مقدمة
يقف الباحث في علم الآثار أمام جدار صامت من الحجارة والفخار والعظام والمعادن، وهذه المخلفات المادية لا تتكلم بنفسها مهما بلغت دقة الكشف عنها. فالفأس الحجرية أو الجدار المهدوم لا يخبران عن اسم صاحبهما ولا عن معتقده ولا عن نظامه الاجتماعي، ومن هنا يحتاج الآثاري إلى معارف نظرية تمنح هذه البقايا معناها وسياقها، وتنقلها من مجرد أشياء مدفونة إلى شواهد على حياة بشرية كاملة.
وفي هذا الإطار تبرز العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار بوصفها الجسر الذي يربط الحفرة بالفكرة، والطبقة بالحدث، واللقية بالإنسان الذي صنعها. وتتجلى أهمية هذا النوع من المواضيع البحثية في أنه يصحح تصورا شائعا يختزل علم الآثار في الحفر والتنقيب، ويكشف أن النجاح في قراءة الماضي يقوم على تكامل المعرفة النظرية مع العمل الميداني.
وانطلاقا من ذلك تتحدد إشكالية المقال في سؤال محوري، ما العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار، وما خصائص كل علم منها، وما أهميته، وما طبيعة علاقته بالعلم الأثري. ويتفرع عن هذا السؤال أسئلة جزئية تتصل بحدود الاستعانة بكل علم، وبمخاطر إسقاط الحاضر على الماضي، وبسبل تطوير هذا التكامل في الجامعات ومشاريع البحث العربية.
وبناء على ما تقدم يهدف المقال إلى تقديم مرجع مبسط وشامل يعرف بهذه العلوم، ويبين دور كل منها، ويقارن بينها، ويستخلص طبيعة العلاقة التي تجمعها بعلم الآثار. وقد اعتمدنا في ذلك المنهج الوصفي لعرض المفاهيم والخصائص، والمنهج التحليلي لاستخراج أوجه التكامل والإشكالات والنماذج التطبيقية.
وأما خطة المقال فتبدأ بالإطار المفاهيمي وتعداد هذه العلوم، ثم تفصل في التاريخ والجغرافيا، فالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، فعلم النقوش واللغات القديمة وعلم الخطوط، فعلم الأديان، فتاريخ الفن والعمارة، وتنتهي بمقارنة شاملة وبحث في طبيعة العلاقة. ومن الجدير بالذكر أن العلوم التطبيقية والتقنية كالتأريخ بالكربون المشع والجيولوجيا والكيمياء تبقى خارج نطاق هذا المقال.
المبحث الأول - الإطار المفاهيمي وتعداد العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار
سنبدأ بضبط المصطلحات قبل الدخول في التفاصيل، لأن الخلط بين العلوم النظرية والتطبيقية، وبين المساعدة والمجاورة، يربك القارئ ويشوش على فهم العلاقة. ومن ثم يخصص هذا المبحث لتحديد المفاهيم وتعداد العلوم وبيان معايير تصنيفها.
المطلب الأول - مفهوم العلوم النظرية والعلوم المساعدة
1 - التعريف اللغوي والاصطلاحي للعلوم النظرية
النظر في اللغة هو التأمل والفحص بالبصر أو بالبصيرة، ومنه سميت المعارف القائمة على التفكير والاستدلال علوما نظرية. وفي الاصطلاح هي العلوم التي تبني معرفتها على المفاهيم والنصوص والتحليل العقلي، دون أن تعتمد أساسا على الأجهزة والتجارب المخبرية.
2 - مفهوم العلوم المساعدة في علم الآثار
وفي المقابل تعني العلوم المساعدة (Auxiliary Sciences) تلك المعارف التي لا يستغني عنها الآثاري في التفسير والتأريخ والتأويل، وإن كانت لها مناهجها المستقلة. ولذلك فإن العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار تمده بالأطر الفكرية والمعطيات المعرفية التي تجعل القطعة المكتشفة ذات دلالة.
3 - الفرق بين العلوم النظرية والعلوم التطبيقية والتقنية
ومن جهة أخرى تختلف العلوم التطبيقية والتقنية في أنها تقيس المادة وتحللها بأدوات دقيقة، كما في التأريخ بالكربون المشع (Radiocarbon Dating) وتحليل التربة وعلم الرسوبيات. أما العلوم النظرية فتفسر المعنى وتؤول الدلالة، وهذا الفرق في الوظيفة هو ما يجعل كل نوع مكملا للآخر لا بديلا عنه.
4 - الفرق بين العلوم المساعدة والعلوم المجاورة
وبالإضافة إلى ذلك ينبغي التمييز بين العلم المساعد والعلم المجاور، فالمساعد يدخل في صلب عملية التفسير الأثري، بينما يشترك المجاور مع علم الآثار في الموضوع أو الفترة دون أن يكون شرطا لفهم اللقى. فتاريخ الفن مساعد لقراءة الزخارف، في حين يبقى علم الاجتماع الحضري مجاورا في كثير من الدراسات.
5 - حاجة علم الآثار إلى المعرفة النظرية بعد صمت المخلفات المادية
وفي ضوء ذلك نفهم لماذا تعد المخلفات المادية صامتة، فهي تحتاج إلى من يسألها ويربطها بسياقها الإنساني. وهنا تبرز العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار بوصفها أداة السؤال والتفسير، إذ تحول الحجر إلى وثيقة، والمقبرة إلى مصدر للمعتقد، والمخطط العمراني إلى شاهد على نظام الحكم.
المطلب الثاني - تعداد العلوم النظرية المساعدة وتصنيفها
1 - التاريخ والجغرافيا التاريخية
يأتي التاريخ في مقدمة هذه العلوم لأنه يمد الآثاري بالتسلسل الزمني والأحداث الكبرى، أما الجغرافيا التاريخية (Historical Geography) فتحدد مواضع المدن والطرق القديمة. وبهما معا يقرأ الباحث الموقع الأثري ضمن إطاره السياسي والمكاني.
2 - الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع
ومن جهة أخرى تقدم الأنثروبولوجيا (Anthropology) وعلم الاجتماع (Sociology) نماذج لفهم القرابة والتنظيم الاجتماعي والتبادل. ويستفيد منها الآثاري حين يحاول تصور المجتمع الذي خلف بقايا قرية أو مقبرة، وهو مجتمع غاب أهله ولم يبق منه إلا أثره.
3 - علم النقوش واللغات القديمة وعلم الخطوط
وعلاوة على ما سبق يشمل التعداد علم النقوش (Epigraphy) وعلم اللغات القديمة (Ancient Languages) وعلم الخطوط (Palaeography). وهي علوم تقرأ الكتابات المنقوشة على الحجر والمعدن والفخار، وتحدد زمنها بتطور الخط وصيغ العبارات.
4 - علم الأديان وتاريخ الفن والعمارة
وكذلك فإن علم الأديان (History of Religions) يفسر المعابد والطقوس والرموز، بينما يحلل تاريخ الفن (Art History) وتاريخ العمارة (Architectural History) الأساليب والزخارف والمباني. وكلاهما يربط الشكل المادي بالفكرة التي وقفت خلفه.
5 - الفلسفة وفلسفة العلوم ونظرية المعرفة
وفي هذا السياق تمنح الفلسفة (Philosophy) وفلسفة العلوم (Philosophy of Science) ونظرية المعرفة (Epistemology) الآثاري أدوات النقد، فتسأله كيف عرف ما عرفه وما حدود يقينه. وقد ظهر أثر ذلك جليا في النقاشات النظرية حول الموضوعية وتعدد القراءات.
6 - علم المسكوكات
ثم يأتي علم المسكوكات (Numismatics) الذي يدرس العملات من حيث موادها ونقوشها وصورها، فيمنح الباحث تواريخ دقيقة نسبيا ومعلومات عن السلطة والاقتصاد. ومن الجدير بالذكر أن العملة المعثور عليها في طبقة ما تساعد غالبا على تحديد أقدم تاريخ ممكن لتلك الطبقة.
7 - علم الاقتصاد التاريخي والإحصاء
وأخيرا يدخل الاقتصاد التاريخي (Economic History) والإحصاء (Statistics) في هذه المنظومة، فالأول يفسر التجارة والإنتاج والضرائب، والثاني ينظم الأعداد الضخمة من اللقى ويقرأ اتجاهاتها. وبذلك تتحول الكثرة المبعثرة من القطع إلى صورة اقتصادية مفهومة.
المطلب الثالث - معايير التصنيف وتطور العلاقة التاريخية
1 - التصنيف حسب طبيعة المصدر المادي أو النصي أو الاجتماعي أو الفكري
يمكن أولا تصنيف هذه العلوم بحسب طبيعة المصدر، فعلم المسكوكات مادي، وعلم النقوش والتاريخ نصيان، والأنثروبولوجيا اجتماعية، والفلسفة وعلم الأديان فكريان. ويساعد هذا التصنيف الباحث على اختيار العلم الأنسب لكل نوع من الأسئلة.
2 - التصنيف حسب الدور في التأريخ أو التفسير أو التأويل
وفي المقابل يمكن التصنيف بحسب الوظيفة، فعلم الخطوط والمسكوكات يخدمان التأريخ، والأنثروبولوجيا والاقتصاد يخدمان التفسير، وعلم الأديان والفلسفة يخدمان التأويل. غير أن هذه الحدود مرنة، إذ يؤدي العلم الواحد أكثر من وظيفة بحسب السؤال المطروح.
3 - مرحلة التبعية للنصوص الكلاسيكية والتاريخ
أما من حيث التطور التاريخي فقد مر علم الآثار بمرحلة اعتمد فيها على النصوص الكلاسيكية، فكان هدفه التحقق من روايات هوميروس وغيره. وقد ظهر ذلك في بحث هاينريش شليمان عن طروادة، حيث وجه النص الأدبي الحفر وحدد أهدافه.
4 - أثر الأنثروبولوجيا في المدرسة الإجرائية وأثر الفلسفة في ما بعد الإجرائية
ثم جاءت ستينيات القرن العشرين فتأثرت المدرسة الإجرائية (Processual Archaeology) بالأنثروبولوجيا وفلسفة العلوم، وسعى لويس بنفورد إلى تفسير العمليات الثقافية تفسيرا علميا. وبعد ذلك ظهرت ما بعد الإجرائية (Post-processual Archaeology) مع إيان هودر، فأعادت الاعتبار للمعنى والرمز والذات.
5 - الاتجاهات الحديثة نحو البينية والتخصصات المشتركة
وفي ضوء ذلك تتجه الدراسات الحديثة إلى البينية (Interdisciplinarity)، فتجمع فرق البحث بين الآثاري والمؤرخ واللغوي والأنثروبولوجي. وقد جعل هذا التوجه العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار شريكا فعليا في صياغة الأسئلة، وليس مجرد خدمة تقدم بعد انتهاء الحفر.
المبحث الثاني - التاريخ والجغرافيا كعلوم مساعدة
وبعد ضبط الإطار المفاهيمي ننتقل إلى أقدم هذه العلوم صلة بعلم الآثار، فقد نشأ الاثنان في أحضان واحدة، ثم استقل كل منهما بمنهجه. ويكشف هذا المبحث كيف تظل العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار ممثلة أولا في التاريخ والجغرافيا.
المطلب الأول - أهمية التاريخ لعلم الآثار
1 - تعريف التاريخ والجغرافيا التاريخية
التاريخ علم يدرس أحداث الماضي ويحللها اعتمادا على المصادر، بينما تدرس الجغرافيا التاريخية تغير المكان عبر الزمن، من مدن وأنهار وطرق وحدود. ومن خلال الجمع بينهما يتحقق للآثاري إطار زماني ومكاني يضع فيه اكتشافاته.
2 - تحديد السياق الزمني والسياسي للمواقع
وبالإضافة إلى ذلك يمنح التاريخ الموقع الأثري هويته الزمنية والسياسية، فنعرف أي دولة حكمته وأي حرب أصابته. فمعرفة أن مدينة ما وقعت تحت حكم روماني في قرن معين تساعد على تفسير مخططها وأسوارها ومعابدها.
3 - تحديد المواقع القديمة اعتمادا على المصادر والخرائط
ومن جهة أخرى تساعد المصادر القديمة والخرائط التاريخية في تحديد مواضع المدن المندثرة، كالرحالة والجغرافيين وسجلات الطرق الرومانية. ويقارن الباحث هذه المعلومات بالتضاريس الحالية والآثار الظاهرة، فيقلص مساحة البحث ويوفر الجهد والمال.
4 - ربط النصوص بالمعطيات المادية
وفي هذا السياق يتيح التاريخ ربط ما ورد في النصوص بما وجد في الأرض، فيلتقي الوصف المكتوب بالأثر المنظور. وحين يتطابق الاثنان يقوى الاستنتاج، وحين يتباينان يتحرك البحث نحو أسئلة جديدة أكثر عمقا.
5 - تفسير التحولات الكبرى كنشأة المدن وسقوط الدول
وعلاوة على ما سبق يوفر التاريخ مفاتيح لفهم التحولات الكبرى مثل نشأة المدن وانهيار الدول وانتقال الحكم. فلا تكفي طبقة محروقة لتفسير سقوط مدينة، بل يلزم الرجوع إلى سياق الصراعات والتحالفات الذي ترويه المصادر.
6 - توجيه الحفريات نحو مواقع مذكورة في المصادر
وأخيرا تنطلق كثير من الحملات الأثرية من إشارة في مصدر تاريخي، فتختار موقعا بعينه للتنقيب. وهذا التوجيه يجعل الحفر أقل عشوائية وأكثر ارتباطا بسؤال علمي محدد، وإن كان لا يغني عن الحذر من المبالغة في تصديق النص.
المطلب الثاني - علاقة التكامل والإشكالات
1 - إسهام الآثار في تصحيح الروايات التاريخية
العلاقة بين التاريخ والآثار تبادلية، فكما يخدم التاريخ الآثار يصحح الأثر كثيرا من الروايات. فقد كشفت الحفريات عن تفاصيل في الحياة اليومية والتجارة لم تذكرها المصادر الرسمية التي ركزت على الملوك والحروب.
2 - التعارض بين النص والشاهد الأثري
ومع ذلك قد يقع تعارض بين ما يقوله النص وما يظهره الشاهد الأثري، كأن يذكر مصدر تدميرا كاملا لمدينة بينما لا تظهر الحفرة دليلا عليه. وفي مثل هذه الحالات ينبغي فحص نية المصدر وزمن تدوينه قبل ترجيح أي طرف.
3 - خطر الإسقاط القومي والأيديولوجي
ومما يستوجب الانتباه أن توظف النصوص التاريخية والآثار لخدمة أهداف قومية أو أيديولوجية، فتقرأ اللقى لإثبات أصل أو أحقية. ولذلك تقتضي العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار موقفا نقديا يفصل بين الدليل العلمي والرغبة السياسية.
4 - الآثار حيث لا توجد نصوص كما في عصور ما قبل التاريخ
وفي المقابل تعد عصور ما قبل التاريخ المجال الذي تغيب فيه النصوص، فيصبح الأثر المصدر الوحيد. وهنا لا يلغي غياب الكتابة الحاجة إلى المعرفة النظرية، بل يدفع إلى الاستعانة بالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع لسد فراغ التفسير.
5 - نماذج من الشرق القديم وشمال إفريقيا
وتظهر النماذج في الشرق القديم حين ساعدت ألواح بوغازكوي، التي اكتشفت في مطلع القرن العشرين، على إدراك مكانة الحثيين. أما في شمال إفريقيا فقد وجه النص الكلاسيكي البحث في قرطاج ومدن نوميديا، قبل أن تصحح الحفريات بعض الصور المتداولة.
المبحث الثالث - الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع كعلوم مساعدة
وإذا كان التاريخ يقدم الإطار الزمني، فإن الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع يقدمان الإطار الإنساني الذي يفسر السلوك والتنظيم. وفي هذا المبحث نرى كيف تساهم العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار في فهم المجتمعات التي لم تترك سوى بقاياها.
المطلب الأول - أهمية الأنثروبولوجيا لعلم الآثار
1 - تعريف الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وفروعهما
تدرس الأنثروبولوجيا الإنسان وثقافته في أبعادها الاجتماعية والرمزية والحيوية، ومن فروعها الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية واللغوية، أما علم الاجتماع فيركز على بنى المجتمع وعلاقاته ومؤسساته. ويفيد الآثاري من الاثنين في بناء تصور عن الجماعات القديمة.
2 - تفسير السلوك والتنظيم الاجتماعي من البقايا المادية
ومن هنا يستعين الآثاري بالنماذج الأنثروبولوجية ليستنتج من حجم المساكن وتوزيعها ومن أدوات الطبخ ما يتصل بنمط الأسرة وتقسيم العمل. فالبقايا لا تفصح بذاتها، لكنها تصبح ذات دلالة حين تقرأ ضمن نموذج اجتماعي معقول.
3 - دراسة القرابة والتبادل والطقوس والمعتقدات
وبالإضافة إلى ذلك تمكن الأنثروبولوجيا من فهم أنظمة القرابة والتبادل والهدايا والطقوس، وهي موضوعات تترك أثرا ماديا غير مباشر في المقابر والمخازن والمعابد. وبذلك تتحول تفاصيل صغيرة إلى مؤشرات على بنية العلاقات داخل الجماعة.
4 - علم الآثار الإثنوغرافي وبناء الفرضيات
وفي هذا الإطار نشأ علم الآثار الإثنوغرافي (Ethnoarchaeology)، وهو ملاحظة مجتمعات حية لفهم كيف تتحول أنشطتها إلى بقايا مادية. ويوفر هذا الفرع فرضيات قابلة للاختبار حول التخلص من النفايات وصناعة الأدوات وتوزيع المساكن.
5 - دراسة الهوية والنوع الاجتماعي والطبقات
وعلاوة على ما سبق أسهمت الأنثروبولوجيا في طرح أسئلة عن الهوية والنوع الاجتماعي والطبقات، فلم يعد الآثاري يكتفي بالحديث عن الملوك والنخب. بل أصبح يسأل عن النساء والعمال والفقراء ومواقعهم في المجتمع المدروس.
6 - مصدر النظريات التطورية والإجرائية في علم الآثار
ومن الجدير بالذكر أن النظريات التطورية والإجرائية في علم الآثار استمدت كثيرا من مفاهيمها من الأنثروبولوجيا، كالتكيف والبيئة والنسق الثقافي. وهذا يبين أن كثيرا من الأطر التي يشتغل بها الآثاريون اليوم جاءت في أصلها من علوم مجاورة.
المطلب الثاني - حدود الاستعانة بها وضوابطها
1 - إشكالية القياس بالمماثلة
تقوم الاستعانة بالإثنوغرافيا على القياس بالمماثلة (Analogy)، أي افتراض أن ما يجري في مجتمع حي كان يجري في مجتمع قديم مشابه. غير أن هذا القياس قد يضلل إذا لم يقم على أدلة كافية تثبت وجه الشبه.
2 - خطر إسقاط الحاضر على الماضي
ومن جهة أخرى يهدد القياس الباحث بإسقاط الحاضر على الماضي، فيقرأ الأقدمين بعيون معاصرة ويفترض أن دوافعهم كدوافعنا. ولذلك تفرض العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار رقابة منهجية تحد من هذا الميل إلى التعميم.
3 - اختلاف الزمن والسياق بين المجتمعات الحية والقديمة
وفي المقابل ينبغي الانتباه إلى أن المجتمعات الحية تعيش في ظروف تاريخية وبيئية مختلفة عن المجتمعات القديمة. فالتقنيات والأسواق والعلاقات السياسية تغيرت، ولا يصح نقل سلوك من سياق إلى آخر دون تمحيص دقيق.
4 - ضوابط استعمال النماذج الإثنوغرافية
وبناء على ذلك يمكن تحديد جملة من الضوابط، منها أن يتشابه الظرف البيئي والتقني، وأن تعرض النماذج المتعددة لا واحد فقط، وأن تعامل النتيجة كفرضية لا كحقيقة. وهذه الضوابط تحفظ للمقارنة قيمتها وتمنع المبالغة.
5 - نماذج تطبيقية من الدراسات الأثرية
ومن النماذج التطبيقية دراسة الرعي والترحال في أطراف الصحراء، حيث قارن باحثون بين الرعاة المعاصرين ومواقع الاستقرار الموسمي القديمة. وقد ساعد ذلك على تصور مسارات الحركة ومواقع الماء، مع بقاء النتائج مرتبطة بحذر المنهج.
المبحث الرابع - علم النقوش واللغات القديمة وعلم الخطوط كعلوم مساعدة
وننتقل الآن إلى العلوم التي تقرأ الكتابة نفسها، وهي من أكثر العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار قدرة على تحويل اللقية إلى وثيقة ناطقة. فالنقش المقروء قد يغير تاريخ موقع بأكمله، ولذلك تحتل هذه العلوم مكانة خاصة بين نظيراتها.
المطلب الأول - مفهوم علم النقوش واللغات القديمة وخصائصها
1 - تعريف علم النقوش وعلم الخطوط وعلم اللغات القديمة
علم النقوش (Epigraphy) يدرس الكتابات المحفورة على الحجر والمعادن، وعلم الخطوط (Palaeography) يدرس أشكال الحروف وتطورها، أما علم اللغات القديمة فيدرس لغات اندثرت أو تحولت. ويلتقي الثلاثة عند هدف واحد هو قراءة النص قراءة صحيحة.
2 - طبيعة المادة المدروسة من نقوش وكتابات وعملات
وتتنوع المادة المدروسة بين نقوش المعابد والمقابر وشواهد القبور والمراسيم الرسمية، والكتابات على الفخار والألواح، والعملات التي تحمل أسماء وألقابا. وهذا التنوع يتيح للباحث الاطلاع على خطاب رسمي وآخر شعبي في آن واحد.
3 - خصائص القراءة والترجمة والتأريخ بالخط
وفي هذا السياق تمتاز هذه العلوم بخصائص دقيقة، فالقراءة تتطلب معرفة الحروف واتجاه الكتابة، والترجمة تقتضي فهم القواعد والمفردات، والتأريخ بالخط يقارن شكل الحرف بنماذج معروفة الزمن. وتبقى النتيجة نسبية ما لم تدعمها قرائن أخرى.
4 - فك الرموز ودور الكتابات الثنائية والثلاثية اللغة
وقد لعبت الكتابات الثنائية والثلاثية اللغة دورا حاسما في فك الرموز، لأن نصا مجهولا يكتب بجانب نص معلوم يفتح الباب للمقارنة. وبهذه الطريقة قرئت لغات كثيرة كانت مغلقة لقرون، منها المصرية القديمة والمسمارية.
5 - الفرق بين علم النقوش وعلم الآثار
ومن الضروري التمييز بين علم النقوش وعلم الآثار، فالأول يهتم بالنص وصياغته ومضمونه، والثاني يهتم بالنقش بوصفه قطعة مادية في سياق الحفر. ولا ينفصل الاثنان في التطبيق، لكن لكل منهما أدواته وأسئلته.
المطلب الثاني - أهمية علم النقوش لعلم الآثار
1 - تحديد هوية المواقع والأشخاص والأحداث
يسهم النقش في إعطاء الموقع اسمه الحقيقي، وفي التعرف على الأشخاص الذين بنوا أو رمموا أو دفنوا، وفي توثيق الأحداث كالحروب وتأسيس المعابد. فكثير من المدن عرفت أسماؤها القديمة بفضل نقش عثر عليه صدفة.
2 - تأريخ اللقى والمباني بالخط وبالتواريخ المنقوشة
وبالإضافة إلى ذلك تحمل بعض النقوش تواريخ صريحة مرتبطة بسنوات حكم أو تقاويم معروفة، فتكون مرجعا لتأريخ المبنى أو الطبقة. وفي حال غياب التاريخ يلجأ الباحث إلى تطور شكل الحرف ليحدد الفترة تقريبا.
3 - معرفة الأنظمة الإدارية والاقتصادية والدينية
وعلاوة على ذلك تكشف النقوش عن الألقاب الإدارية والضرائب والمعاملات التجارية والنذور الدينية. وبذلك تضيف العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار بعدا مؤسسيا لا تكشفه الأدوات والجدران وحدها.
4 - مثال حجر رشيد وفك الهيروغليفية
ويعد حجر رشيد (Rosetta Stone)، الذي اكتشف عام 1799، المثال الأشهر في هذا الباب، فهو يحمل نصا واحدا بالهيروغليفية والديموطيقية واليونانية. وبفضله تمكن شامبليون عام 1822 من إحراز تقدم حاسم في فك رموز الكتابة المصرية القديمة، ويعرض المتحف البريطاني الحجر اليوم عبر موقعه الرسمي.
5 - نماذج من النقوش النوميدية والبونية والرومانية في الجزائر
وفي الجزائر تتعدد النماذج بين نقوش ليبية بربرية ونقوش بونية ولاتينية، تظهر على شواهد القبور والنصب والمعالم. وتكشف هذه الكتابات تعايش اللغات في المنطقة وتنوع العلاقات بين الأهالي والقرطاجيين ثم الرومان، كما تسجل أسماء مدن مثل سيرتا وتيبازة وتيمقاد.
المطلب الثالث - التحديات والتكامل مع علم الآثار
1 - تضرر النقوش وصعوبة القراءة
تواجه هذه العلوم أولا مشكلة التلف، إذ تتآكل الحروف بفعل الرطوبة والتجوية والتخريب، وتتكسر الحجارة فتضيع أجزاء من النص. ويضطر الباحث حينئذ إلى ترميم افتراضي للنص اعتمادا على صيغ مألوفة، وهو ترميم يبقى احتماليا.
2 - ندرة المتخصصين في اللغات القديمة
ومن جهة أخرى يشكو الميدان من قلة المتخصصين في اللغات القديمة، خاصة في الجامعات العربية، فتبقى نقوش كثيرة بلا قراءة نهائية. وتتطلب معالجة هذا النقص برامج تكوين طويلة الأمد وتعاونا مع مؤسسات دولية.
3 - اختلاف التفسيرات حول المعنى
وفي المقابل يختلف الباحثون في تفسير بعض الكلمات والعبارات، خصوصا في اللغات التي لا تزال معرفتنا بها ناقصة. وهذا الاختلاف طبيعي في العلم، لكنه يستدعي ذكر درجة اليقين عند عرض أي ترجمة.
4 - ضرورة التوثيق الدقيق للسياق الأثري للنقش
وفي ضوء ذلك يلزم تسجيل موضع العثور على النقش وطبقته وما رافقه من لقى، لأن النقش المنزوع من سياقه يفقد جزءا كبيرا من قيمته. فالنص دون سياق مادي يصعب تأريخه ويسهل التلاعب بتفسيره.
5 - دور الرقمنة والتصوير في حفظ النقوش
وأخيرا تقدم الرقمنة والتصوير بالإضاءة المنخفضة والمسح ثلاثي الأبعاد وسائل جديدة لحفظ النقوش وقراءتها، وإن كانت هذه الوسائل تقنية بطبيعتها وتخرج عن موضوع المقال. ويكفي أن نشير إلى أنها تدعم هذه العلوم النظرية في عملها دون أن تغني عنها.
المبحث الخامس - علم الأديان كعلم مساعد
وبعد النصوص ننتقل إلى الفكر والمعتقد، فالمعابد والمقابر من أكثر الشواهد الأثرية وفرة، وهي لا تفهم بمعزل عن الأديان التي أنشأتها. وهنا تتضح مكانة علم الأديان بين العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار.
المطلب الأول - أهمية علم الأديان لعلم الآثار
1 - تعريف علم الأديان وتاريخ الأديان
علم الأديان (Religious Studies) يدرس الظاهرة الدينية دراسة موضوعية دون الانحياز لعقيدة بعينها، أما تاريخ الأديان (History of Religions) فيتتبع نشأة المعتقدات وتطورها وتأثرها ببعضها. ويقدم الاثنان للآثاري إطارا لفهم المكان والممارسة.
2 - فهم المعابد والمقابر وطقوس الدفن
ومن خلال هذه المعرفة يفهم الباحث لماذا اتخذ المعبد شكلا معينا، ولماذا وجه الميت في اتجاه محدد وزود بمتاع معين. فطقوس الدفن تكشف تصورات عن الموت والحياة الأخرى، وهي من أهم المصادر لدراسة الذهنيات القديمة.
3 - تفسير الرموز والتماثيل والمخلفات الطقسية
وفي هذا السياق يساعد علم الأديان على تفسير الرموز والتماثيل والأواني الطقسية والقرابين، فيربط الشكل بالوظيفة. ومن دونه قد تعد قطعة بسيطة زينة، في حين أنها أداة شعيرة ذات مكانة عظيمة.
4 - دراسة الفكر الرمزي في عصور ما قبل التاريخ
وعلاوة على ذلك يهتم الباحثون بالفكر الرمزي في عصور ما قبل التاريخ، كما في الفن الصخري والمقابر والأصباغ. ويعد فن الطاسيلي ناجر في الجزائر مثالا بارزا، وقد أدرجته منظمة اليونسكو ضمن مواقع التراث العالمي.
5 - ربط الشعائر بالتنظيم الاجتماعي والسياسي
ومما يعزز هذا التوجه أن الشعائر ترتبط عادة بالسلطة، فالمعبد الكبير يعكس سلطة كهنوتية، والمدفن الفخم يعكس طبقة عليا. وعند قراءة ذلك قراءة نظرية سليمة نفهم كيف اجتمع الدين والسياسة في بناء المجتمعات القديمة.
6 - تمييز المخلفات الدينية عن غيرها وحدود التأويل
وفي المقابل ليس كل ما يبدو غريبا دينيا، فقد يكون قطعة عادية أو أداة منزلية فقدت وظيفتها الأصلية. ولذلك يلزم وضع معايير واضحة لتمييز المخلفات الدينية، منها تكرار الأنماط ووجودها في سياقات مخصصة للطقوس.
المطلب الثاني - نماذج وإشكالات
1 - نماذج من الديانة المصرية والبابلية القديمة
تقدم الديانة المصرية القديمة نموذجا غنيا بالمعابد والمقابر والنصوص الجنائزية، فيفهم الآثاري من خلالها طقوس التحنيط وأثاث القبور. وكذلك تتيح الديانة البابلية فهم المعابد المدرجة والآلهة المحلية المرتبطة بالمدن، وهي نماذج تظهر قيمة المعرفة الدينية في التفسير.
2 - نماذج من المعتقدات المغاربية القديمة
ومن جهة أخرى تبرز المعتقدات المغاربية القديمة في المدافن الضخمة كالمدراسن وقبر الرومية، وفي نصب النذور المهداة إلى بعل حمون ثم ساتورن. وتبين هذه الشواهد استمرار بعض التقاليد المحلية رغم تعاقب القوى السياسية على المنطقة.
3 - خطر التأويل الديني المفرط لكل لقية غامضة
وفي هذا الإطار تظهر ظاهرة التأويل الديني المفرط، حيث تنسب كل لقية مجهولة الوظيفة إلى الطقوس. وهذا الميل يكاد يكون عادة لدى المبتدئين، ويعالج بالمقارنة والتحقق من القرائن قبل الجزم بالوظيفة الدينية.
4 - تأثير المعتقدات الحالية في قراءة الماضي
وعلاوة على ما سبق قد يتأثر الباحث بمعتقداته الشخصية أو بثقافة مجتمعه الدينية، فيقرأ الماضي بمنظور حاضره. ومن هنا تأتي أهمية الحياد المنهجي الذي يميز علم الأديان، وهو ما يحتاجه الآثاري حين يقترب من المقدس.
5 - الحاجة إلى مقاربة نقدية مقارنة
وبناء على ما تقدم تبقى الحاجة ملحة إلى مقاربة نقدية مقارنة تضع كل ديانة في سياقها، وتقارن بين الممارسات دون تعميم. وبذلك تؤدي العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار وظيفتها في توسيع الفهم، لا في تضييقه على تفسير واحد.
المبحث السادس - علم الفن والعمارة
وبعد الفكر والمعتقد يأتي الشكل والأسلوب، فالمبنى والتمثال والفسيفساء كلها نتاج ذوق وتقنية وفكرة. ويكشف هذا المبحث كيف تدعم العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار قراءة الأعمال الفنية والمعمارية بوصفها شواهد على حضارتها.
المطلب الأول - أهمية تاريخ الفن والعمارة لعلم الآثار
1 - تعريف تاريخ الفن وتاريخ العمارة
تاريخ الفن يدرس تطور الأعمال التشكيلية من نحت ورسم وفسيفساء وزخرفة، أما تاريخ العمارة فيدرس المباني وطرز بنائها ومواد إنشائها. ويقدمان للآثاري معجما بصريا يقرأ به الأعمال والمنشآت.
2 - تأريخ الأعمال والمباني بالأسلوب
ومن هنا يمكن تأريخ العمل الفني أو المبنى بمقارنة أسلوبه بنماذج معروفة الزمن، فتغير طراز التيجان أو شكل الأقواس يشير إلى مرحلة معينة. ويفيد ذلك خاصة حين تغيب النقوش والعملات التي تحدد التاريخ مباشرة.
3 - تحديد التأثيرات الحضارية والتبادل الثقافي
وفي هذا السياق يكشف الأسلوب الفني عن التأثيرات الحضارية، فوجود عناصر يونانية في معبد محلي مثلا يدل على اتصال ثقافي. وبذلك يرسم الباحث خريطة للتبادل بين الشعوب انطلاقا من الأشكال لا النصوص وحدها.
4 - فهم وظيفة المباني ودلالاتها الاجتماعية والرمزية
وعلاوة على ذلك يساعد تاريخ العمارة على فهم وظيفة المبنى، كونه بيتا أو سوقا أو حماما أو معبدا، وعلى إدراك رمزيته الاجتماعية. فاتساع الفناء وموقع المسجد في المدينة الإسلامية مثلا يعبران عن علاقة الدين بالحياة العامة.
5 - دعم الترميم وإعادة التصور المعماري
ومما يعزز أهمية هذا العلم دوره في دعم أعمال الترميم وإعادة التصور المعماري، إذ يحتاج المرمم إلى معرفة الطراز الأصلي ليعيد بناء الجزء المفقود بأمانة. وتبقى هذه المهمة حساسة، لأن الاجتهاد الزائد قد يحرف صورة المبنى.
6 - قراءة الزخارف والتماثيل والفسيفساء
وأخيرا تقدم الزخارف والتماثيل والفسيفساء مادة غنية للقراءة، فكل مشهد يحمل رواية عن أسطورة أو حياة يومية أو معتقد. وتبرز في الجزائر فسيفساء شرشال وجميلة بوصفها نماذج تعكس الذوق الروماني والمحلي معا.
المطلب الثاني - نماذج وإشكالات
1 - نماذج من العمارة الرومانية والإسلامية في المغرب العربي
تضم بلاد المغرب العربي نماذج بارزة، من مدن رومانية كتيمقاد وجميلة وتيبازة بمخططها المنتظم ومنتدياتها وأقواسها، إلى معالم إسلامية كجامع القيروان الذي يرتبط تأسيسه بعقبة بن نافع، وقلعة بني حماد في الجزائر. وتتيح هذه المعالم مقارنة بين طرز وعصور مختلفة.
2 - التأريخ بالأسلوب وحدوده
غير أن التأريخ بالأسلوب له حدود، فقد يستمر طراز قديم في الاستعمال بعد ظهور طراز جديد، وقد يقلد بناء متأخر أسلوبا سابقا. ولذلك يعامل التأريخ الأسلوبي كقرينة مساندة تعزز بأدلة أخرى.
3 - التفاوت بين الأسلوب والزمن في المناطق الطرفية
ومن جهة أخرى يظهر التفاوت بين الأسلوب والزمن في المناطق الطرفية، إذ تصلها الطرز متأخرة أو تتحور على يد الحرفيين المحليين. وبالتالي لا يصح تطبيق جدول زمني واحد على المركز والأطراف دون مراعاة هذه الفروق.
4 - تغليب الجانب الجمالي على القيمة الأثرية
وفي المقابل قد يؤدي التركيز على الجمال إلى إهمال القيمة الأثرية للقطع البسيطة غير الفاخرة. فالقطعة المتواضعة قد تحمل معلومات عن حياة عامة الناس تفوق ما تحمله تحفة نادرة، ولذلك ينبغي توازن النظر بين الذوق والدلالة.
5 - التكامل بين القراءة الفنية والقراءة الأثرية
وبناء على ذلك يتحقق التكامل حين تجمع القراءة الفنية بين تحليل الشكل وتحليل السياق الأثري من طبقة ووظيفة ومرافقات. وهذا هو جوهر ما تقدمه العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار، أي معرفة تنظم الملاحظة وتحميها من الانطباع.
المبحث السابع - مقارنة بين العلوم النظرية المساعدة وطبيعة العلاقة بعلم الآثار
وفي ضوء ما سبق نصل إلى مرحلة المقارنة والتركيب، حيث نضع العلوم المدروسة جنبا إلى جنب لنبرز أوجه التشابه والاختلاف، ثم نحدد طبيعة العلاقة التي تجمعها بالعلم الأثري. ومن خلال ذلك تتضح الصورة الكلية للعلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار.
المطلب الأول - مقارنة بين العلوم
1 - من حيث نوع المصدر والمادة المدروسة
يعتمد التاريخ والنقوش على المصدر النصي، وتعتمد الأنثروبولوجيا على الملاحظة المجتمعية والنماذج، ويقوم علم الأديان على النصوص والرموز والشعائر، ويتناول تاريخ الفن المنتجات التشكيلية والمعمارية. وهذا التنوع يجعل كل علم يضيء جانبا مختلفا.
2 - من حيث الدور في التأريخ والتفسير والتأويل
وتختلف الأدوار كذلك، فعلم النقوش والمسكوكات وتاريخ الفن يخدمون التأريخ بدرجات متفاوتة، والأنثروبولوجيا والتاريخ يخدمان التفسير، وعلم الأديان والفلسفة يخدمان التأويل. ومع ذلك تتداخل الأدوار في كثير من الدراسات.
3 - من حيث المنهج الغالب
ومن حيث المنهج يغلب على التاريخ والنقوش النقد النصي، وعلى الأنثروبولوجيا المقارنة والملاحظة، وعلى علم الأديان المقارنة الظاهراتية، وعلى تاريخ الفن التحليل الأسلوبي. وهذا التباين ينبغي أن يفهمه الآثاري كي يحسن الاستعانة بكل علم بما يناسبه.
4 - من حيث نقاط القوة وحدود الاستعانة
ولكل علم نقاط قوة وحدود، فالنقوش تعطي دقة عالية لكنها محدودة بما بقي منها، والأنثروبولوجيا تعطي ثراء تفسيريا لكنها معرضة لخطر القياس، وتاريخ الفن يعطي تأريخا سريعا لكنه عرضة للتفاوت بين الأسلوب والزمن. ويبين الجدول التالي هذه الفروق مجتمعة.
5 - جدول مقارن يلخص الخصائص والأهمية
وفيما يلي جدول يلخص الخصائص والأهمية والحدود بصورة مبسطة يسهل الرجوع إليها.
جدول مقارن بين أبرز العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار
| العلم | نوع المصدر | الدور الرئيسي | أهم إسهام | حدود الاستعانة |
|---|---|---|---|---|
| التاريخ والجغرافيا التاريخية | نصي ومكاني | التأريخ والتفسير | تحديد السياق والمواقع | تحيز المصادر والإسقاط الأيديولوجي |
| الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع | اجتماعي | التفسير | فهم التنظيم والسلوك | خطر القياس بالمماثلة |
| علم النقوش واللغات القديمة | نصي مادي | التأريخ والتفسير | تحديد الهويات والأحداث | التلف وقلة المتخصصين |
| علم الأديان | فكري رمزي | التأويل | فهم المعابد والطقوس | التأويل الديني المفرط |
| تاريخ الفن والعمارة | مادي شكلي | التأريخ والتأويل | التأريخ بالأسلوب وفهم الوظيفة | التفاوت بين الأسلوب والزمن |
| علم المسكوكات | مادي ونصي | التأريخ | تواريخ دقيقة نسبيا | تداول العملة بعد صكها |
| الفلسفة ونظرية المعرفة | فكري | التأويل والنقد | ضبط المنهج وحدود اليقين | الإفراط في التجريد |
المطلب الثاني - طبيعة العلاقة بعلم الآثار
1 - علاقة التكامل والاعتماد المتبادل
تقوم العلاقة بين علم الآثار وهذه العلوم على التكامل والاعتماد المتبادل، فالآثار تمد التاريخ بمعطيات جديدة، والتاريخ يمد الآثار بالتفسير. وكذلك الأمر مع النقوش والأنثروبولوجيا، فكل طرف يغني الآخر دون أن يلغيه.
2 - علاقة التأثير والتأثر
وفي هذا الإطار تتجلى علاقة التأثير والتأثر عبر تاريخ العلم، فقد أثرت الأنثروبولوجيا في المدرسة الإجرائية، وأثرت الفلسفة في ما بعد الإجرائية، وفي المقابل قدمت الحفريات بيانات أعادت توجيه أسئلة هذه العلوم.
3 - الاستقلال المنهجي لعلم الآثار
ومع هذا التداخل يحتفظ علم الآثار باستقلاله المنهجي، فله أدواته الخاصة كالتنقيب والتسجيل الطبقي والتصنيف النمطي. ولا ينبغي أن يتحول إلى تابع لتاريخ أو لنص، بل يظل علما يملك شاهده المادي وطريقته في الاستدلال.
4 - موقع هذه العلوم قياسا بالعلوم التطبيقية والتقنية
ومن جهة أخرى تقف العلوم النظرية في مقابل العلوم التطبيقية والتقنية بوصفها شريكا مكملا، فالأولى تعطي المعنى والثانية تعطي القياس. ولا يغني التأريخ المخبري عن الفهم التاريخي، كما لا يغني الفهم النظري عن دقة القياس.
5 - ضوابط الاستعانة بها دون إسقاط الحاضر على الماضي
وبناء على ما سبق تتلخص الضوابط في أن تحدد الأسئلة قبل اختيار العلم المساعد، وأن تتعدد القراءات، وأن يفصل بين الدليل والفرضية، وأن تراجع النتائج من متخصصين. وبهذا يؤدي استخدام العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار دوره دون أن يجر الباحث إلى إسقاط الحاضر على الماضي.
المطلب الثالث - الإشكالات وآفاق التطوير
1 - هيمنة النص على المادة أو المادة على النص
يكمن أول الإشكالات في اختلال التوازن، فقد يهيمن النص فيصبح الأثر مجرد توضيح له، وقد تهيمن المادة فيهمل النص وتضيع المعلومات التي يحملها. والحل في ميزان يعطي كل مصدر قيمته وفق جودته وسياقه.
2 - ضعف التكوين المشترك بين الآثاريين وأهل هذه العلوم
ومن جهة أخرى يظهر ضعف التكوين المشترك، فالآثاري قد لا يتقن اللغات القديمة أو الأنثروبولوجيا، وأهل هذه العلوم قد يجهلون منهج الحفر. وينتج عن ذلك سوء فهم متبادل يؤثر في جودة النتائج.
3 - تطوير التكوين الجامعي البيني والترجمة وتوحيد المصطلح
وفي هذا السياق يقترح تطوير برامج جامعية بينية تجمع بين الآثار والتاريخ واللغات والأنثروبولوجيا، مع دعم ترجمة المراجع الأساسية وتوحيد المصطلح العربي. فالمصطلح الموحد يمنع الاضطراب ويسهل تبادل المعرفة بين الباحثين.
4 - التكامل مع العلوم التطبيقية في المشاريع الأثرية
وعلاوة على ذلك ينبغي دمج العلوم النظرية في المشاريع الأثرية التي تشمل التحاليل المخبرية والمسح والرقمنة، بحيث تصاغ الأسئلة نظريا وتجاب تقنيا. وهذا التكامل يرفع قيمة النتائج ويعطيها بعدا تفسيريا واضحا.
5 - نحو مقاربة عربية في النظرية الأثرية
وأخيرا تبرز الحاجة إلى مقاربة عربية في النظرية الأثرية تنطلق من خصوصية المنطقة وتراثها المعرفي، ولا تكتفي باستيراد النماذج الغربية. ويمكن للباحثين العرب الاستفادة من مصادر التراث التاريخي والجغرافي والفقهي في بناء أطر جديدة تتصل بواقعهم وتضيف إلى العلم.
الخاتمة
تبين من خلال هذا المقال أن العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار ليست ملحقا ثانويا، بل هي جزء من بنية التفكير الأثري نفسه، فقد رأينا كيف يحدد التاريخ والجغرافيا السياق الزمني والمكاني، وكيف تفسر الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع السلوك والتنظيم، وكيف تنطق النقوش واللغات القديمة بما سكتت عنه الحجارة، وكيف يفتح علم الأديان باب المعتقد والرمز، وكيف يقرأ تاريخ الفن والعمارة الشكل والوظيفة والأسلوب. وفي المقابل بينا أن لكل علم حدوده التي تفرض الحذر، من تحيز النص إلى خطر القياس بالمماثلة والتأويل المفرط والتفاوت بين الأسلوب والزمن.
وبناء على ذلك يتأكد أن علم الآثار لا يحقق التفسير الكامل دون معرفة نظرية تمنح المعطيات المادية معناها، وأن العلاقة بينه وبين هذه العلوم علاقة تكامل واعتماد متبادل مع احتفاظه باستقلاله المنهجي. ومن أبرز النتائج أن لكل علم دورا محددا في التأريخ أو التفسير أو التأويل، وأن الاستعانة السليمة تقتضي ضوابط واضحة تمنع إسقاط الحاضر على الماضي، وأن هذه العلوم تعمل في تعاون مع العلوم التطبيقية والتقنية لا في منافسة معها.
وفي ضوء هذه النتائج نوصي بتعزيز التكوين البيني في الجامعات العربية، ودعم ترجمة المراجع الأساسية وتوحيد المصطلح، وتشجيع الدراسات المشتركة بين الآثاريين والمؤرخين واللغويين والأنثروبولوجيين. وتبقى آفاق البحث المستقبلية مفتوحة أمام دراسة العلاقة بين النظرية الأثرية والعلوم الإنسانية في ظل التحول الرقمي، حيث تتيح قواعد البيانات والنقوش المرقمنة فرصا جديدة لتعاون أوثق، يجعل العلوم النظرية المساعدة لعلم الآثار أكثر حضورا وفاعلية في فهم ماضي الإنسان.

اترك تعليق جميل يظهر رقي صاحبه