانغ (Qin Shi Huang) نحو عام 221 قبل الميلاد أجزاء من أسوار سابقة، ثم وسعها ملوك الهان ورمم الأباطرة اللاحقون السور العظيم، وبلغ ذروة عمرانه في عهد أسرة مينغ بين القرنين الرابع عشر والسابع عشر. وفي المقابل، زار المؤرخ سيما تشيان (Sima Qian) نحو عام 100 قبل الميلاد مواطن الحكماء كموطن كونفوشيوس. وبالإضافة إلى ذلك، نقشت نصوص الكلاسيكيات على ألواح حجرية في عهد الهان الشرقية بين عامي 175 و183 ميلاديا ضمانا لسلامتها.
2 - صيانة المنشآت الدينية والنقوش في الهند القديمة
تجلى الاهتمام في الهند القديمة بأوضح صورة في عهد الإمبراطور أشوكا (Ashoka) الذي حكم في القرن الثالث قبل الميلاد، فقد نقش مراسيمه على الصخور والأعمدة، وزار موضع لومبيني (Lumbini) وأقام عمودا يشير إلى مولد بوذا فيه. ومن جهة أخرى، رمم الحاكم رودرادامان (Rudradaman) في نحو عام 150 ميلاديا سد بحيرة سودارشانا وسجل ذلك على الصخرة نفسها التي حملت نقش أشوكا من قبل. وكذلك نقش الملك سامودراغوبتا مدحه على عمود أشوكا في الله آباد. وفي ضوء ذلك، حفظ الحجاج الصينيون أمثال فاشيان (Faxian) وشوانزانغ (Xuanzang) أوصافا لهذه المعالم.
وعلاوة على ذلك، يظهر نقش رودرادامان أن الصيانة كانت تتصل بالمنفعة العامة كذلك، فالسد يخدم الري والزراعة، ولذلك امتزج حفظ الأثر بحفظ المصلحة الاقتصادية. وهذا يبين أن الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم لم يقتصر على المعابد والمقابر، بل شمل منشآت الخدمة العامة.
3 - مظاهر الحفاظ على الآثار عند العرب القدماء والحضارات الأمريكية
عرف العرب القدماء صيانة المنشآت ذات القيمة، فقد حمى الأنباط مقابرهم في الحجر بنقوش تنص على غرامات وعقوبات على من يعتدي عليها، وهو ما تثبته نقوش مدائن صالح. وفي اليمن، صان السبئيون سد مأرب وأصلحوه عبر قرون طويلة، وبقيت نقوش الإصلاح شاهدة على ذلك. وفي الأمريكتين، وسع الأزتك المعبد الأكبر (Templo Mayor) في تينوختيتلان على مراحل متعاقبة، وعثر في دفائنه على قطع من تيوتيهواكان (Teotihuacan) المدينة التي أجلوها. وبالمثل، قدس الإنكا موقع تياوانآكو (Tiwanaku) وبحيرة تيتيكاكا بوصفهما أصلا لنسبهم.
وفي المقابل، تعد نقوش الأنباط وثائق قانونية مهمة، لأنها تحدد من يحق له الدفن في القبر وتذكر مبالغ الغرامات المقررة، وهو ما يظهر وعيا بحماية الملكية والذاكرة الأسرية معا. وفي ضوء ذلك، نجد أن الحماية القانونية للمقابر سبقت بقرون كثيرة القوانين الحديثة لحماية التراث.
| الحضارة | أبرز مظاهر الاهتمام | الدافع الأبرز | مثال موثق |
|---|---|---|---|
| مصر القديمة | ترميم الأهرامات والمعابد ونسخ النصوص | ديني وسياسي | خع إم واس، ولوحة شباكا |
| بلاد الرافدين | ودائع التأسيس، والمكتبات، والتنقيب عن الأسس | ديني ومعرفي | نبونائيد، وآشوربانيبال |
| اليونان | حماية الأحرام وعرض التحف ووصف الآثار | ديني وثقافي | الأكروبول، وبوسانياس |
| روما | ترميم المعابد وجمع التحف وسن التشريعات | سياسي وثقافي | أغسطس، وماجوريان |
| الصين | ترميم الأسوار وصيانة النصوص الحجرية | سياسي وتاريخي | السور العظيم، ونصوص الهان |
| الهند | إقامة الستوبا ونقش المراسيم وصيانة السدود | ديني وسياسي | أشوكا، ورودرادامان |
| الأنباط واليمن | حماية المقابر وصيانة سد مأرب | اجتماعي واقتصادي | مدائن صالح، وسد مأرب |
| الأزتك والإنكا | توسيع المعابد وتقديس المواقع القديمة | ديني وأسري | المعبد الأكبر، وتياوانآكو |
المبحث الرابع - أهمية الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم
المطلب الأول - الأهمية التاريخية والعلمية
1 - إسهام الاهتمام بالآثار في حفظ مصادر التاريخ
حفظ الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم لنا مصادر ما كانت لتصل لولاه. فلولا نسخ كتبة بلاد الرافدين لملحمة جلجامش ولولا مكتبة نينوى، لضاع هذا النص العظيم. وكذلك فإن مرسوم حجر رشيد (Rosetta Stone) الذي صدر عام 196 قبل الميلاد في عهد بطليموس الخامس كتب بثلاثة خطوط ليعرض في المعابد، وقد اكتشف عام 1799 وفك شامبليون رموز الهيروغليفية اعتمادا عليه عام 1822. وبالمثل، ساعد نقش بيستون هنري رولنسون (Henry Rawlinson) في فك المسمارية في القرن التاسع عشر.
ومن الجدير بالذكر أن إعداد المرسوم بثلاثة خطوط هو في ذاته مظهر من مظاهر الاهتمام بالتوثيق، لأن كتبته أرادوا أن يفهمه الكهنة والإداريون واليونانيون على حد سواء، فكتبوه بالهيروغليفية والديموطيقية واليونانية. ولذلك لم يكن حجر رشيد صدفة، بل ثمرة سياسة قديمة في عرض النصوص على الناس.
2 - دعم الدراسات الأثرية والتأريخ الحديث
زودت الأعمال القديمة في الترميم والتدوين الباحثين بخيوط ثمينة في بناء التسلسل الزمني. فقوائم الملوك كقائمة أبيدوس وبردية تورين وقوائم السومريين ساعدت المؤرخين على ترتيب الأسر والعصور، ونقوش الترميم تساعد على فهم تاريخ بناء الأثر. ومن جهة أخرى، اعتمد المنقبون الأوائل على الكتب القديمة، فاستعان هاينريش شليمان (Heinrich Schliemann) بوصف بوسانياس في تنقيباته بميكيناي عام 1876، وانطلقت بعثة ألمانية في أولمبيا بين عامي 1875 و1881 مستفيدة من وصف الرحالة نفسه. وهكذا تحولت جهود القدماء إلى جسر نحو الدراسة الحديثة.
3 - فهم تطور الفنون والعمارة والكتابة
ساعد هذا الاهتمام في فهم تطور الفنون والعمارة والكتابة عبر العصور. فقد نسخ الرومان تماثيل يونانية كثيرة، وبفضل هذه النسخ نعرف اليوم ملامح أعمال فقدت أصولها. وفي مصر، يبين تجديد الأسرة السادسة والعشرين لأساليب الدولة القديمة كيف يعاد إحياء الفن بوعي تاريخي. وفي بلاد الرافدين، كشفت الألواح المنسوخة عبر قرون تغير الخط المسماري وتطور اللغة الأكادية. وبناء على ذلك، يتيح لنا ما صانه القدماء أن نتتبع مراحل نمو الفن والعمارة والكتابة، وأن نقارن بين الحضارات بمنهج أدق.
المطلب الثاني - الأهمية الحضارية والاقتصادية
1 - ترسيخ الهوية الحضارية وصلة الأجيال بماضيها
تترسخ الهوية الحضارية حين تجد الأجيال ماضيها حاضرا أمامها، وهذا ما أدركته الشعوب القديمة بالفطرة. فاستمرار مواقع مثل الأهرامات والأكروبول والسور العظيم وبترا وماتشو بيتشو جعلها رموزا لشعوبها حتى اليوم، وأصبحت الآثار ركنا من الوعي الوطني في مصر والعراق واليونان وإيطاليا والصين وبيرو. وعلاوة على ذلك، تمنح هذه المعالم الأطفال والشباب فرصة لقراءة تاريخهم قراءة مباشرة. وفي هذا السياق، يبقى الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم مثالا يبين أن الأمة التي تصون ماضيها تصون جزءا من مستقبلها.
2 - دور الآثار في السياحة الثقافية والتنمية
أصبحت المواقع الأثرية التي صانها القدماء وحفظتها الأجيال اللاحقة محركا مهما للسياحة الثقافية (Cultural Tourism)، فهي توفر فرص عمل وتنشط الحرف والخدمات وتجذب الاستثمار. وقد تبنت منظمة اليونسكو عام 1972 اتفاقية حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي، وصارت قائمة التراث العالمي تضم مواقع مثل منطقة الأهرامات وبترا والسور العظيم وماتشو بيتشو. ويمكن الاطلاع على تفاصيل القائمة عبر مركز التراث العالمي التابع لليونسكو. ومن الجدير بالذكر أن تحقيق التنمية يتطلب توازنا دقيقا بين الاستثمار والصون.
3 - الدروس المستفادة لحماية التراث اليوم
تقدم تجارب القدماء دروسا عملية لحماية التراث في عصرنا. فالصيانة الدورية التي مارسها الملوك والكهنة أفضل من انتظار الانهيار، والتشريعات الواضحة كأمر ماجوريان تردع الاعتداء، والتوثيق المبكر كما فعل بوسانياس ينقذ المعلومات من الضياع. وفي المقابل، تحذرنا وقائع النهب مثل سرقة المقابر المصرية ونهب غنائم كورنثة وإعادة استعمال حجارة المباني القديمة من أخطار الجشع والإهمال. وبالتالي ينبغي اليوم تدريب المختصين وتوعية المجتمع وتحديث القوانين، وهكذا نتبع نهجا قديما بوسائل جديدة.
الخاتمة
يتضح مما سبق أن الاهتمام بالآثار عند شعوب العالم القديم لم يكن سلوكا عابرا، بل كان نتاج دوافع متشابكة جمعت بين الاعتقاد الديني والطموح السياسي والاعتزاز بالأجداد والفضول المعرفي. فقد رمم المصريون أهرامات أسلافهم، وجمع البابليون لقى الماضي، وحمى الإغريق والرومان معابدهم وعرضوا تحفهم، وأقام الصينيون والهنود نقوشا وأسوارا ومعابد، وصان العرب القدماء والأمريكيون مقابرهم وسدودهم ومعابدهم الكبرى.
وفي ضوء ذلك، تبين أن هذا الاهتمام حفظ لنا مصادر التاريخ، وأسهم في فك رموز الكتابات القديمة، ومهد الطريق للدراسات الأثرية الحديثة، كما رسخ الهوية الحضارية للشعوب وفتح الباب أمام السياحة الثقافية والتنمية. ومما يعزز قيمة هذه التجارب أنها أنتجت ممارسات ما زالت صالحة، كالصيانة الدورية والتشريع والتوثيق.
وبناء على ما تقدم، نوصي بتعزيز التشريعات التي تحمي المواقع الأثرية، وتكثيف التدريب على الترميم والتوثيق، ونشر الوعي بقيمة التراث في المدارس ووسائل الإعلام، وإشراك المجتمعات المحلية في صون ما يحيط بها من آثار. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها المادية تضمن لأجيالها القادمة جذورا ثابتة وأفقا أوسع.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه