تشكل الإمبراطورية البيزنطية امتدادا شرقا للنظام الروماني وطرازا حضارياً فريداً. يستعرض هذا البحث نشأتها منذ تأسيس القسطنطينية، مبرزاً محطات تطورها التاريخي والسياسي ودورها المحوري في حماية التراث القديم.
مقدمة
تمهيد عام
يعد موضوع الإمبراطورية البيزنطية من أهم موضوعات التاريخ الوسيط، لأنها امتدت نحو أحد عشر قرنا بين العالم القديم والعالم الحديث، وجمعت بين الإرث الروماني والثقافة الإغريقية والعقيدة المسيحية الشرقية. وقد شكلت جسرا حضاريا بين أوروبا وآسيا، وكانت عاصمتها القسطنطينية مركزا سياسيا وتجاريا ودينيا فريدا.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تسمية بيزنطية لم تكن معروفة عند أهلها، فقد كانوا يسمون أنفسهم رومانا ويعدون دولتهم امتدادا مباشرا لروما، ولم يشع الاسم المتداول اليوم إلا بعد أن استعمله المؤرخ الألماني هيرونيموس وولف في القرن السادس عشر الميلادي ليميز هذه المرحلة عن تاريخ روما القديمة. ومن هنا تتضح أهمية فهم هذه الدولة من داخل تصورها لنفسها، لا من خلال الأحكام اللاحقة عليها.
إشكالية المقال
كيف نشأت الإمبراطورية البيزنطية من رحم الإمبراطورية الرومانية، وما المراحل التي مرت بها في تطورها التاريخي من التأسيس إلى السقوط، وما العوامل الداخلية والخارجية التي صنعت قوتها ثم أدت إلى ضعفها؟
أسباب اختيار الموضوع
السبب الذاتي
يتمثل في الميل الشخصي إلى دراسة التاريخ الوسيط، والاهتمام بتاريخ الحضارات التي ربطت بين الشرق والغرب.
السبب الموضوعي
تتجلى في الأهمية العلمية للإمبراطورية البيزنطية في فهم تاريخ أوروبا الشرقية والعالم الإسلامي والحروب الصليبية، وفي حاجة المكتبة العربية إلى دراسات مبسطة ومنظمة عن نشأتها وتطورها.
أهداف المقال
- بيان الجذور التاريخية لنشأة الإمبراطورية البيزنطية.
- تتبع مراحل تطور الإمبراطورية البيزنطية سياسيا وإداريا ودينيا.
- إبراز أهم الأباطرة والأحداث المفصلية في تاريخها.
- تحليل أسباب ضعف الإمبراطورية البيزنطية وسقوطها سنة 1453م.
المناهج المستخدمة
- المنهج التاريخي - لتتبع الأحداث وفق تسلسلها الزمني.
- المنهج الوصفي - لعرض الأوضاع السياسية والإدارية والدينية.
- المنهج التحليلي - لتفسير الأسباب والنتائج وربط الأحداث ببعضها.
عرض خطة المقال
يتناول المقال نشأة الإمبراطورية البيزنطية وتطورها التاريخي في أربعة مباحث، يتناول الأول نشأة الإمبراطورية البيزنطية، ويعالج الثاني عصر القوة والتوسع، ويدرس الثالث التحديات والتحولات الكبرى، ويخصص الرابع لمرحلة الضعف والسقوط، ثم تأتي خاتمة تضم أهم النتائج.
المبحث الأول - نشأة الإمبراطورية البيزنطية وجذورها التاريخية
لم تولد الإمبراطورية البيزنطية في يوم محدد أو بقرار واحد، بل تشكلت عبر مسار طويل من التحولات داخل الدولة الرومانية نفسها، ولذلك يتفق المؤرخون على أن ولادتها كانت تدريجية. وفي هذا السياق، سنتتبع في هذا المبحث الجذور الرومانية، ثم دور قسطنطين الأول، ثم لحظة الانقسام التي رسخت الهوية الجديدة.
المطلب الأول - الجذور الرومانية للإمبراطورية البيزنطية
1 - أزمة الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي
عرفت روما بين سنتي 235م و284م مرحلة اضطراب شديد سماها المؤرخون أزمة القرن الثالث، حيث تعاقب على العرش عشرات الأباطرة، وقتل أغلبهم في انقلابات عسكرية. وفي الوقت نفسه ضغطت القبائل الجرمانية على الحدود الغربية والشمالية، بينما واجهت الدولة الساسانية في الشرق بعد أن حلت محل الدولة البرثية، كما تدهورت قيمة العملة وارتفعت الأسعار وتراجعت التجارة.
وبناء على ذلك، أدرك القادة أن النظام الذي صممه أغسطس لم يعد قادرا على إدارة رقعة جغرافية تمتد من بريطانيا إلى الفرات. ومن جهة أخرى، كشفت الأزمة أن مركز الثقل الاقتصادي والبشري يتحرك تدريجيا نحو الشرق، وهو ما مهد لاحقا لنقل مركز القرار إليه.
2 - إصلاحات دقلديانوس ونظام الحكم الرباعي
وصل دقلديانوس إلى الحكم سنة 284م، فباشر إصلاحات واسعة أنهت مرحلة الفوضى. ومن أبرز ما فعله اعتماد نظام الحكم الرباعي (Tetrarchy)، أي توزيع السلطة على أربعة حكام هم إمبراطوران كبيران ونائبان لهما، وذلك سنة 293م تقريبا، بهدف تسريع الاستجابة للأخطار في الأقاليم المتباعدة.
وعلاوة على ذلك، أعاد دقلديانوس تنظيم الأقاليم وفصل السلطة المدنية عن العسكرية، وحاول ضبط الأسعار والضرائب. واتخذ نيقوميديا في آسيا الصغرى مقرا له، وكان ذلك مؤشرا واضحا على تحول مركز الإمبراطورية نحو الشرق، وإن ظلت روما رمزا سياسيا وتاريخيا.
3 - أهمية الشرق الروماني اقتصاديا وحضاريا
كان الشرق الروماني يضم مصر والشام وآسيا الصغرى واليونان، وهي أقاليم عريقة المدن كثيفة السكان، تقوم على الزراعة الغنية والصناعات الحرفية والتجارة البحرية والبرية. وكانت الإسكندرية وأنطاكية وأفسس من أكبر المراكز الحضرية في العالم المتوسطي، وتحتضن مدارس علمية وفلسفية ودينية مؤثرة.
ومما يعزز هذا التفوق أن اللغة الإغريقية كانت لغة الثقافة والتجارة في هذه الأقاليم منذ العصر الهلنستي، بينما بقيت اللاتينية لغة الإدارة والجيش في معظم الأحيان. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الإمبراطورية البيزنطية ورثت قاعدة اقتصادية وبشرية أقوى بكثير مما ورثه الغرب الروماني.
المطلب الثاني - قسطنطين الأول وتأسيس القسطنطينية
1 - صعود قسطنطين الأول إلى الحكم وتوحيد الإمبراطورية
أعلنت جيوش بريطانيا قسطنطين إمبراطورا سنة 306م بعد وفاة أبيه قسطنطيوس كلوروس في يورك، ثم خاض صراعا طويلا مع منافسيه داخل نظام الحكم الرباعي. وفي سنة 312م انتصر على ماكسنتيوس عند جسر ميلفيان قرب روما، فاستقرت له السيطرة على الغرب.
وبعد ذلك، واجه قسطنطين شريكه ليكينيوس الذي حكم الشرق، وحسم الصراع لصالحه سنة 324م في معركة خريسوبوليس قرب البوسفور، فانفرد بحكم الإمبراطورية كلها. وهكذا أصبحت الدولة موحدة تحت سلطة رجل واحد للمرة الأولى منذ عقود.
2 - مرسوم ميلانو وتحول الدولة نحو المسيحية
أصدر قسطنطين وليكينيوس سنة 313م ما عرف بمرسوم ميلانو، وهو اتفاق منح حرية العبادة لأتباع جميع الديانات ومنهم المسيحيون، وأعاد إليهم ما صودر من ممتلكات الكنائس. ولم يكن هذا المرسوم إعلانا لدين رسمي، لكنه أنهى مرحلة الاضطهاد الكبير التي بدأت في عهد دقلديانوس.
وفي هذا الإطار، دعا قسطنطين إلى مجمع نيقية سنة 325م لمعالجة الخلاف العقدي حول طبيعة المسيح، فظهر الإمبراطور بوصفه راعيا للوحدة الكنسية. ومن جهة أخرى، لم تصبح المسيحية الدين الرسمي الوحيد إلا في عهد تيودوسيوس الأول أواخر القرن الرابع، وهو ما يبين أن التحول كان متدرجا.
3 - اختيار موقع بيزنطة وتأسيس القسطنطينية سنة 330م
كانت بيزنطة مدينة إغريقية قديمة أسسها مستوطنون من ميغارا في القرن السابع قبل الميلاد على الضفة الأوروبية من البوسفور. وقد اختارها قسطنطين لتكون عاصمة جديدة، فأعاد بناءها وتوسيعها وزينها بالأساطين والميادين والكنائس، ثم دشنها رسميا في الحادي عشر من مايو سنة 330م باسم روما الجديدة، وعرفت بعد ذلك باسم القسطنطينية.
وبالإضافة إلى ذلك، أنشأ فيها مجلسا للشيوخ وجلب إليها الموظفين والأسر الكبيرة، كما شيدت بها ميدان سباق الخيل (Hippodrome) الذي أصبح مركزا للحياة العامة. ومن هذه اللحظة بدأ مركز الإمبراطورية يستقر في الشرق بصورة دائمة.
4 - المميزات الجغرافية والاستراتيجية للعاصمة الجديدة
يقع موقع القسطنطينية عند ملتقى قارتين، ويتحكم في مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يربطان البحر الأسود ببحر إيجة والبحر المتوسط، ولذلك كان بوسع الدولة مراقبة التجارة البحرية وفرض الرسوم عليها. وتحيط بالمدينة المياه من ثلاث جهات تقريبا، مما جعل الدفاع عنها أيسر من غيرها.
وفي المقابل، لم يكتف البيزنطيون بالحماية الطبيعية، فقد بنوا لاحقا في عهد تيودوسيوس الثاني أسوارا برية ضخمة مزدوجة، بقيت قرونا طويلة من أقوى التحصينات في العالم. وبذلك أصبحت العاصمة قلعة اقتصادية وعسكرية في آن واحد، وكانت سببا رئيسيا في بقاء الإمبراطورية البيزنطية بعد انهيار الغرب.
المطلب الثالث - انقسام الإمبراطورية الرومانية وبداية الدولة البيزنطية
1 - تقسيم الإمبراطورية بعد وفاة تيودوسيوس الأول سنة 395م
توفي الإمبراطور تيودوسيوس الأول سنة 395م، فقسم الحكم بين ابنيه، إذ تولى أركاديوس الشطر الشرقي من القسطنطينية، وتولى هونوريوس الشطر الغربي. ولم يكن التقسيم جديدا في فكرته، فقد سبق أن حكم الإمبراطورية أكثر من حاكم في أزمنة مختلفة.
غير أن هذا التقسيم كان في الواقع نهائيا، لأن الشطرين تباعدا سياسيا وثقافيا ولم يعودا يجتمعان تحت حاكم واحد بصورة دائمة. ومن هنا يعتمد كثير من الباحثين سنة 395م نقطة بداية عملية لتاريخ الدولة الشرقية.
2 - سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476م
أنهكت الغزوات الجرمانية الغرب الروماني، فاستقر القوط الغربيون والوندال والفرنجة وغيرهم داخل أراضيه، وتراجعت مداخيل الدولة وجيشها. وفي سنة 476م خلع القائد أودواكر الإمبراطور الصغير رومولوس أغسطس، وأرسل شارات الحكم إلى القسطنطينية، فانتهت سلسلة الأباطرة في الغرب.
وفي ضوء ذلك، بقي في الساحة إمبراطور واحد هو حاكم القسطنطينية، وصار يعد نفسه الوريث الشرعي لروما كلها. وعلى هذا الأساس تحولت الإمبراطورية البيزنطية إلى الممثل الوحيد للتقليد الإمبراطوري الروماني.
3 - استمرار الإمبراطورية الشرقية وتشكل الهوية البيزنطية
نجا الشرق من مصير الغرب لأسباب عدة، منها غنى أقاليمه وكثافة مدنه ومتانة عاصمته، وقدرته على دفع الأموال لبعض الخصوم أو تحويل وجهتهم نحو الغرب. وفضلا عن ذلك، حافظ جهاز الدولة على الضرائب المنتظمة والجيش المحترف، وهو ما افتقر إليه الغرب.
ومع مرور الزمن، تبلورت هوية جديدة تمزج بين الفكرة الإمبراطورية الرومانية واللغة والثقافة الإغريقيتين والعقيدة المسيحية. وكانت هذه الهوية تجعل البيزنطي يرى نفسه رومانيا، وفي الوقت نفسه ابنا للتراث الإغريقي والمسيحي الشرقي.
4 - أثر اللغة الإغريقية والمسيحية الأرثوذكسية في بناء الدولة
أدت اللغة الإغريقية دورا حاسما في توحيد الثقافة والإدارة، إذ كتبت بها مؤلفات اللاهوت والتاريخ والقانون، وصارت لغة الكنيسة والبلاط تدريجيا. أما المسيحية الأرثوذكسية (Orthodoxy) فمنحت الدولة تصورا لنفسها قائما على أن الإمبراطور نائب عن الله في رعاية شعبه وحماية الإيمان القويم.
وبالإضافة إلى ذلك، ارتبط الإمبراطور بالكنيسة ارتباطا وثيقا، فكان يشارك في المجامع ويعين كبار رجال الدين في كثير من الأحيان. ومن جهة أخرى، لم تكن العلاقة دائما هادئة، فقد ظهرت خلافات عقدية حادة سنعرض لها في المباحث اللاحقة.
| وجه المقارنة | الشطر الغربي | الشطر الشرقي |
|---|---|---|
| العاصمة | روما ثم ميلانو ثم رافينا | القسطنطينية |
| اللغة الغالبة | اللاتينية | الإغريقية في الثقافة والمجتمع |
| البنية الاقتصادية | أرياف واسعة ومدن أقل ثراء | مدن كبرى وتجارة نشطة |
| المصير التاريخي | سقط رسميا سنة 476م | استمر حتى سنة 1453م |
المبحث الثاني - الإمبراطورية البيزنطية في عصر القوة والتوسع
بعد أن استقرت الدولة الشرقية في القرن الخامس، دخلت مرحلة جديدة اتسمت بالطموح الكبير والتنظيم المحكم. وفي هذا المبحث نقف عند عهد جستنيان الذي حاول إحياء روما، ثم عند البنية القانونية والإدارية، ثم عند الصراع الفارسي الذي اختبر قدرة الإمبراطورية البيزنطية على الصمود.
المطلب الأول - عهد جستنيان الأول وحلم استعادة المجد الروماني
1 - وصول جستنيان إلى الحكم والإمبراطورة ثيودورا
تولى جستنيان الأول الحكم سنة 527م بعد عمه جستين الأول الذي كان قد رفعه إلى مرتبة المشاركة في السلطة. وكان رجلا شديد النشاط، ذا تعليم قانوني ولاهوتي، يؤمن بأن مهمته استعادة وحدة العالم الروماني والعقيدة معا.
وإلى جانبه برزت زوجته ثيودورا، وهي امرأة من أصول متواضعة بلغت مكانة سياسية رفيعة، وأدت دورا مهما في القرارات الكبرى، ولا سيما في أحلك لحظات الأزمة سنة 532م. ومن الجدير بالذكر أن المصادر المعاصرة، مثل كتابات بروكوبيوس، تتفاوت في تصويرها بين المديح والذم، مما يدعو إلى الحذر في قراءتها.
2 - حملات استرداد شمال إفريقيا وإيطاليا وجنوب إسبانيا
قاد القائد بيليساريوس سنة 533م حملة ضد مملكة الوندال في شمال إفريقيا، فحقق نصرا سريعا في سنة 534م وأعاد قرطاج إلى الحكم الإمبراطوري. وبعد ذلك بدأت الحرب في إيطاليا ضد القوط الشرقيين سنة 535م، وهي حرب طالت قرابة عقدين، وانتهت بسيطرة القائد نرسيس على معظم شبه الجزيرة الإيطالية.
وفي سنة 552م تقريبا استغل البيزنطيون نزاعا داخل مملكة القوط الغربيين في إسبانيا، فسيطروا على شريط ساحلي في الجنوب الشرقي منها. ومع ذلك، كلفت هذه الحملات الخزينة أموالا هائلة، وأنهكت الأقاليم، وتركت الإمبراطورية البيزنطية أكثر عرضة للأخطار على حدودها الشرقية والبلقانية.
3 - ثورة نيكا وإعادة بناء القسطنطينية
اندلعت في يناير سنة 532م ثورة شعبية عنيفة سميت ثورة نيكا، نسبة إلى هتاف الثائرين، وشاركت فيها جماعات المشجعين الكبرى في ميدان السباق إلى جانب خصوم سياسيين لجستنيان. وأحرق جزء كبير من وسط العاصمة، وكاد الإمبراطور أن يفر، لولا صمود ثيودورا وتدخل القائدين بيليساريوس ومونديوس اللذين اقتحما الميدان وأخمدا الثورة بقسوة.
ومن جهة أخرى، فتحت الكارثة بابا لمشروع إعمار ضخم، فأعاد جستنيان بناء الكنائس والقصور والقنوات والخزانات. وبذلك تحولت المحنة إلى فرصة لإعطاء العاصمة شكلها الإمبراطوري الأبرز.
4 - تشييد كنيسة آيا صوفيا
شيدت كنيسة آيا صوفيا (Hagia Sophia) أي الحكمة المقدسة في سنوات قليلة بين 532م و537م، على يد المهندسين أنثيميوس التراليسي وإيسيدور الميليتي. وتميزت بقبتها الضخمة المرتفعة التي بدت كأنها معلقة فوق فضاء واسع، في إنجاز هندسي أدهش المعاصرين.
وعلاوة على ما سبق، ظلت الكنيسة قرونا الرمز الأبرز للدولة، فيها تتم مراسم التتويج والاحتفالات الكبرى، ثم تحولت بعد 1453م إلى مسجد، ولا تزال من أشهر معالم العمارة في العالم. وهكذا يعكس هذا البناء قوة الإمبراطورية البيزنطية في ذروة طموحها.
المطلب الثاني - التنظيم القانوني والإداري في الإمبراطورية البيزنطية
1 - تدوين القانون الروماني ومدونة جستنيان
كلف جستنيان لجنة بقيادة الفقيه تريبونيانوس بجمع القوانين الرومانية المتراكمة وتنقيتها من التناقض، فصدرت بين 529م و534م مجموعة عرفت بمدونة القانون المدني (Corpus Juris Civilis). وشملت المدونة الأحكام الإمبراطورية، وخلاصات آراء الفقهاء المعروفة باسم الديجست، وكتابا تعليميا للطلاب يسمى المؤسسات.
وبالإضافة إلى ذلك، كان لهذه المدونة أثر يتجاوز زمنها بكثير، إذ شكلت لاحقا أساسا لدراسة القانون في الجامعات الأوروبية منذ القرن الثاني عشر، وأثرت في كثير من التشريعات الحديثة. ويعد ذلك من أبرز الإسهامات الدائمة للدولة البيزنطية.
2 - النظام الإداري المركزي وسلطة الإمبراطور
اعتمدت الدولة على جهاز بيروقراطي مركزي يضم دواوين متخصصة للمالية والبريد والجيش والعدل، يشرف عليها موظفون يتقاضون رواتب ويترقون وفق مراتب دقيقة. وكان الإمبراطور، المعروف بلقب باسيليوس (Basileus) أي الملك، يجمع بين السلطة السياسية والعسكرية والمرجعية الدينية.
ومن جهة أخرى، لم تكن السلطة مطلقة بلا قيود، فقد اعتمد الإمبراطور على رضا الجيش والعاصمة والكنيسة، وكثيرا ما أطيح بالحكام بانقلابات القصر أو الثورات. ومن هنا يمكن فهم كثرة تبدل الأسر الحاكمة في تاريخ الدولة.
3 - نظام الثغور والأقاليم العسكرية
اعتمدت الدولة في حماية أطرافها على قوات حدودية ثابتة وحصون منتشرة على طول الحدود، وفي أواخر القرن السادس أنشأ الإمبراطور موريكيوس إدارات عسكرية مدنية كبرى سميت الإكسرخسيات (Exarchates)، أشهرها إكسرخسية رافينا في إيطاليا وإكسرخسية قرطاج في إفريقيا. وجمع حاكم كل منها السلطتين المدنية والعسكرية لمواجهة الخطر المباشر.
وفي ضوء ذلك، مثلت هذه التجربة مرحلة انتقالية نحو نظام الثيمات الذي ظهر في القرن السابع، وسنتناوله بتفصيل أوفى لاحقا. وبذلك أظهرت الدولة قدرة لافتة على تكييف تنظيمها مع الأخطار المتغيرة.
4 - الأوضاع الاقتصادية والتجارية وطريق الحرير
قامت قوة الدولة على اقتصاد متنوع يجمع الزراعة والحرف والتجارة، وعلى عملة ذهبية مستقرة هي السوليدوس (Solidus) أي العملة الذهبية، التي أدخلها قسطنطين وبقيت قرونا معيارا موثوقا في التبادل من الهند إلى الأطلسي. وكانت القسطنطينية سوقا كبرى تستقبل التوابل والحرير والفراء والعاج والحبوب.
وفي هذا السياق، ظلت الدولة تعتمد على طريق الحرير (Silk Road) للحصول على الحرير الصيني، وكانت فارس تتحكم في جزء كبير من الطريق. وتذكر المصادر أن راهبين نقلا يرقات دودة القز إلى القسطنطينية نحو سنة 552م، فنشأت صناعة حرير بيزنطية قلصت التبعية للخارج وأصبحت احتكارا ملكيا مربحا.
المطلب الثالث - الصراع البيزنطي الفارسي وإصلاحات هرقل
1 - الحروب البيزنطية الساسانية وأسبابها
تنافست الدولتان على النفوذ في أرمينيا والعراق والقوقاز والشام لقرون، وكانت الحدود بينهما مسرحا لحروب متقطعة، تتخللها هدن تدفع فيها القسطنطينية أحيانا أموالا لفارس. وكانت أسباب الصراع تجمع بين السيطرة على طرق التجارة والخلاف على المناطق الحدودية والمنافسة الدينية والسياسية.
وبالإضافة إلى ذلك، اشتعلت أطول مواجهاتهما سنة 602م بعد أن قتل فوكاس الإمبراطور موريكيوس، فاتخذ الملك الساساني خسرو الثاني ذلك ذريعة للهجوم. وتقدمت جيوشه فسيطرت على بلاد الشام، وسقطت القدس سنة 614م، وحمل الفرس معهم الصليب الذي اعتقد المسيحيون أنه صليب المسيح.
2 - وصول هرقل إلى الحكم سنة 610م
وصل هرقل إلى العرش سنة 610م بعد أن جاء بأسطول من إفريقيا وأطاح بفوكاس، وكانت الدولة في وضع بالغ الخطورة، إذ فقدت الشام ثم مصر وتعرضت العاصمة للتهديد. وفي سنة 626م حاصر الفرس والآفار القسطنطينية، لكن الدفاع البيزنطي والبحرية أفشلا الحصار.
وعلى الرغم من الظروف القاسية، لم يستسلم هرقل، بل أعاد تنظيم الجيش والموارد وبدأ سنة 622م حملات جريئة داخل أراضي العدو. وهكذا قلب موازين الحرب بنقل المعركة إلى قلب فارس بدل الاكتفاء بالدفاع.
3 - الانتصار على الفرس واستعادة الصليب الحقيقي
حقق هرقل نصرا حاسما قرب نينوى في ديسمبر سنة 627م، فتصدع النظام الساساني وقتل خسرو الثاني على يد ابنه، ثم أبرم خلفه الصلح سنة 628م وأعاد الأراضي المحتلة. وأعيد الصليب إلى القدس في احتفال مهيب في نحو سنة 630م، فكان رمزا لانتصار الدولة والدين معا.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الانتصار جاء بثمن باهظ، إذ استنزفت الحرب الطويلة موارد الطرفين وأضعفتهما معا. وفي ضوء ذلك، لم تتمكن الإمبراطورية البيزنطية من التقاط أنفاسها قبل أن تواجه قوة جديدة صاعدة من الجزيرة العربية.
4 - إعادة تنظيم الدولة وتحول اللغة الرسمية إلى الإغريقية
اتخذ هرقل لقب باسيليوس الإغريقي رسميا نحو سنة 629م، وتحولت اللغة الإغريقية تدريجيا إلى لغة الإدارة والمراسيم بدل اللاتينية التي ضعف استعمالها. وكان هذا القرار اعترافا بواقع ثقافي قائم أكثر منه قطيعة مفاجئة.
وإلى جانب ذلك، ترى دراسات عدة أن إصلاحات هذه المرحلة مهدت لظهور نظام الثيمات، وأن الدولة بدأت تتخذ طابعا أكثر محلية وعسكرية. وبذلك يمكن عد عهد هرقل نقطة التحول من مرحلة الإمبراطورية الرومانية المتأخرة إلى مرحلة الدولة البيزنطية القروسطية بمعناها الكامل.
| الأسرة | الفترة التقريبية | أبرز الأباطرة | أهم السمات |
|---|---|---|---|
| الأسرة الهرقلية | 610م - 711م | هرقل | الانتصار على الفرس ثم مواجهة الفتوحات الإسلامية |
| الأسرة الإيسورية | 717م - 802م | ليو الثالث وقسطنطين الخامس | رد حصار القسطنطينية وبدء تحطيم الأيقونات |
| الأسرة المقدونية | 867م - 1056م | باسيل الأول وباسيل الثاني | ذروة القوة والنهضة الثقافية |
| أسرة كومنين | 1081م - 1185م | ألكسيوس الأول ومانويل الأول | إنعاش الدولة والتعامل مع الصليبيين |
| أسرة باليولوج | 1259م - 1453م | ميخائيل الثامن وقسطنطين الحادي عشر | استرداد العاصمة ثم السقوط |
المبحث الثالث - التحديات والتحولات الكبرى في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية
دخلت الدولة بعد منتصف القرن السابع عصرا جديدا من التحديات، فقد فقدت أقاليمها الأكثر ثراء، واضطرت إلى إعادة تشكيل بنيتها بالكامل. وفي هذا المبحث نتتبع تأثير الفتوحات الإسلامية، ثم الجدل الديني الذي هز المجتمع، ثم النهضة المقدونية التي أعادت للإمبراطورية البيزنطية هيبتها.
المطلب الأول - الفتوحات الإسلامية وأثرها في الإمبراطورية البيزنطية
1 - معركة اليرموك وفقدان بلاد الشام ومصر
بعد قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، اتجهت الجيوش الإسلامية نحو الشام، فسقطت دمشق سنة 635م، ثم وقعت معركة اليرموك في أغسطس سنة 636م، وانتهت بهزيمة كبرى للجيش البيزنطي. وبعد ذلك دخل المسلمون القدس سنة 637م أو 638م على اختلاف الروايات، ثم توجهوا إلى مصر فدخلوها بين 639م و642م، وسقطت الإسكندرية سنة 642م.
وتجدر الإشارة إلى أن عوامل كثيرة ساعدت على هذه النتائج، من بينها الإنهاك الذي خلفته الحرب الفارسية، وخلافات مذهبية بين الكنيسة الرسمية وبعض الجماعات في الشام ومصر، وسرعة الحركة العسكرية الإسلامية. ومهما يكن من أمر، فقد خسرت الدولة أغنى أقاليمها في سنوات قليلة وصارت أصغر وأكثر تركزا في الأناضول والبلقان.
2 - حصار القسطنطينية ودور النار الإغريقية
حاصرت القوات الأموية القسطنطينية حصارا طويلا بين 674م و678م تقريبا، ثم حاصرتها مرة أخرى بين 717م و718م في عهد الإمبراطور ليو الثالث. وفي المرتين صمدت الأسوار، وكان للنار الإغريقية (Greek fire) دور كبير في تدمير السفن، وهي مادة حارقة سرية تقذف من أنابيب وتشتعل حتى فوق الماء، وتنسب إلى مهندس يدعى كالينيكوس.
وفي ضوء ذلك، يعد الحصار الثاني من أهم الأحداث الفاصلة، لأنه أنقذ العاصمة وكثيرا من أراضي أوروبا الشرقية من الخطر المباشر. كما اشتدت بعده قدرة الدولة على تنظيم دفاعها بثقة أكبر.
3 - نظام الثيمات وإعادة بناء الدفاع البيزنطي
ظهر نظام الثيمات (Themata) أي الأقاليم العسكرية في القرن السابع الميلادي، وفيه قسمت الأراضي إلى وحدات يقودها حاكم عسكري يسمى ستراتيجوس، تجمع بين السلطة المدنية والعسكرية. وكان الجنود يمنحون أراضي يزرعونها مقابل الخدمة العسكرية، فارتبطوا بالأرض ودافعوا عنها بحماس.
ومن جهة أخرى، يختلف الباحثون في توقيت نشأة النظام وتفاصيله، فبعضهم يربطه بعهد هرقل وبعضهم بعهد خلفائه. ومع ذلك، يتفق الجميع على أنه كان استجابة ذكية للأزمة، ومنح الدولة قدرة على الصمود قرونا بعد ما بدا أنه الانهيار.
المطلب الثاني - الجدل الديني وحركة تحطيم الأيقونات والانشقاق الكنسي
1 - أسباب الخلاف حول الأيقونات في القرن الثامن
تدور قضية الأيقونات حول مشروعية استعمال الصور المقدسة في العبادة، فقد رأى المعارضون أن تعظيمها يقارب عبادة الأصنام، بينما رأى المؤيدون أنها وسيلة لتقريب المعاني الإيمانية من الناس. ويرى بعض الباحثين أن للنقاش صلة بتأثيرات البيئة الدينية في الشرق، وبأثر الهزائم العسكرية التي فسرها البعض غضبا إلهيا.
وفي سنة 726م أو 730م، على اختلاف الروايات، أصدر ليو الثالث إجراءات ضد الأيقونات، وأيده خلفه قسطنطين الخامس الذي عقد مجمعا سنة 754م أدان تعظيمها. وعلاوة على ذلك، حمل الخلاف أبعادا سياسية، لأنه تعلق بسلطة الإمبراطور على الكنيسة.
2 - مراحل الصراع بين مؤيدي الأيقونات ومعارضيها
مرت حركة تحطيم الأيقونات (Iconoclasm) بمرحلتين رئيسيتين، الأولى من نحو 726م إلى 787م، حين أعادت الإمبراطورة إيريني تعظيم الأيقونات عبر مجمع نيقية الثاني سنة 787م. أما المرحلة الثانية فبدأت سنة 815م في عهد ليو الخامس، واستمرت حتى سنة 843م.
وفي سنة 843م أنهت الإمبراطورة ثيودورا، أرملة الإمبراطور ثيوفيلوس، الجدل نهائيا بإعادة الأيقونات، وصار هذا الحدث يحتفل به في الكنيسة الشرقية باسم انتصار الأرثوذكسية. ومن هنا ترك الصراع آثارا عميقة في المجتمع والفن، إذ تعرضت أعمال فنية كثيرة للإتلاف.
3 - الانشقاق الكبير بين كنيسة روما وكنيسة القسطنطينية سنة 1054م
تراكمت الخلافات بين الكنيستين عبر قرون، فشملت مكانة البابا وسلطته، والخلاف حول عبارة صدور الروح القدس، واختلاف الطقوس واللغة. وفي سنة 1054م أرسل البابا ليو التاسع وفدا بقيادة الكاردينال هومبرت إلى القسطنطينية، فتبادل هو والبطريرك ميخائيل كيرولاريوس قرارات الحرمان.
وتجدر الإشارة إلى أن المؤرخين المعاصرين يرون أن القطيعة لم تكتمل في يوم واحد، بل ترسخت تدريجيا خلال القرون التالية، وبخاصة بعد الحملة الصليبية الرابعة. وعلى هذا الأساس، أصبح الانشقاق الكنسي (Schism) عاملا مهما في توتر علاقة الإمبراطورية البيزنطية بالغرب اللاتيني.
المطلب الثالث - الأسرة المقدونية والنهضة البيزنطية
1 - الاستقرار السياسي واستعادة الأراضي في عهد الأسرة المقدونية
تأسست الأسرة المقدونية سنة 867م على يد باسيل الأول، وحكمت أكثر من قرنين، وهي مدة طويلة بمقاييس الدولة البيزنطية التي كثر فيها تبدل الأسر. وفي هذه الفترة تحسنت الإدارة وتعززت الخزينة وتجددت الجيوش.
وبناء على ذلك، شنت الدولة هجمات ناجحة على جبهات عدة، فاستعادت كريت سنة 961م بقيادة نقفور فوكاس، ثم سيطرت على أنطاكية سنة 969م وتقدمت في شمال الشام. ومن جهة أخرى، عززت وجودها في جنوب إيطاليا وفي البلقان.
2 - الازدهار الثقافي والعلمي والفني
عرف هذا العصر نهضة ثقافية سميت النهضة المقدونية، فقد أعيد إحياء العناية بالنصوص الإغريقية القديمة ونسخها وشرحها، ونشطت جامعة القسطنطينية. وبرز البطريرك فوتيوس بمكتبته وعلمه، كما عني الإمبراطور قسطنطين السابع بكتابات التاريخ والإدارة وتدوين مراسم البلاط.
وفي هذا السياق، ازدهرت الفنون من الفسيفساء والمنمنمات والعاج وصناعة الحرير، وتجددت العمارة الكنسية. ومما يعزز أهمية هذه المرحلة أن كثيرا من النصوص الإغريقية القديمة وصلت إلينا بفضل نسخ هذه الحقبة.
3 - الصراع مع البلغار وانتشار المسيحية بين السلاف
كانت الدولة البلغارية قوة خطيرة في البلقان منذ القرن السابع، وتصارعت مع القسطنطينية صراعا طويلا، بلغ أوجه في عهد القيصر سمعان الأول الذي هدد العاصمة نفسها في أوائل القرن العاشر. غير أن العلاقة لم تكن حربا فقط، فقد دخل البلغار في المسيحية الشرقية خلال القرن التاسع.
وإلى جانب ذلك، أرسلت القسطنطينية الأخوين كيرلس ومثوديوس في ستينيات القرن التاسع لنشر المسيحية بين السلاف، فوضعا أبجدية ملائمة للغتهم عرفت بالغلاغوليتية. وبعد ذلك تحولت أمير كييف فلاديمير إلى المسيحية الشرقية نحو سنة 988م، مما ربط روسيا بالعالم البيزنطي ربطا ثقافيا ودينيا عميقا.
4 - عهد باسيل الثاني وبلوغ الإمبراطورية ذروة اتساعها
حكم باسيل الثاني بين 976م و1025م، وواجه في بداية حكمه ثورات قادها كبار القادة، ثم رسخ سلطته وأضعف نفوذ الأرستقراطية الكبرى. وفي سنة 1014م حقق انتصارا كبيرا على البلغار في معركة كليديون، وانتهى بإخضاع بلغاريا كليا سنة 1018م، حتى لقبه المؤرخون اللاحقون بقاتل البلغار.
وفي ضوء ذلك، امتدت حدود الدولة من نهر الدانوب إلى أطراف الفرات، ومن جنوب إيطاليا إلى القوقاز، وكانت خزائنها ممتلئة. وعلى الرغم من هذا المجد، ترك باسيل الثاني دون وريث قوي، فبدأت الإمبراطورية البيزنطية بعده تدخل مرحلة تراجع تدريجي.
المبحث الرابع - ضعف الإمبراطورية البيزنطية وسقوطها
لم يكن سقوط الدولة حدثا مفاجئا، بل نتيجة سلسلة من الهزائم والأزمات الداخلية التي تراكمت على مدى أكثر من ثلاثة قرون. وفي هذا المبحث نعالج أثر هزيمة ملاذكرد، ثم الحملة الصليبية الرابعة، ثم الفتح العثماني الذي أنهى الإمبراطورية البيزنطية.
المطلب الأول - مظاهر الضعف بعد معركة ملاذكرد
1 - هزيمة ملاذكرد سنة 1071م أمام السلاجقة
وقعت معركة ملاذكرد في أغسطس سنة 1071م قرب بحيرة وان في شرق الأناضول، بين السلطان السلجوقي ألب أرسلان والإمبراطور رومانوس الرابع ديوجينس. وانتهت بهزيمة ثقيلة للبيزنطيين ووقوع الإمبراطور نفسه في الأسر، ثم أطلق بعد اتفاق.
وتجدر الإشارة إلى أن المعركة في ذاتها لم تكن نهاية القوة البيزنطية، لكن ما أعقبها من صراع على العرش في القسطنطينية أضعف الدفاع عن الأناضول. ومن هنا صارت ملاذكرد رمزا لبداية التراجع الكبير.
2 - فقدان الأناضول وتراجع الموارد العسكرية والاقتصادية
كان الأناضول قلب الدولة، ومنه كانت تأتي أغلب الجنود والضرائب والمحاصيل. وبعد ملاذكرد، تقدمت القبائل التركمانية والسلاجقة داخل الهضبة، فاقتطعوا مساحات واسعة، وتكونت سلطنة سلاجقة الروم في قونية.
وعلاوة على ذلك، أدى فقدان هذه الأراضي إلى تقلص الموارد المالية وإضعاف نظام الثيمات الذي كان يعتمد على الفلاحين الجنود. وفي المقابل، اعتمدت الدولة أكثر على المرتزقة الأجانب، وهو ما زاد الأعباء وقلل الولاء.
3 - الصراعات الداخلية وضعف السلطة المركزية
شهدت العقود التي تلت ملاذكرد تنافسا حادا بين الأسر الأرستقراطية الكبرى على العرش، وتعاقب أباطرة كثر في فترة قصيرة. وبالإضافة إلى ذلك، نمت الملكيات الكبيرة على حساب صغار الفلاحين، فتراجعت قاعدة التجنيد والضرائب معا.
ومن جهة أخرى، ضعفت العملة وتراجع الاعتماد عليها، وبدأت المدن التجارية الإيطالية مثل البندقية وجنوة تحصل على امتيازات واسعة في التجارة البيزنطية. وبذلك فقدت الدولة جزءا من استقلالها الاقتصادي.
4 - عهد أسرة كومنين ومحاولات الإصلاح
وصل ألكسيوس الأول كومنين إلى الحكم سنة 1081م وسط أزمة خانقة، فأعاد بناء الجيش وإصلاح النظام المالي وقوى سلطة الأسرة. وطلب مساعدة الغرب اللاتيني، فكان ذلك من الأسباب التي مهدت لانطلاق الحملة الصليبية الأولى سنة 1096م، وقد وثقت ابنته آنا كومنين أحداث عهده في كتابها الألكسياد.
وفي ضوء ذلك، حقق خلفاؤه يوحنا الثاني ومانويل الأول نجاحات جزئية، واستعادوا بعض مناطق الأناضول وتقدموا في الغرب والشام. غير أن هزيمة مانويل أمام السلاجقة في ميريوكيفالون سنة 1176م أنهت آمال استعادة الهضبة، ثم دخلت الدولة بعد عام 1185م مرحلة اضطراب جديدة.
المطلب الثاني - الحملة الصليبية الرابعة وسقوط القسطنطينية سنة 1204م
1 - العلاقات البيزنطية مع الغرب اللاتيني والحروب الصليبية
اتسمت علاقة الإمبراطورية البيزنطية بالغرب بمزيج من التعاون والريبة، فقد احتاج البيزنطيون إلى الجنود الغربيين، لكنهم خافوا من أطماع الأمراء الصليبيين الذين قد يتحولون إلى منافسين. وفي المقابل، رأى كثير من اللاتين أن البيزنطيين أقل التزاما وأكثر مكرا.
وزاد التوتر بسبب الامتيازات الممنوحة للتجار الإيطاليين، وبسبب حادثة مذبحة اللاتين في القسطنطينية سنة 1182م. ومن هنا ترسخت مشاعر العداء المتبادل التي كانت وقودا للأزمة اللاحقة.
2 - أسباب انحراف الحملة الصليبية الرابعة نحو القسطنطينية
انطلقت الحملة الصليبية الرابعة سنة 1202م بقصد الوصول إلى مصر والقدس، لكن قادتها عجزوا عن دفع أجور نقلهم إلى البندقية بقيادة الدوج إنريكو داندولو. فاقترحت البندقية أن يسددوا الدين عبر الاستيلاء على مدينة زارا في الأدرياتيكي، ففعلوا ذلك سنة 1202م.
وبعد ذلك، ظهر الأمير ألكسيوس أنجيلوس، ابن الإمبراطور المخلوع إسحاق الثاني، وعرض مالا وإعادة الكنيسة الشرقية إلى سلطة روما إن أعانوه على استعادة العرش. وهكذا تضافرت الحاجة المالية والمصالح السياسية والتجارية لتحويل الحملة نحو القسطنطينية.
3 - احتلال العاصمة وقيام الإمبراطورية اللاتينية
اقتحم الصليبيون والبنادقة القسطنطينية في أبريل سنة 1204م، ونهبوها عدة أيام، فسرقت الكنوز الدينية والفنية ودمرت أجزاء من المدينة. وكان وقع الحدث قاسيا على العالم الأرثوذكسي، وبقي ذكره حاضرا في الذاكرة البيزنطية طويلا.
وبناء على ذلك، أقام الغزاة الإمبراطورية اللاتينية وتولى بلدوين الفلمنكي عرشها، وقسموا الأراضي بين القادة والبندقية. ومن جهة أخرى، نشأت دويلات بيزنطية في المنفى أهمها إمبراطورية نيقية وإمارة إبيروس وإمبراطورية طرابزون، وحملت كل منها مشروع استعادة الدولة.
4 - استعادة القسطنطينية سنة 1261م على يد أسرة باليولوج
استفاد ميخائيل الثامن باليولوج حاكم نيقية من ضعف الإمبراطورية اللاتينية، فاستعاد القسطنطينية في يوليو سنة 1261م عبر قائده ألكسيوس ستراتيجوبولوس الذي دخلها بقوة صغيرة بصورة شبه مفاجئة. وأسس بذلك أسرة باليولوج التي حكمت حتى النهاية.
غير أن الدولة التي عادت لم تكن كالتي رحلت، فقد بقيت أصغر مساحة وأقل موردا، وتنازعتها قوى خارجية وصراعات داخلية. ومع أن الاسترداد منح الإمبراطورية البيزنطية قرنين إضافيين، فإنها لم تستعد مكانتها القديمة.
المطلب الثالث - الفتح العثماني ونهاية الإمبراطورية البيزنطية سنة 1453م
1 - صعود الدولة العثمانية وتطويق الأراضي البيزنطية
ظهرت الدولة العثمانية في شمال غرب الأناضول على يد عثمان بن أرطغرل في أواخر القرن الثالث عشر، ثم توسعت سريعا، فاستولت على بورصة سنة 1326م وعبرت إلى أوروبا عند غاليبولي سنة 1354م. وبعد ذلك اتخذت أدرنة عاصمة لها نحو سنة 1369م، فصارت القسطنطينية محاطة بالأراضي العثمانية من الجهتين.
وفي هذا السياق، حققت العثمانيون انتصارات حاسمة في قوصوة سنة 1389م وفي نيكوبوليس سنة 1396م، وحاصر السلطان بايزيد القسطنطينية، إلا أن هزيمته أمام تيمورلنك في أنقرة سنة 1402م منحت البيزنطيين فسحة من الوقت. ثم عاد العثمانيون إلى الضغط في عهد مراد الثاني الذي حاصر المدينة سنة 1422م وانتصر في فارنا سنة 1444م.
2 - حصار القسطنطينية بقيادة السلطان محمد الفاتح
تولى محمد الثاني الحكم نهائيا سنة 1451م، وكان شابا طموحا أدرك أن فتح القسطنطينية سيمنح دولته مكانة استثنائية. فبنى قلعة روملي حصار على البوسفور سنة 1452م لقطع الإمدادات، وجهز جيشا كبيرا وأسطولا، واستعان بمهندس مدفعية اشتهر بصنع مدافع ضخمة.
وبدأ الحصار في السادس من أبريل سنة 1453م، ودافع عن المدينة الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر باليولوج بنحو سبعة آلاف أو ثمانية آلاف مقاتل على اختلاف التقديرات، ومعهم متطوعون إيطاليون بقيادة جيوفاني جوستنياني. وفي المقابل، قدرت المصادر جيش العثمانيين بعشرات الآلاف، وإن اختلفت الأرقام اختلافا واسعا.
وعلاوة على ذلك، كان البيزنطيون قد أغلقوا مدخل القرن الذهبي بسلسلة ضخمة، فأمر السلطان بنقل جزء من السفن عبر الأرض إلى داخل الخليج، وهي خطوة فاجأت المدافعين وشتتت قواهم. ثم تواصل القصف المدفعي على الأسوار أسابيع متتالية.
3 - سقوط العاصمة ونهاية الإمبراطورية البيزنطية
وقع الهجوم الأخير في التاسع والعشرين من مايو سنة 1453م، فاخترقت القوات العثمانية الأسوار بعد قتال شديد، وأصيب جوستنياني وانسحب، وسقط الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر في المعارك بحسب أغلب الروايات. ودخل السلطان محمد المدينة، وتوجه إلى آيا صوفيا التي حولت إلى مسجد.
وفي ضوء ذلك، انتهى بسقوط القسطنطينية تاريخ طويل امتد نحو ألف عام بعد سقوط روما الغربية، وصارت المدينة عاصمة للدولة العثمانية. وفي السنوات التالية سقطت بقايا الأراضي البيزنطية، ومنها موريا سنة 1460م وطرابزون سنة 1461م.
4 - الإرث الحضاري البيزنطي وأثره في أوروبا والعالم الإسلامي
ترك البيزنطيون إرثا واسعا في القانون والعمارة والفن والدين والإدارة، فقد حفظوا قدرا كبيرا من التراث الإغريقي القديم، ونقلت إلى إيطاليا بعد سقوط القسطنطينية مخطوطات وعلماء ساهموا في تغذية عصر النهضة الأوروبية. وإضافة إلى ذلك، تأثرت العمارة العثمانية بنموذج آيا صوفيا تأثرا واضحا.
ومن جهة أخرى، تفاعل العالم الإسلامي مع البيزنطيين حربا وتجارة وعلما، فانتقلت أساليب إدارية وفنية وترجمات بين الجانبين. وفي المجال الديني، ظلت الأرثوذكسية الشرقية حية في روسيا والبلقان، وصارت موسكو تعد نفسها روما الثالثة، مما يدل على استمرار الإمبراطورية البيزنطية في الوعي التاريخي بعد زوالها.
الخاتمة
يتضح من خلال ما تقدم أن الإمبراطورية البيزنطية لم تكن دولة طارئة، بل كانت امتدادا حيا للدولة الرومانية في شرق المتوسط، وقد تشكلت ملامحها عبر إصلاحات دقلديانوس وقرارات قسطنطين وتقسيم سنة 395م. وبعد ذلك مرت بعصر قوة في زمن جستنيان وهرقل، ثم بمرحلة تحديات كبرى بسبب الفتوحات الإسلامية والجدل الديني، ثم بنهضة مقدونية رفعتها إلى ذروتها، قبل أن تنحدر تدريجيا حتى سقوط سنة 1453م.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن موقع العاصمة وقوة الاقتصاد والعملة الذهبية والتنظيم الإداري والقانوني والنار الإغريقية من أبرز عوامل بقاء الدولة قرونا طويلة. وعلاوة على ذلك، أدت الهوية الإغريقية الأرثوذكسية دورا حاسما في تماسك المجتمع، غير أن الصراعات الدينية والنزاعات على العرش واعتماد الدولة على قوى أجنبية كانت من مظاهر ضعفها الداخلي. وفي المقابل، جاءت هزيمة ملاذكرد ونهب القسطنطينية سنة 1204م لتوجها ضربتين كبيرتين قبل أن يحسم العثمانيون المصير النهائي.
وبناء على ما سبق، نشأت الإمبراطورية البيزنطية من رحم الدولة الرومانية نتيجة انتقال مركز الثقل إلى الشرق وتأسيس القسطنطينية وانقسام سنة 395م وسقوط الغرب سنة 476م، ثم تطورت عبر مراحل من القوة والأزمات والنهضة والتراجع. أما قوتها فصنعها الموقع والاقتصاد والتنظيم والعقيدة، وأما ضعفها فتولد من فقدان الأناضول والانقسامات الداخلية والعلاقة المتوترة مع الغرب اللاتيني وصعود الدولة العثمانية.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الموضوع لا يزال يتسع لدراسات جديدة، ومنها دراسة العلاقات البيزنطية الإسلامية في المجالين الثقافي والاقتصادي، وتحليل دور المرأة في البلاط، وتتبع أثر المخطوطات البيزنطية في حركة الترجمة وعصر النهضة، وإعادة قراءة المصادر العربية والإغريقية قراءة مقارنة. وبذلك يظل تاريخ الإمبراطورية البيزنطية حقلا غنيا يستحق مزيدا من البحث العلمي الرصين.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه